أسابيع وتفصلنا عن الذكرى الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير حاملة معها نسمة هواء من ماض ليس ببعيد من حيث زمانه، ولكنه شديد البعد من حيث عظم اختلافه عن الواقع الكابوسي الحالي أول نسمة هواء يشمها المصريون بعد عقود من الكبت والدفن في رمال الديكتاتوريات المختلفة لننتقل إلى وضعنا الحالي عهد السلطة العسكرية الحالية لتبدأ فترة لم يتخيلها أشد المتشائمين تشاؤمًا.

في كل ذكرى ليناير يطل من آمنوا بها برؤوسهم متطلعين إليها في حرمان سائليها في صمت أو في ضجيج أحيانـًا هل إلى مرد من سبيل؟

ومنهم من لم يكتف بالسؤال بل نزل يستكشف الإجابة بنفسه في الشوارع فلا يجيب عليه إلا الرصاص الحي والاعتقال فحتى قنابل الدخان صارت رفاهية لم تعد تستخدم اليوم.

ولكن هذه المرة  نبرة التساؤل أعلى ومؤشرات الأمل بدأت ترتفع، النظام بالفعل فقد كثيرًا جدًا من شعبيته ومؤيدينه ونبرات السخط بدأت تنتشر بين المواطنين في الشوارع وترجم ذلك مظاهر مثل الإقبال غير المسبوق في الضعف على الانتخابات البرلماني.

وقد زاد ذلك أن الأوضاع الاقتصادية بدت عبئًا غير محتمل للمواطن الذي تبين له أن الجنرال اللين الحديث لم يزيده إلا أعباء فوق الأعباء وتدهور فوق التدهور.

ضف على ذلك ممارسات الجهاز الأمني التي فاحت رائحتها وأصبح يدًا باطشة تضرب الجميع بلا هواده وليست تضرب أعداء الوطن فقط كما كان يظن أحمد ذكي في فيلم البريء ثلاث مواطنين غير مسيسين يتم تعذيبهم حتي الموت في أسبوع واحد لابد أن المواطن توقف أخيرًا وبدأ يسأل نفسه ماذا يحدث؟

الممارسات البشعة التي ترتكبها الأجهزة الأمنية من تعذيب حتى الموت وإخفاء قسري وتصفية جسديات لم تعد تقتصر على المعارضين السياسيين فقط بل تجاوز قمع المؤسسة الأمنية كل الحدود والفواصل ذلك الساتر الحديدي من التعتيم الذي كان يفرضه النظام بإحكام على المغضوب عليهم وتحته يتم التنكيل وارتكاب الانتهاكات بحقهم تحت عنوان محاربة الإرهاب بدأ ينكشف مؤخرًا للمواطن البسيط بعد أن طاله ما طال من تحت هذا الغطاء وأنه ليس ببعيد عما يدور المواطن الذي تأكد أخيرًا بعد كل هذا أن نور عينين الجنرال لم تطعمه من جوع ولم تأمنه من خوف.

ما سردته في السطور السابقة هو محاولة للتدليل على أن الواقع يتغير ولكن ما سردته في مقال سابق بعنوان نحن لماذا لا ننتصر لم يتغير بعد.

العوامل السابقة في المشهد تقول إن هناك رائحة تغيير تلوح في الأفق ولكن من المثير للكوميديا السوداء إذا نظرت للمشهد من بعيد ستجد أن  قوى التغيير الآن تقف عائق للتغيير وتحريك المشهد، من تنازع وتصارع وغياب رؤيا وتشتيت تشعر أننا رغم آلاف الضحايا والمعتقلين لم نصل لمرحلة النضج بعد، ولا أعلم كم يكفينا لنخلع ردائاتنا الأيديولوجية ونحاول أن نصنع أرضية مشتركة ما ونكون على مستوى التطورات الواقعية.

واسمع تلك الصيحات التي تقول إن هذه مثالية غير واقعية ولكن النموذج التونسي ليس ببعيد، ولو لم تكن الأرضيات والرؤى المشتركة واقعية منطقية فما الواقعية من وجهة نظرهم أن يظل القمع والاستبداد والشتات والإرهاب وانجراف الوطن إلى حفرة لا نعرف متى نبلغ قاعها لكي يظل كل تيار محافظـًا على أهدافه الأيديولوجية التي لن ينالها.

كانت أرضيات القوى السياسية تتجه نحو الحد الأدنى من التوافق شيئًا فشيئًا مع اقتراب تاريخ ذكرى يناير ولكن تشعر أن بعض الأصوات والأقلام تعمل جاهدة بدون قصد على ضرب أي فرصة لحوار أو تقارب.

فبين قيام ناشط سياسي له تاريخ ثوري  بكتابة مقال يحاول فيه تهميش فصيل كبير أو تغييبه في المعادلة الثورية وهو الإخوان اتفقت أو اختلفت معهم فهم جزء منها، ثم تزداد الأمور تعقيدًا بمقالات ساخنة تحاول الرد ثم تضرب الأمور في مقتل ببيان يصدره مكتب جماعة الإخوان في الخارج يؤكد فيه على أن الجماعة مازالت متمسكة بمطلبها في عودة محمد مرسي إلى كرسي الحكم، وقد كان هذا بمثابة رصاصة الرحمة على أي تفكير أو اتجاه أو رؤيا مشتركة، الإخوان توقف التاريخ عندهم وفقدوا الإحساس بالزمن عند يوم 3 يوليه غير راغبين أو عابئين بأي عامل واقعي، وفي النهاية يدفع شبابهم ومناصريهم ثمن ضحالة تفكير قياداتهم أمام نظام لا يعرف الرحمة بمطالب صارت مستحيلة ومنتهية الصلاحية.

أن استمرار ثنائية صراع الإخوان والعسكر هو أكثر شيء يؤخر انضمام فئات مجتمعية كبيرة إلى  الحراك المعارض للنظام وهذا ما مكن النظام تحت عنوان هذه الثنائية من ارتكاب مجازر رابعة والنهضة وما سبقها وما تلاها.

فهي تعطيه مبررًا كافيًا أمام الطبقات الشعبوية  أن يفرض مزيدًا من القمع والتنكيل ولعل هذا ما قاله الدكتور محمد البلتاجي في لقاء جمعه مع الإعلامي يسري فودة بعد الثورة ببضعة أشهر وقال نصًا: (لو عادت ثنائية صراع الإخوان والعسكر ستعود مصر إلى ما قبل 25 يناير) وهذا ما قد كان وهذا ما يزال الإخوان يصرون عليه.

وتستمر من جانب آخر لهجة التعالي والعجرفة وامتلاك الحق الثوري الوحيد من نشطاء معارضين للإخوان ومحاولة انتقاص  دورهم في ثورة يناير وإلصاقهم مع النظام الحالي في خندق واحد، وفي النهاية الخلافات تتلخص في عبارة أنا أريد وأنت تريد ولكن في النهاية النظام يفعل ما يريد، والشارع ما زال كما هو المواطن غير المسيس بدأ يستمع للنظام بأذن ساخرة ساخطة على أداؤه وممارساته ولكن في النهاية الإخوان ومعارضي الإخوان والشارع كل يغني في معزوفته الخاصة بعيدًا كل البعد عن الآخر

وبين هذا وذاك يستمر النظام في سياسته الأمنية من تشويه وقمع وتعتيم للجميع وتستمر سياسته الداخلية والخارجية المتخبطة الدالة على عدم وجود رؤيا سياسية واستراتيجية لأي شيء غير القمع الأمني السياسي، وعليه تحاط مصر بالانحدارات في جميع المجالات مما يدق ناقوس الخطر في آذان الجميع أن الوطن في خطر ولكن لا يجيب أحد.

الوضع فاق وتجاوز أي تصور أو رؤية على الأرض، فنحن أمام سلطة لا تعبأ إلا ببقائها ولو على حساب بقاء الوطن، وليس مجرد سلطة قمعية ديكتاتورية.

فبين اتفاق المبادئ الذي وقع في أثيوبيا والتفريط في حقوق مصر المائية وبين اتفاق استيراد الغاز من إسرائيل وبين اتفاقات أخرى تستشعر أن هذه السلطة تسير على منهج البقاء، وحسب استمرار السلطة الحالية يمثل كارثية تهدد بقاء الوطن في المستقبل، فضلاً عن  ضرب النسيج المجتمعي ونشر العداء بين صفوف المواطنين، وماذا بعد أخبار سقوط ضحايا من الجيش والشرطة في سيناء بشكل يومي، أو سقوط مدنيين في عمليات بطش أمني عشوائي من جانب آخر، وتوغل الجماعات التكفيرية وانتشارها بصورة غير مسبوقة في سيناء.

السفينه تغرق ولم يستفق أحد من سكرته بعد، أرجو ألا نستفيق والمياه تغطي أنوفنا وقد أدركنا الغرق جميعًا.

على كل متطلع إلى التغيير، على كل ساع إلى الحفاظ على الوطن، إلى كل باحث عن العدل أن يعلم أنه ليس هناك خروج من هذا النفق المظلم إلا برؤية وطنية سياسية لا تقصي أحدًا وتضم تحت بنودها هذا المواطن المهمش لمحاولة استعادة ثقته في قوى التغيير من جديد، بعد أن فقد ثقته بالفعل في السلطة الحالية، وتكون هذه الرؤية هي عنوان القضية وطريق النضال على أهداف يناير المجيدة.

إن قوى التغيير لو ظلت متناحرة متصارعة تحت الرداءات الأيديولوجية فلا أمل قريب لتغيير الوضع الراكد إلا إذا استبق الشارع غير المسيس الأمر، وبدأت الحركة الأولى منه، ووقتها  ستضطر هذه القوى إلى أن تؤقلم أوضاعها معه لا العكس، ووقتها النتائج ستكون مبهمة كبالون في الهواء لا تعرف إلى أين سترسو به الريح.

هل سنظل مصرين على أخطاء الماضي بصراعاته وحماقاته؟
هل سنترك المستقبل لتنهشه أياد عابثة لا تكترث إلا بمصالحها الشخصية وفرض نفوذها؟ متى تكون الاستفاقة؟ وإلى أي حد سنكون بلغنا بعد أن نصل إليها؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثورة يناير
عرض التعليقات
تحميل المزيد