تلفظه موجات الألم إلى اللاشيء، أو حياة ينقصها شيء!

هو ليس كذلك، ولا تمر حياته كهؤلاء، بل قل إنها لا تمر! فما قيمة أن يحيا المرء دقائق وساعات عمره في معاناةٍ لا تقل في قسوتها عن تلك التي تمر على طفلٍ صغيرٍ ينتظر عودة أمه إليه بعد غيابٍ طويلٍ، أو مريضٍ متألمٍ ينتظر جرعة الدواء التي تخفف ألمه قليلًا، جميعها أوقاتٌ تمر بطيئةً حادةً يود صاحبها أن تُقبض روحه أهون عليه من تلك المعاناة.

تتجرع غرفته مرارة ذلك الأسى معه، يطليها ظلامها الدامس الذي لم يفارقها منذ وقتٍ طويلٍ حتى أصبح لها الصديق الودود. في الحقيقة لا تدري! هل هو ظلام ما تفقده الحجرة من إضاءة مصابيحها، أم هو انعكاسٌ لظلام روحه يطلي به كل ما يحيطه!

على أي حالٍ فهي حجرة معتمة. يظن المار من أهله بجانبها أنها صامتة، ولكنها إليه ليس كذلك، فذاك الصوت الذي تصدره عقارب ساعته كفيلٌ أن يرسل لروحه من الضجر والألم ما لا تستطيع أن تفعله ليلة عرسٍ صاخبةٍ، تخبره كل دقةٍ أن عمره يمضي ومازالت رحلته التي قضاها لعدة أيامٍ منذ ثلاث سنوات لم تُجدِ إليه نفعًا كما تمنى.

ذهب صوب نافذة حجرته وفتحها ليرى ما يحدث خارجًا فإذ به صوت أحد صائدي الطيور الذي يتجول في أنحاء مدينته يصطاد ما لذ وطاب له. ولم يكد ذلك المشهد يمر عليه بضع ثوانٍ حتى سرعان ما جال في عقله أحلام طفولته الجميلة مع الطيور، حينما كان يرى أسرابها المنظومة في السماء فيدعو الله أن يكون طائرًا معهم يجوب الأرض من مشرقها إلى مغربها حرًا طليقًا غير مكبوتٍ بأي قيود. كان طيلة عمره شديد الكره لهؤلاء الصائدين الذين يحرمون الطيور من تحليقهم، لماذا يريدون أن يقضوا عليهم؟ هل هذا ذنب كل محلقٍ طامحٍ؟ هل إذا كان طائرًا في يومٍ من الأيام كان سيلاقي صائدًا يحرمه من صولاته التي لطالما كان يحلم بها؟!

هكذا يسأل نفسه متعجبًا حينما كان يرى قسوة هؤلاء الصائدين في طفولته، لكن الأمر الآن لم يثر دهشته بقدر ما أثار من ألمٍ حاصر قلبه حينما تذكر هو الآخر رحلته التي حلق فيها مع أصدقائه في فترةٍ من فترات حياته. كان حينها يبلغ منه الفخر والطموح مبلغًا عظيمًا، والآن يتذكر عواقب تلك الرحلة وهو حزينٌ يتألم.

سمع تلك الكلمات المنصرمة فسرح وقتها بخيالاته يتأمل إشراق المستقبل والأسئلة تدق جدران عقله ثورة؟! هل سيأتي يومًا وأكون ثائرًا؟! كل ما أعرفه عنها أنني كنت أدرسها في دروس الدراسات الاجتماعية المقيتة حينما كنت في المرحلة الإعدادية ولكن هل يأتي ذلك اليوم الذي أعاصرها؟!

لم يكن يعلم لتلك الأسئلة أية إجاباتٍ ولا يدري ماذا سيلاقي نتيجة ما هو مقبلٌ عليه، كل ما كان يدركه وقتها أنه بداخله صراخٌ يريد أن ينفذ، آلامٌ تهفو إلى التداوي، عجزٌ حارقٌ يفتت جسده منذ سنين يريد الخلاص منه.

بداخله دافعٌ للتغيير أقوى من أي شيء! من الجبروت وأعوانه، من أجيال غشاها الصمت منذ مولدهم حتى انتصفوا قرن من عمرهم، من كل شيء يريد أن يخمد احتراق قلبه على الهلاك الذي انتاب بلاده ويأبى أن يفارقها.

اشتعلت حماسته ونهض بالنزول في ذلك اليوم مهما كان الثمن الذي سيدفعه. خرج مع أصدقائه وعددٍ ليس بقليلٍ من الشباب يطالبون بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، يبحثون عن أجواء لا يعكرها الأسى، يطالبون بغدٍ أجمل لبلادهم وشعبهم، يريدون أن ينالوا أبسط حقوق الآدميين في الحياة، فقط يبحثون عن الحرية!

18 يومًا أتموها في ميدان التحرير للوصول لهدفهم، يستقوون على برد الشتاء بحرارة الطموح والألم، ينتزعون الخوف من صدورهم بأيدي الألفة والإخاء التي غمرتهم، يصارعون ضد شتى مظاهر العنف التي لاقوها من قمع وزارة الداخلية، يسقط من بينهم كل يومٍ أكثر من شهيدٍ ومازالوا صامدين! لا يرضون بكل وسائل التهدئة التي لاقوها حينها.
وأية تهدئة؟ فهل يهدأ ثوران البركان بقطرات الندى؟! هل تقوى الكلمات المعسولة أن تنسيهم مرارة تعذيب خالد سعيد؟! هل تستطيع خطابات الطاغية أن تنسيهم دماء أصدقائهم التي لم تجف من أرض الميدان بعد؟!

هم لا يهابون في الله لومة لائم وحاشاه سبحانه أن يستنجد به مظلومٌ إلا ورد مظلمته، فأذن الله لهم بنصرٍ وفتحٍ مبين.
انتصرت طموحاتهم حينها، ولكن لم تدم بهجة يناير (كانون الثاني) طويلًا، فبعد ثلاث سنوات من أنانية البعض وتآمر البعض الآخر عاد كل شيء إلى ما كان عليه! تتحطم كل الأحلام، يغمر الصمت الأفواه، يعم الظلم كل البلاد، وينهزم كل حالم!

أيامه غير تلك التي ينغمس فيها البقية من البكور حتى المساء لجلب أقواتهم ثم يعودون إلى منازلهم راضين قانعين أنهم أتموا دورهم في الحياة على أكمل وجه، وأن سعيهم الأوحد في أعمارهم ما كان، ولن يكون إلا لذاك. هكذا عاش آباؤهم وهكذا سيزرعون تلك العقيدة في أبنائهم.

في يوم من الأيام وبينما هو مستلقٍ على سريره الذي يؤويه دائمًا للنوم حينما يريد الهروب من شعور العجز أمام سطوة أفكاره، فإذ به يسمع دوي إطلاق النار. الأمر الذي جعله يسرع بالنهوض فزعًا لأنه غير معتاد على سماع تلك الأصوات بجانب بيته الذي يقع في منطقة هادئة بعيدة عن ضجيج وزحام الأماكن الحيوية في القاهرة.

يتذكرها بكل تفاصيلها، حينما أبلغه أحد أصدقائه في مساء 17 يناير عام 2011 أن هناك انطلاقة ستنبعث بطموحات مجموعة من الشباب في يوم الـ25 من الشهر في ميدان التحرير لإسقاط جبابرة الطغيان الذين سعوا في خراب تلك البلاد لأكثر من 30 عامًا.

تذكر كل ذلك متألمًا بعد أن رأى في نفسه ذلك الطائر الطامح الذي ابتلاه الله بصائدٍ مقيتٍ قضى على حياته، فأغلق نافذته وعاد أدراجه إلى ظلام غرفته وهو لا يعلم! هل هذا مصير الحالمين الطامحين دومًا؟ أم أن الأحلام لا تجوز في بلاد صائدي الطيور؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد