منذ مطلع الثمانينات، وأذني لا يُغادرها صوت الشيخ إمام، وكلمات المبدع أحمد فؤاد نجم (كل ما تهل البشاير من يناير كل عام… لما قامت مصر قومة بعد ما ظنوها نومة)، دون أن أدرك ما السر في يناير، حتى تنهض فيه مصر بعد أن ظن الطغاة أنها استسلمت لهم.

وشاء الله أن نعيش التجربة، ونرى كيف قامت مصر (قومة) لم يتخيل أي منا خلال ثلاثين سنة، وحتى يوم 24 يناير2011، أنها يُمكن أن تحدث، وكان أشد المتفائلين يبحث في تحليلات الأخبار عما يشي باعتراض قادة جيش على مسلسل التوريث، أو بضغط خارجي يُجبر السلطة على أن تسمح بمزيد من الحريات للعمل المدني، أو تقبل بزيادة مقاعد المعارضة الرمزية في برلمان لا يملك من أمره شيئًا.

حتى أولئك الرومانسيين العظماء الذين حضروا إلى سلم نقابة الصحافيين في يوم 25 يناير لم يتمنَ أي منهم أن يتطور المشهد لأكثر من انضمام عشرات من الشبان، أو رموز نقابيين، أو بعض قضاة الاستقلال، أملًا في امتداد صفوف المعارضين من سلم النقابة إلى رصيف شارع عبد الخالق ثروت.

لكن المعجزة وقعت أمام أعيننا، وبأيدي شبان وشابات، وبمشاركة المدن والأرياف والأحياء الموسرة وتلك الفقيرة، وبتشابك الإسلاميين والليبراليين، وتدفقت الجموع كأنه يوم حشر إلى ميدان التحرير الذي لم يكن يُميزه غير مبنى دميم، رمزًا لبيروقراطية متكلسة، وحكومات عاجزة، ومركزية خانقة، وفساد عطن.

وها نحن بعد سبعة سنوات من أيام يناير، وقد مرت بنا الأحداث حلوة ومرة، وذهب بعضنا لأقصى اليمين، وبعضنا جرّب أقصى اليسار، لكننا لا نجد ما يجمعنا إلا أرضية يناير بأهازيجها وهتافاتها وأهدافها ومشاعرها.

تتقارب الصفوف من جديد وإن كانت خجلى، محاولة تجميع ما تفرق وترميم ما انكسر. وتبقى المهمة الأصعب هي استعادة الثقة، والتي هي أهم حتى من امتلاك المشروع السياسي – على أهمية الأخير – فحامل المشروع الذي فقد الثقة في ملكاته وتشكك في قدراته لا يُمكنه أن يحقق شيئًا مما يحمل.

ولذلك فإن الحرب التي أُعلنت منذ اليوم الأول على ثورة يناير كانت بهدف نزع الثقة من أصحاب مشروعها.

بدأت بمحاولة تلفيق أحداث الثورة وإعادة تقديمها وكأنها مجرد أحداث رتّب لها متنفذون في الدولة، معترضون على التوريث، أو مؤامرة من قوى أجنبية لها القدرة على أن تُحرك الجموع، وتوفر التمويل، بل وتُرسل القوات، وتحتل الطرق، وتقتحم السجون، وتتحكم في العقول والقلوب.

الهدف لم يكن فقط تزويرًا للتاريخ، وتلاعبًا بالواقع، أو سعيًا لصناعة أساس لقضايا ملفقة لآلاف من شباب يناير، بل الغرض الأهم كان نزع ثقة هذا الجيل في قدرته على الفعل والتغيير وفرض إرادته، فهو وفقًا لهذه الروايات المزيفة لم يفعل شيئًا، بل كان أدوات بيد غيره، وهو عاجز عن الفعل إلا بفعل آخرين. فحتى ما يقع عليه من عقاب، ليس لكونه فعلًا، وإنما لكونه كان أداة بيد من فعل. والفاعل إما قيادات جيش، أو تنظيمات أجنبية، أو دول متآمرة.

حملة مسعورة لتشويه الثورة، وتشويه أبنائها، خلقت بثورًا متناثرة على جسد يناير؛ فبدأ بعضنا ينظر إليها ببعض الحرج، ويدعو لوضعها ضمن ركام الماضي، ويعيد تكييفها بأنها مجرد انتفاضة لم تؤد إلى شيء، أو أنها ثورة أولى، والثانية هي 30 يونيو 2013، أو أنها ناقصة جاءت الأخيرة تكملها، أو أنها مقدمة لثورة لن تأتي أبدًا… إلخ.

وسلّم بعضنا بعدم القدرة على الفعل، وراح يبحث عمن يفعل نيابة عنه، وكأن الآخرين مستعدون للعمل لأجل أهداف ثورة لم يؤمنوا بها. واستبدل البعض بأدوات التسعينات وطريقة معارضة نظام مبارك أهداف الثورة وما أسست له من مشروع للتغيير الجذري الذي لا يقوم على استجداء الحقوق، بل على انتزاعها.

لو دققنا النظر؛ سنكتشف أن الحقيقة تناقض كل تلك المشاعر السلبية، فبمنطق الثورات ليس لدينا أعظم من ثورة يناير، وبنفس المنطق لا يُمكن أن تحدث أية ثورة عظيمة تغييرًا كاملًا، إلا باكتمال دورتها، وتبدأ الثورات دورتها في الميادين، وتمر إلى الكيانات السياسية والتنظيمات الحزبية، وتغير في نفوس الشعوب وطموحاتها حتى تبدل أوضاع السلطة ومكوناتها وقواعد عملها، وهي تعود للميدان كلما سنحت لها الفرصة؛ لتشحذ همم المؤمنين بها، ولتستكمل مسيرتها.

ومن الرومانسية أن يتصور أحد أن يأتي التغيير بلا مقاومة، أو أن تمر الثورة دون انقلابات، كما أن من السذاجة الاعتقاد أن الثورات تموت تحت جنازير أي انقلاب.

سقطت سذاجة الرومانسيين، فجاء انقلاب على الثورة، لكن أيضًا سقطت أحلام الانقلابيين بعد أن تبيّنوا أن يناير لم يقتله انقلابهم، ولم تردعه مجازرهم، ولم تحاصره سجونهم.

فكل ما نعيشه ليس إلا توابع إعصار يناير، فوراء كل الأحداث الإقليمية والمحلية يكمن يناير، إما مُستهدفًا أو مقاومًا.

بل يكمن يناير خلف المشهد الانتخابي الملتبس والمتقلب، والذي حاول نظام 3 يوليو 2013 أن يجعله بمثابة إعلان انتصار نهائي على مشروع يناير مقابل مشروع يونيو، فتحوّل إلى إعادة تبيض وجه الثورة، ابتداء من تبني آخر رؤساء وزراء مبارك لشعارات الثورة في محاولته الدخول إلى حلبة الانتخابات إلى اقتحام رئيس أركان الجيش الأسبق للمشهد بمجلس رئاسي من بنات أفكار ثورة يناير حتى اختطاف السلطة لكليهما لمنع التقاء القديم والجديد على أرضية يناير.

فبغض النظر عن الرأي في الانتخابات ذاتها وفي الصراعات التي فاجأت منظميها، فنحن أمام مشاهد تشكل تحت تأثير يناير، سواء للسعي لمواجهة مشروعه أو للاستفادة منه.

فيناير يُحاصر من حاصروه، ويُفاجئ من ظنوا أنهم تخلصوا منه.

لا أغالي إذا قلت إن يناير 2011 كان بداية مرحلة لن تصل فيها البلاد إلى حالة استقرار، إلا بالتوافق مع مشروع ثورة يناير، فلن يكون بقدرة أحد مهما بلغ قمعه وجبروته أن يفلت من استحقاقات يناير، إلا لو أراد أن يعيش مهووسًا بالقمع، مطاردًا ظله، ومستريبًا في أقرب أقربائه كما هو حال رأس السلطة الحالي، لكن ذلك لن يسعفه، فهو سيظل في توسيع ساحة معاركه وزيادة عدد خصومه ظنًا منه أنه يُمكنه أن يحكم مصر منفردًا بمعاونة مدير مكتبه، لكنه سيُفاجئ أن مصر كلها تُحاصره، وتضيق الخناق عليه حتى تلفظه.

لم يتبقَ لاستعادة مسيرة الإصلاح السياسي والاقتصادي والعدالة الاجتماعية التي بدأت في يناير 2011، إلا أن ينتظم صف (الينايرجية)، فيقفزون على الآلام والأحزان والخلافات والأيديولوجيات والتلاوم والتنابز بالألقاب إلى صناعة أعظم نقلة في تاريخ مصر الحديث فيما لو تقدموا لهذه المهمة بحركة وطنية متلاحمة وبناء سياسي متماسك.

ليس حلما بنظام الحزب الواحد، وإنما بالعمل لأجل حلم واحد وقضية واحدة لمدة واحدة، تختفي أثناءها الاختلافات حتى يكون لدينا غدًا رفاهية الاختلاف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد