لا يستطيع أحد أن يجزم بفشل الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير ، فالثورة لا يقاس أبدًا أثرها بالأيام ولا نستطيع قياس نتائجها بعد أربع سنوات من قيامها.

 

كلنا كنا نرى نجاح الثورة باهرًا يوم تنحي مبارك عن الحكم لصالح المجلس العسكري، والكثير كان سعيدًا لأن مرسي نجح بنسبة تزيد عن الخمسين في المائة بفارق طفيف كما في الدول راسخة الديمقراطية، الكثيرون يوم الثالث من يوليو كانوا متأكدين من أن الثورة عادت لمسارها الصحيح فرئيس المحكمة الدستورية يحكم والجيش بعيد عن المشهد إلى حد كبير وسنضع دستورًا “على نظافة”.

 

بالطبع كان الجميع واهمين، ولكن رغم كل هذا لا نستطيع أن نقول: فشلت الثورة.

 

الثورة الفرنسية انتهت بوصول نابليون بونابرت للحكم كإمبراطور وراثي ولكن تلك الثورة تعد من أنجح الثورات في التاريخ إن لم تكن أنجحها، نفس المنطق يمكن أن نطبقه على الثورة الإنجليزية التي انتهت بعودة الملكية ولكن أثرها الإيجابي ما زال ظاهرًا في شكل الملكية البريطانية.

 

على النقيض كانت الثورة الإيرانية التي اقتلعت نظام الشاه من جذوره بدون رحمة ولكن بعد أكثر من ثلاثين عامًا قد يرى الكثير أنها كانت ضربة لحريات الشعب الإيراني ولا تمثل معظم ما ثار من أجله.

 

فالثورة قد تغير مفهومًا أو تزرع مجموعة من المبادئ الإيجابية في الوعي الجمعي لشعب أو تمهد لظهور جيل أفضل أو قد يخرج من رحمها قائد عظيم والعكس بالطبع قد يحدث.

 

ولكن هناك كثير من الفشل رافق الثورة المصرية وخاصة فشل الشباب في تنظيم أنفسهم في كيان واحد يمثلهم ويروج لمطالبهم ويتحمل ضربات الدولة وقوة التنظيمات الدينية، لم تفشل الثورة بعد ولكن ربما فشل جيل الثورة في إنتاج تنظيم يعبر عنه.

 

ولهذا الفشل عدة أسباب أهمها وليس كلها:

افتقاد الشباب لقائد ميداني

أعني هنا مُنظمًا أمام عشرات المُنظرين، الذين اعتبروا أنفسهم قادة وللأسف نحن أيضًا اعتبرناهم قادة، قائد يقتل فكرة الانقسام ويمتلك نظرة مستقبلية ويعمل على التفاصيل قبل العموميات ولا يسمح بحدوث المشاكل، افتقد الشباب قائدًا يفعل ما فعله حسن البنا للتيار الديني، لقد كتب حسن البنا العديد من المؤلفات والخطب والمأثورات ولكن أحدًا في مصر لم يكن ليتذكره بعد وفاته بعشر سنوات لولا التنظيم المتماسك الذي تركه، بالطبع لا يوجد سوبر مان يستطيع تغيير كل شيء ولكن في لحظة حاسمة افتقد هذا الجيل من يقوده أو يقودوه من مرحلة الثورة لمرحلة التنظيم.

 

المثالية الزائدة

سقط خالد سعيد شهيدًا قبل ثورة الخامس والعشرين، أرخ لمقتل خالد سعيد كإرهاصة أساسية من إرهاصات الثورة الأنقى والأقل تنظيمًا في تاريخنا الحديث.

 

بعد خالد سعيد استشهد الكثيرون بل استشهد الآلاف لم يفلت فصيل أو طائفة من دفع تلك الضريبة وحتى الآن ما زال المسلسل مستمرًا، طلبة ومواطنون وجنود ولكن معظمهم من الشباب.

 

يشعر الكثير من الشباب بالذنب أو بالتقصير لأنهم لم يكونوا مكان زملائهم الذين استشهدوا، لأنهم لم يكونوا مكان خالد سعيد أو سيد بلال أو الشيخ عماد عفت أو محمد الجندي أو أسماء البلتاجي، يرون أن تراجعهم قيد أنملة عن المبادئ التي ثاروا من أجلها هو الخيانة تمشي على قدمين لهؤلاء الذين أحبوهم وفقدوهم، فوقع هذا الجيل بين سندان مبادئه ومطرقة مجتمع ثاروا من أجله فثار عليهم ورفضهم.

 

انطلاقًا من تلك المثالية التي فرضتها أوجاع الثورة في الأساس، لم يستطع هؤلاء الانخراط في تنظيم ما بعد الثورة والتأثير به في مسار العملية السياسية، لأن الانضمام لتجمع بشري ما يستلزم تنازلًا من كل فرد فيه، فاستمرت اللعبة بين الوعي الذي شكله التيار الديني داخل المساجد تحت عين الدولة في عهد مبارك وما بين الوعي الذي شكله ورثة نظام يوليو في مدارس الدولة.

 

غياب التجربة

معظم من شارك في الثورة منذ بدايتها هم هؤلاء الذين رفضوا أن يشاركوا قبل الثورة في أي نشاط عام سواء كان طلابيًا أو عماليًا أو نقابيًا ناهيك عن النشاطات السياسية التي كانت تنحصر بين الحزب الوطني والأكشاك السياسية في مرحلة ما قبل الثورة، فلم يحصلوا على خبرة التعامل مع الشارع أو مع الواقع السياسي المختلف تمامًا عن أحلام التقدم والرخاء الذي سيحل بمجرد التخلص من المستبد، فتم استدراجهم لمعارك فرعية وجدل استنزفهم بعيدًا عن الهدف الأحق أن يُتبع؛ التنظيم.

 

فخ الأيديولوجيا والمسميات

الكثير من الشباب المؤهل للعمل السياسي فكريًا وإداريًا وقعوا في فخ المسميات، من يساري ومن ليبرالي ومن إسلامي في لحظة كان يجب أن تتلاشى فيها جميع المسميات ما عدا البحث عن الحريات والعمل على إيجاد إطار أساسي يستطيع الجميع العمل خلاله والاختلاف داخله فيما بعد، لم يكتفِ أصحاب الأيديولوجيات بالبحث عمن يخالفوهم الأيديولوجيا بل بدأ اليساريون يبحثون عن اليساري الأقل يسارية ليرفضوه، والليبراليون في اتهام الأقل ليبرالية أنه إسلامي وبالطبع لن أتحدث عن تجربة التيار الديني في هذا الشأن فهي معروفة، فكان من الصعب توحيد هؤلاء على هدف عملي وهم لا يستطيعون نسيان القضايا النظرية.

 

غياب ظهير إعلامي

تأثر التيار المدني الثوري سلبًا بوسائل الإعلام وهاجمته بعنف حتى تم اعتبار بعض الشائعات حوله كأنها حقائق على الأرض ولم يمتلك المال أو القدرة التنظيمية لمواجهه هذا، فحد هذا كثيرًا من قدرته على التواصل مع الشارع المعبأ ضده دائمًا.

 

غياب رفاهية الوقت

لم يمتلك الشباب رفاهية الوقت فاستفتاء تلو الاستفتاء وانتخابات تلو الانتخابات، غالبًا لم يمتلك الشباب مرشحًا يتوحدون حوله فيها، استنزفتهم ودفعت للاختلاف بينهم للواجهة سواء على المشاركة أو عدم المشاركة أو على من يساندونه، ثم أُنهكوا في معارك تتطلب الكثير من المال والجهد، كان هذا الجيل كمريض في غيبوبة حتى ضمرت عضلاته ويطلب منه الجميع فور إفاقته أن ينهض من سريره ويجري وعندما فشل، هزأ الجميع منه.

 

كل هذا مع ضغط الدولة ومعاداتها للأحزاب الثورية والقمع في الشارع، دفع باليأس حلًا وحيدًا أمام هذا الجيل، لقد تعب هؤلاء من الأمل واعتبروه وهمًا، فصنع لهم الواقع وصنعوا بأنفسهم ملاذًا من اليأس، اليأس الذي يمثل الفشل الأكبر لهذا الجيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد