دقة في العمل، احترام للنظام ووعي بأهمية الوقت، شوارع نظيفة، إحساس كبير بالمسؤولية، وتقدير كبير لقيمة العمل الجماعي.

فكيف استطاعت دولة اليابان أن تتجاوز صدمة هيروشيما، وتقف من جديد بعزم وثبات لتبني حضارتها رغم ما تحمله ذاكرتها من ألم وأوجاع؟

لقد وعت اليابان مبكرًا أن الإنسان هو كنزها الثمين، فقدرت قيمة ثروتها البشرية وراهنت عليها لتقف من جديد، وعملت على استثمارها من أجل بناء اليابان الحديثة، التي سلبت لب الباحثين والمفكرين، وأثارت إعجاب الدارسين، حتى حق تسميتها بكوكب اليابان.

إن كل ما وصلت إليه اليابان اليوم من تقدم تكنولوجي، واقتصاد قوي، وحضارة مميزة يضرب بها المثل في الاجتهاد وعلو الهمة، راجع لسبب واحد؛ هو وعيها بمدى قوة التعليم، الذي به استطاعت أن تربي وتخرج جيلًا متخلقًا مثقفًا ومسؤولًا.

فما الذي يميز نظام التعليم في اليابان؟

  • الطفل يقضي معظم وقته في المؤسسة التعليمية، فهناك تتشكل معالم شخصيته وتبنى، وهناك يتعلم الأخلاق ويتربى على المواطنة، ناهيك عن وظائف المدارس البديهية التي تتمثل في تعليم القراءة والكتابة.لذلك تختار اليابان المعلمين بدقة بالغة، إذ تشترط الكفاءة والتميز العلمي، فلا يحصل على الوظيفة إلا نخبة النخبة، والمعلم في اليابان له مكانة خاصة اجتماعيًا، يحترمه ويقدره الجميع إيمانًا منهم بأن المعلم المميز يخرج لنا جيلًا مميزًا، وأجرة المعلم مرتفعة تكفيه ليعيش حياة كريمة حيث لا يحتاج للبحث عن عمل آخر.
  • تركز المدارس اليابانية على تربية التلاميذ قبل تعليمهم، حيث نجد مادة يطلق عليها «الطريق إلى الأخلاق»، في هذه الحصة يتعلم الطفل الأخلاق والأدب ليحسن سلوكه، ويغدو مستقبلًا مواطنًا صالحًا محترمًا للنظام وواعيًا بمسؤوليته، فكل فرد في اليايان يستشعر ثقل المسؤولية التي يحملها على عاتقه، من أجل المضي قدمًا بوطنه، والحفاظ على المستوى الرفيع والراقي الذي وصلت إليه اليابان، ضمانًا لمستقبل الأجيال القادمة.
  • في كوكب اليابان يعي التلميذ مبكرًا أهمية الوقت، فلا مجال للتأخير عن موعد الحصص الدراسية، من هنا تربى الشعب الياباني على احترام الوقت، فهو أكثر شعب يقدر قيمة كل ثانية وكل دقيقة، وانعكس هذا السلوك الذي نشأ عليه في المدرسة على حياته اليومية.
  • العمل الجماعي في اليابان له قيمة كبيرة جدًا، إذ تركز على تشجيع العمل الجماعي في المدارس، وتربي التلاميذ على أهمية الانخراط في المجموعة، وإشعار كل فرد أنه جزء لا يتجزأ من المجموعة، فكلهم واحد. حتى في الشركات وأماكن العمل اليابانية، يتضح جليًا تركيز اليابانيين على قيمة العمل التشاركي الجماعي، حيث يشعر الموظف أنه جزء من جماعة عمل موحدة ومتماسكة، نجاح فرد فيها هو نجاح لها، على خلاف النموذج الأمريكي الذي يرسخ العمل الفردي ويروج لصورة البطل السوبرمان، أي أن الفكر الياباني يعمل على ترسيخ مشاعر الألفة والتوحد في تلاميذها وعمالها.والعمل الجماعي التشاركي في اليابان، يهدف إلى جعل المواطنين كافة يشعرون فعلًا لا قولًا أنهم شعب واحد، وأن مصيرهم مصير واحد، فيوقن كل منهم أن عمله ونجاحه هو نجاح لليابان، وأن تفوقه هو تفوق لليابان.
  • في اليابان لا يوجد تمييز بين فئات الشعب داخل صفوف الدراسة، فكل أطفال اليابان يدرسون ويتلقون أفضل تعليم، نفس المناهج التعليمية ونفس المواد.
  • يربى الطفل في اليابان منذ نعومة أظفاره على احترام النظام: احترام للقوانين الداخلية للمؤسسات، احترام للوقت، احترام لقانون السير.
  • التربية على الأخلاق في اليابان تبدأ منذ أول يوم للطفل في المدرسة، لأن هذا الشعب العظيم يقدر قيمة التربية على الأخلاق من أجل ترسيخ قيم المواطنة.

إن اهتمامنا بدراسة تاريخ اليابان ومراحل نهضته، ليس لمجرد البحث عن ترف فكري، أو دراسة من أجل الدراسة، بل بنية الوقوف على أسرار نهضتها ونهضة غيرها من أجل الانطلاق منها والاستفادة منها لنبني حضارتنا من جديد، فما العيب في الاستفادة من تجارب الحضارات الأخرى، حتى نقف على مكامن الخلل عندنا ونتجاوزها، ونعي مكامن قوتنا لنزكيها.

سر نهضة اليابان هو التعليم النموذجي الذي اجتهد أبناء اليابان في صياغة معالمه وتحديد مؤشراته، إيمانًا منهم بأنه لا نهضة بدون تعليم  هادف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد