الوضع المعيشي للشعب العربي

اليوم كل المواطنين والمسؤولين يدركون خطورة الوضع الاقتصادي الكارثي من تضخم كبير وفقر ومجاعة تهدد الشعب العربي في كل مكان، لا منأى لأحد من هذا التدهور المعيشي الحاصل نتيجة سوء الإدارة وعدمية التخطيط المدروس والعلة الكبرى التي لم يوجد لها حل حتى الآن الفساد علة العلل وسبب الانحطاط الاقتصادي والمعيشي لغالبية الشعب العربي من المحيط حتى الخليج. الكل يشكو من الفاقة والعوز وعدم الرضا من أداء الحكومات العربية في الدول الغنية والفقيرة على حد سواء لا الشعب في الدول الغنية مقتنع ولا في الدول الفقيرة راضٍ عن حالته.
هل فكر أحدهم بوضع حلول مناسبة لإخراج البلد من مأزق التدهور المستمر ووضع  رؤية اقتصادية واضحة المعالم من الألف إلى الياء أم يبقى غالبية العرب والفقر وجهين لعملة واحدة منذ عقود والمشكلة نفس المشكلة والعقدة هي نفس العقدة وليستمر الشعب العربي في الهجرة والترحال من بلد إلى بلد سعيًا وراء لقمة العيش الكريمة التي لم يجدها في بلده بسبب رعونة وإخفاق سياسي ومسؤوله المستمر منذ عقود والحال هي نفس الحال من طلب معونات وقروض ومنح ومساعدات من شتى أنحاء العالم الغني.

الدرس الياباني خير نموذج

هنالك دروس وعبر من تاريخنا المعاصر. اليابان خرجت من حرب دمرت كل شيء وكوريا الجنوبية لم يكن أحد يتوقع أو يتصور أن تنهض وتحقق المعجزة، وفيتنام التي خرجت من حرب طاحنة ها هي تبدأ الخطوة الأولى للحاق بالنمور الآسيوية وماليزيا وتايوان وتايلاند، وحتى الصين التي نفضت غبار التخلف وقررت بعزيمة واثقة أخذ المبادرة وتحقيق أعلى معدلات التنمية في العالم ليصبح المارد الصيني في أقل من عقدين ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم.

شعوب حية ومسؤولون تعلموا الدرس جيدًا وأدركوا أن لا خير في استمرار الصراع والاحتراب وجعلوا صراعهم وتحديهم في المجال الاقتصادي وكان لهم ما أرادوا، وبدل ما كانت بلدانهم «تشحت» وتتوسل المساعدات والمعونات من الخارج الغني قلبوا الكفة وأصبحوا هم من يقدم المساعدات والمعونات للعالم وبدل ما كان اقتصادهم ضعيفًا وفقيرًا ودخلهم لا يتعدى بضعة ملايين أصبحت دولًا غنية وقوية ذات دخل سنوي يفوق مئات المليارات.

اليابان وبداية الانطلاقة

قصة نهضة اليابان تبدأ من عند «أوكيتا وجوتو» حينما تأكد لهما أن الهزيمة والنكسة الكبرى على الشعب الياباني برمته ستحدث لا محالة وستجلب معها انهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا مفر منه، كان الاثنان يعملان مهندسيْ كهرباء في بكين، عاصمة الصين وعندما شاهدا ما يحدث «عادا إلى طوكيو» لبدء التحضير لجلسات ومداولات أولية لوضع خطة مناسبة لتجاوز ما سيحدث اقتصاديًا، تم عقد أول اجتماع في 16 أغسطس (آب) 1945 (بعد إعلان الهزيمة بيوم واحد فقط)، وفيه تمت مناقشة اتفاقية بريتون وودز التي كانت وقعت قبل الجلسة بعام في الولايات المتحدة ونتج عنها تثبيت الدولار عملة قياسية وإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

ومع مرور الوقت تحولت الجلسات من جلسات خاصة لجلسات عامة يحضرها مثقفون وأكاديميون وسياسيون واقتصاديون يابانيون لوضع رؤية حول طريقة إعادة الإعمار، وتولى أوكيتا وجوتو مهمة تلخيص نقاط كل جلسة وتحويلها لتقرير كامل، بعد فترة ليست بالطويلة أقرت الحكومة ما تم الاتفاق عليه في الجلسات رسميًا وضمتها وزارة الخارجية إليها تحت مسمى (لجنة المسح الخاصة).

ومع نهاية عام 1945 ظهرت المسودة الأولى لتقرير الجلسات الشامل، ثم ظهرت المسودة النهائية في مارس من 1946، وخضعت لتعديلات عدة لتظهر نسخة التقرير النهائية في سبتمبر من 1946 وكان عنوانها (المشكلات الأساسية لإعادة إعمار الاقتصاد الياباني)، تناول التقرير المشكلات والصعوبات والتحديات التي تواجه الاقتصاد مع توصيف دقيق لكل الوضع الداخلي، ثم وضع استراتيجية عامة لمواجهة كل المشكلات.

(ثم جاءت مرحلة التقرير الثالثة والنهائية ووضعت توصيات التحرك لإعادة الإعمار بالتفصيل الدقيق جدًا، مثَّل التقرير مثالًا بليغًا متداولًا حتى الآن على العقلية اليابانية الخلاقة، وما زالت اليابان تعمل ببعض توصياته الاقتصادية حتى اللحظة).

لكن لا يجب إغفال أن الجزء الأهم من تطور اليابان ونهضتها من جديد لتسير في الاتجاه الصحيح وتحقيق معدلات النمو يرجع للعام 1949 حينما تم دمج أهم ثلاثة قطاعات هي (وكالة الفحم، ووزارة التجارة والصناعة، ووكالة التجارة الدولية) ليظهر قطاع عملاق وكيان جديد هو (MITI) أو وزارة التجارة الدولية والصناعة التي لعبت وساهمت بشكل كبير في إعادة هيكلة كافة الصناعات اليابانية وبتعاون وثيق بينها وبين القطاع الخاص ودعم كل الصناعات الصغيرة والكبيرة حتى تصل لمستوى منافسة الصناعات الأمريكية، وكان لها ذلك في أقل من عقدين حينما ظهرت صناعة السيارات اليابانية والإلكترونية التي ما زالت تتصدرها اليابان إلى يومنا هذا.

العرب وغفوتهم الطويلة

بينما نجد الإخوة في الحكومة واقتصادييها ليس لديهم خطة واضحة يقدمونها للأشقاء والأصدقاء حول كيفية الشروع بإعادة الإعمار بل ما هي إعادة الإعمار المطلوبة، كل ما نسمعه عن تكلفة الإعمار تارة بثمانين مليار دولار وتارة يتحدث آخرون في الحكومة عن 100 مليار دولار، التفكير الأولي لديهم في المادة والمبلغ قبل أي شيء قبل حتى وضع رؤية أو مسودة تقرير، وللأسف كل العرب في «الهوا سوا» في سوريا ما انفكت الحكومة وتقارير أممية وهي تتحدث عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار سوريا، وفي العراق يتحدثون عن 150 مليارًا، وحتى ليبيا أصابهم هاجس المادة والثراء ويتحدثون عن تكلفة إعمار بين 100 و150 مليار دولار. أرقام تفتقد المصداقية والدقة وكلها تقديرات عشوائية لا تنم عن دراسة أو خطة عمل يضعون أرقامًا فلكية لا سبيل في تحصيل 1% منها في أي مؤتمر دولي للمانحين. أصبح للأسف تفكير معظم الساسة والمسؤولين العرب بالمادة والمبالغ التي سيكون لهم منها نصيب وستعود بالمنفعة الشخصية عليهم جراء المناقصات والفساد المستشري والمعروف للقاصي والداني في كل بلادنا العربية.

في كل دول العالم التي نفذت مشاريع إعادة الإعمار أعدت دراسات ونقاشات وجلسات ووضعت خططًا طويلة المدى وقبل هذا وذاك أنشأت صناديق للإعمار، وليس كما يتحدث مسؤولونا عن إعادة إعمار وهم ليس لديهم خطط واضحة المعالم ولم يفكروا أو حتى بالحديث عن ضرورة إنشاء صندوق للإعمار، فلا المسؤولون عارفون شيئًا ولا المخططون الاقتصاديون فاهمين شئ ولا المواطن العادي مدرك اي شئ وربما حتى الاخوة في التحالف المعنيين بإعادة الاعمار غير مستوعبين شئ.

الحقيقة ان البلد بحاجة إلى غربلة كاملة ومفهوم لنظام ومنظومة اقتصادية غير التي سارت عليها البلد طيلة العقود الماضية بحاجة لخطة اقتصادية وتنموية تعتمد الشفافية والامانة والاستراتيجية الواضحة نحو هدف واحد الاستثمار في الانسان اولا والتجربة الاسيوية سواء اليابانية او الصينية او حتى الماليزية خير هدف لتحقيقه صناعة وبناء وتنمية الانسان اولا حتى يكون قادر فيما بعد على استيعاب اي خطط تنموية هادفة تكون منطلق لتنمية اقتصادية شاملة ترتقي بوضع البلد فكريا وثقافيا وعلميا وصحيا حتى الوصول للتنمية السياسية من ثم الاقتصادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اقتصاد, سياسة

المصادر

معجزة اليابان ..كيف نهض العملاق الياباني
عرض التعليقات
تحميل المزيد