إن كل ما نعرفه ونتداوله عن اليابان وتجربتها الاقتصادية لا يتعدى فكرة الدولة التي لملمت شتات نفسها بعدما انهارت في أيام معدودات أمام آلة الحرب اﻷمريكية خصوصا بعد قنبلتي هيروشيما ونجازاكي الذريتين، واللتان أودتا بحياة أكثر من مائتي ألف شخص في الحال. لكننا لم نحاول قط أن نُعمل عقولنا لنتعرف على أسباب حدوث ذلك وأسباب هذا الانهيار السريع.

كانت تُعد اليابان واحدة من كبريات دول العالم منذ بدايات القرن الماضي بالرغم من أنها ظلت لقرون منعزلة تماما عما يحدث بالكرة اﻷرضية وخرجت من عزلتها عنوة عندما هددتها أمريكا بأسطولها البحري الذي حاصر شواطئها في أواسط القرن قبل الماضي، فقط كي تنفتح على العالم وتفتح أسواقها أمام البضائع الغربية، وكانت هذه هي نقطة التحول اﻷولى عندما دخلت المنتجات الغربية وشعر اليابانيون بمدى اتساع الفجوة بينهم وبين أمريكا وأوروبا.

 

فكانت بداية انطلاق الدولة اليابانية وزحفها خلف الحداثة الغربية في السياسة والاقتصاد والتعليم وغيرها من مقومات التقدم. وكانت المرة اﻷولى التي تتحول فيها اليابان من مجرد دولة زراعية تعيش على زراعة اﻷرز معتمدة على اقتصاد الكفاية، إلى دولة صناعية تجارية بدأت تغزو أسواق العالم وأوروبا نفسها بمنتجاتها خصوصا في حالة الانتعاش المؤقت التي صاحبت الحرب العالمية اﻷولى في العقدين اﻷول والثاني من القرن الماضي.

وكانت من مظاهر ذلك التقدم هو دخول اليابان حربين مع الصين ثم روسيا وانتصرت فيهما مما كان له بالغ اﻷثر على النفسية اليابانية أولا، ثم نظرة العالم لليابان كدولة كبرى تشكل خطرًا يهدد ما حولها ويهدد الغرب نفسه، وهنا جاء دور الدبلوماسية اليابانية المتمثلة في حكومتها المنتخبة ديمقراطيا في ثلاثينات القرن الماضي والتي فضلت أن تُطَمئِن الغرب من ناحية وجيرانها من ناحية أخرى بأنها لم تعد دولة عدوانية ولم تعد تشكل خطراً عليهم، وأخذت في اتباع سياسة اللين حتى مع الأماكن التي تحتلها كمنشوريا في الصين، وهو ما لم يُرضِ بعض التيارات اليابانية ذات التوجهات الفاشية والمؤيدة للحكم العسكري.

 

بالتأكيد لم يرض قادة العسكر والذين قاموا من قبل بعدة انقلابات فاشلة واعتبروا أن سياسة اللين هذه ليست ذات فائدة وقاموا بإشعال الحرب في البداية مع الصين غير عابئين بمطالبة القيادة السياسية لهم بالتوقف، ومن ثم حدث الانقلاب العسكري في عام 1936 وقام الجيش باغتيال رئيس الوزراء وبعض وزراء حكومته، وكان ذلك إيذاناً ببدء انهيار اليابان على يد متعجرفي العسكر الذين لا يجيدون سوى لغة الدم.

 

بدأ العسكر سريعا في احتلال كوريا والصين وأجزاء كبيرة من شرق آسيا بما فيها مستعمرات فرنسية كفيتنام مما أغضب الدول الغربية وجعل أمريكا تُوقف إمداد اليابان بالطاقة، فقام الجيش الياباني بأغبى هجمة عسكرية في التاريخ على ميناء بيرل هاربر اﻷمريكي بلا خطة ولا هدف ولا رؤية ما أدى إلى مقتل 2400 جندي أمريكي خلاف الخسائر المادية الضخمة، فدخلت أمريكا الحرب وتغير حينها ميزان القوى تماما بداية من تدمير كامل اﻷسطول الياباني مرورا بالانسحاب السريع من كل الدول التي احتلتها، انتهاءً بالقصف الجوي المكثف بالقنابل العادية والذرية مما خلف وحده قرابة الثلاثمائة ألف قتيل فكان الاستسلام السريع وتم احتلال اليابان ﻷول مرة في تاريخها عام 1945 من الولايات المتحدة اﻷمريكية.

 

لتظل بعدها اليابان لسنوات في ظل أزمات اقتصادية مُدمِرة وصلت إلى حد المجاعة والموت جوعاً بسبب انقلاب عسكري غبي كان يرى أن الدم والتوسع والاحتلال هو السبيل لدولة عظمى وهذه دوما هي عقلية اﻷنظمة العسكرية التي تحركهم عنجهيتهم وغرورهم واغترارهم بآلاتهم الحربية والتي دوما ما تحل محل عقولهم.

هذه واحدة من تجارب الانقلابات العسكرية على الحكومات المنتخبة ديمقراطيا، نتيجة إحلال الجندي بالمهندس والاقتصادي، إحلال آلة الحرب بآلة الصناعة، حصد اﻷرواح بلا سبب بلا وازع ولا رادع، قمع الحريات وإغلاق اﻷحزاب لبقاء حزب واحد عسكري فاشي لا يُري شعبه إلا ما يَرى، هي واحدة من تجارب العسكر التي يمنعنا كسلنا في البحث عنها والتعلم منها كغيرها من التجارب وكأننا لا نريد أن نتعلم إلا بعد أن نجرب بأنفسنا!

 

وها هي اليابان اﻵن بعد تخلصها من الحكم العسكري مثالا يحتذى به في كل المجالات، استطاعت في فترة قصيرة أن تعيد نظامها الديمقراطي لتصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مصدر للتكنولوجيا في تاريخ البشرية. قصة نجاح تستحق الدراسة والتأمل والتعلم منها لعلنا نصل يوما لمثل ما وصلت إليه دون الحاجة لفقدان مئات اﻵلاف من البشر كي نعي الدرس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد