وما زلت أضحك على نفسي، بالرد على تلك الأسئلة الكليشية؛ “هل أنتِ بخير؟” لتكون الإجابة من نوع الكوميديا السوداء بأضافة الـ Adverbs المتكلفة أنا بخير … I am perfectly fine ، I am absolutely fine ،I am surely fine!

وهكذا من عبارات سمجة عادة أقولها بتكلف مصطنع كالكذب الذي أمارسه فيها. لكن. أنا لست بخير، أنا لست بخير، I am COMPLETELY not fine

إنّي أتظاهر بالقوة والتحسن وأوزع البسمات وأفتعل الضحكات وألعب مع ابن أخي الصغير ألعاب سمجة كقذف الكريات كلاعب السيرك دون أن تقع، أو الفانتومايم السمج، ونسمع مقطوعات البيانو التي سيتدرب على عزفها، وأتفلسف عليه بذكرياتي كعازفة فاشلة بالمدرسة لأني تركت المران، ونضحك، كل هذا، حتى لا أُقلق من حولي بلا طائل عليّ، لا أطيق نظرات الإشفاق وتربيتات الابتذال “بكره أحسن” و”لعله خير” و”كله في مصلحتك” و”فكري بإيجايبة” و”إنتي زي الفل”، حتى لا أنهار وأبكي أمامهم، ذلك الطقّس الذي بات يلازمني بشكل مخيف الآن، أبكي لأتفه الأسباب، بكاءً مفعمًا بالحرارة، بالصدق، وأحياناً بالضحك

أقول لنفسي: لِمَ البكاء؟ ماذا دهاكِ؟؟ ليس الوضع خطيرًا كما تتوهمين؟ كل شيء سيكون على ما يرام قريبًا، لِمَ تضخمين الأمور لتجاري تلكَ النفسية الشكسبيرية التي تملُكين! ما الأمر؟ وأسأل نفسي، لأبكي لنفسي! بشكل مثير لشفقة نفسي، لأحتضن نفسي وفي الأخير، نبكي ونضحك أنا وهي! شغل مجانين! أليس كذلك؟
داليدا وهي تغني Je Suis Malade توشكُ فيزياء جسدها أن تتكلم، بصوتها الثخين المترقرق، كمريض في جلسة “ثيرابي”، عن ألم متشبث بالروح، يأبى الخروج كلعنة غير نهائية، تلك الأغنية، تتردد في عقلي منذ أيام الآن، لا أجد منها خلاصًا إلا بالكتابة عنها أو عني، أو عن كل أحد هناك في العالم يحتاج وبشدة في هذه اللحظة إلى مساحة فضفضة/ انهيار/ جروب ثيرابي/ أو مجرد حضن دافئ

Je ne rêve plus je ne fume plus
Je n’ai même plus d’histoire
Je suis sale sans toi
Je suis laide sans toi
Je suis comme un orphelin dans un dortoir

لم أعد أحلم، بعد الآن )كل أحلامي استسلمت لفجأة الخذلان والمُخدر، حتى تلكَ التافهة عن ماذا سآكل غدًا
لم أعد أنفث السحاب (لم أر السماء يومها، خاصمتُ النظر إليها، حتى تُرسل لي تشرين)
لم يعد لي تاريخ (وساعتي معطلة منذ سنتين،وسرقوا أي حنين يدفعني لإصلاحها)
أنا بالية بدونك (بشرتي الباهتة، تحتاجُ ثغرك، لكنني، سأنتظر تشرين)
أنا قبيحة بدونك (وتشرين، لم يعد قريبا كفاية، أسأخاصم النظر للمرآة أيضًا)
أنا كيتيم في ملجا(ليس في مأساتي ثمة مرايا، ولدت بنصف حياة وقصيدة مبتورة)

لطالما احتقرتُ دروس التنمية البشرية الرخيصة في ادعاء أننا بخير، وأننا أقوياء، هكذا بفرقة أصبع، دون أن ندّع لأنفسنا مساحة لانهيار مطلوبة بعد كل أزمة، مما يجعل التخزين مأساة موقوتة، في سبيلها للانفجار بأول وجه تقابله، وهو في العادة وجهكَ أنت، لذا ها أنا أكتب، لأنّني في تلك اللحظة بالذات لست بخير ولست قوية،!! وتتملكني الرغبة أحيانا في الصراخ عاليًا، أنا سقيمة حتى آخر نفس فيّ، أنا سقيمة، جسدي سقيم، عقلي سقيم، روحي سقيمة، عيناي اللّتين تبكيان بلا سبب فلسفي سقيمتان، حتى أصابعي التي تكتب هذا الهراء الآن، سقيمة!

بات النوم حل أساسي لمشكلتي – التي تسعى نفسي المسرحية لتأجيل تفكيكها حتى تدع للطفلة بداخلي مراتع من نزق الشكوى والدراما يوشك أن يهلك بباقي أفراد المملكة المفكرين والعلماء و”البزنس ومن” الّذين “موش فاضيين” لتُرهاتها لكن لا يسعهم فعل شيء سوى التأفف واختلاس النظر لساعاتهم.

أنام، وأحلم بالضوضاء دومًا، أستيقظ لاهثة، تضطرب درجة حرارتي، أغمض عينيّ ملتقطة الأنفاس القصيرة، وأبقي عقلي محتجزًا في الموسيقى مؤقتًا، حتى أنفث عنه نوبات بكاء لم تعد مفهومة حتى لي!، النوم والمسكنات والكتابة، الكتابة، الكتابة، ككل كؤوس الفودكا والنبيذ المراقة على جسدي السقيم ممدًا أمام ألف عين على طاولة باردة عاريًا، يدقونه بمناجل وفؤوس ومباضع تحصد براعم روحي الصغيرة، لينساب دمي أرضًا، كزهر لبلاب بنفسجي، حول أرجلهم وأجسادهم المتصنّمة، وعيونهم الجاحظة نحوي في احتفال سيرموني يشي بمسّخرة الجسد النازف الشّعرية عليهم، يتنفس، يبكي، يغني، فيما تحفر فؤوسهم طريقها نحو قلبي، على طاولة باردة!

الكتابة، الكتابة، الكتابة، هي مُسكني الوحيد النافع حتى الآن، هي أفيوني المغيِب عن صدمة مركبة اشتركت فيها كل الأطراف، العمل المرهق بديناميكية Turbo Machines ، والرغبة في النجاة من المرض، والحبّ الأفلاطوني الشره، والنفسية الشكسبيرية التي تتعاطى الكلمات والشِعر جرعات في الوريد صباح مساء ليمنع عنها جحيم الانسحاب المؤلم، الكتابة هي السبيل التراجيدي الاحتفالي الوحيد الذي سيؤهلني – بكفاءة- لخوض مرحلة “Post-operative depression” بشجاعة محارب عربي معدم يعرف جيدًا أن منطق مواجهته = صفر لكنه مندفع ليخوض معركة -موت أو موت ثم حياة – بإحدى الحروب الصليبية الملّحمية !!

e n’ai plus envie de vivre ma vie
Ma vie cesse quand tu pars
Je n’ais plus de vie, et même mon lit
Se transforme en quai de gare
Quand tu t’en vas

لا أشعر أنّني أعيش بحياتي تلك! (واختفى الألم، بّل بدأ، مع أول نفق شُق عنوة، بالوريد بيني وبينك)
فحياتي توقفت مذ رحلتَ (وتوقفت الدماء،)
لم يعد لي حياة بعد الآن،(في فزع الخونة ..)
حتى فراشي، تحول لرصيف محطة مهجور (تاركة قلبي، كملكِ عجوز)
وذاك، حين ترحل، (يذكر آخر سيف غُرز فيه)

لم يجلب لي أحدٌ بالونـًا ملونـًا، ونسوا أيضًا أن يجلبوا لي ورودًا حمراء، ذلك أن كل شيء جاء مباغتـًا، متوقعًا ومباغتـًا في آن، بلا تفكير جاء البيّن، وبلا تفكير قلبي ينشُد فرصة، وبلا تفكير جاء الانغماس في أهمية إنقاذ حياتي!

وهكذا، دون أي استعداد نفسي مسّبق، أو حلقات تربيت ومؤازرة من الوحيدين الذين أحبهم جدًا بهذا العالم، الجميع فجأة انشغل، والطيران فجأة أصبح “كومبيليه”، والحياة فجأة صارت معقدة، والكهوف فجأة ألحَّت على ساكنِيها الانغلاق عنّي وتلك كانت الجنائزية ككرنفالات “ماركيز” التي أقحمتني النفق الأسود الكئيب دفعة واحدة، متصنعةً الشجاعة، ومع أول ولوجي النفق أنفصل كل شيء، أنا لم أعد أنا – على الأقل مؤقتـًا – أصبحتُ هشة، كحلوى مارشيملو ذائبة، ودخلت في نقلةٍ وجودية إلى حالة Limbo، وكل أفكاري وأحلامي وطموحاتي تركضُ أمامي كقطارات بضائع متسارعة تنفث دخانـًا تتزامن حدته مع موعد أخذي المُسكن،

ولا أري شيئاً بالنفق المظلم، لكن أسمع الدنيا التي باتت تتلخص في الـ “هيدفوز”، كحجاب سميك بين ضفة فِراشي الغارق في الدموع وبين صوت الهاتف الأخرس، والمؤلم أنّي صرت أجد لذة جوانية لكل هذا، ككائن أرتعد خوفـًا من خِفته الجديدة عليّ تلك، الشهية تلكَ، يلون غرفة الإنعاش بألوان كل البالون الذي تمنيتُ أن تعلقه لي أمي، ويضع الورودَ الحمراء في شعري كما لم يفعل حبيبي، فيغني لي أغاني “دين مارتن” الإيطالية، بيليسمووو!

وحين يرحل الجميع ويتركونَني هكذا ممدة كأوفيليا غارقة في المأساة، لا تبقى إلا الشراشِف البيضاء الباردة والمحاليل المُعلقة تلكَ المغروزة في فدادين شبابي بمناجل ذات شفرات بلاستيكية وهواء اصطناعي يعبر الأرجوحة البنفسجية بين رئتيّ على ساقٍ واحدة، كطفلة وحيدة تتسلى فتلعب “الحِجلة” لتقع وتقوم وتقع وتقوم، ليهطل مطر تشّرين مبكرًا من عينيّ، كبكاء التنفيس الحميم، ذلك الذي تتصاعد فيه رئتاي علوًا نحو السماء، وبشهقات موسيقية متقطعة، ومن ثغري، بدلاً من السُعال الملّتهب بدمائيّ، تنسابُ القصائد باردة، وغزيرة

Je suis malade
Complètement malade
Comme quand ma mère sortait le soir
Et qu’elle me laissait seul avec mon désespoir

إنّي سقيمة،(إنّي سقيمة)
سقيمة حتى آخري، (حتى آخر نفس توسل أرسِلهُ، بيني وبينك، للأمل كي لا يسرق إطارات حلمي بالصحراء)
كما لو أمي قد تركتني ليلا، أذوب وحيدة في يأسي{وبالصحراء، حتى أمي، وقفت من بعيد تلوح، سامحي الخذلان، وسامحي العطش، وسامحي ألف عقرب يلدغ جثتك، إن مِتي)

أولئك الذين يعانون اكتئاب ما بعد الجراحة في العادة مروا بمراحل معقدة سريعة قبلها جعلت من “مويقظات” الشكوى النفسية سببًا رئيسًا يعّن فجأة على الروح بعدها! ليُصبح الحزن مواسيًا، هكذا ببساطة في أي موقف، أو ذكرى عابرة، أو كلمة بأغنية، وتسح الدموع كـ”فرش وغطا”، والقصائد، هي آخر شطآن النجاة، التي تتسرب عبر الدماءِ في محاليل زهيدة!

وكل دراسات النفسييّن التي تكلمت عن الموضوع ذاته أفردت نواحي عدة منه، كأسبابه وظواهره، وتبعاته، تؤكد أن طريقتهم (=حمقى التنمية البشرية) تلك التي يقنعونك بها كيما تتخطي مثل تلك الأزمات بالتحلي بالجّلد ومحاولة التخطي والنسيان فيسهبون بالتبجح عليكَ بمقدرات فولاذية على اجتياز الصدمات، ويسرقون لسانكَ، ويمنعونكَ من الكلام، والصراخ عاليًا بأكثر الأغنيات إزعاجـًا، والتعاطي الحُر لكل مُخدر يدرُ كل دموع متكلسة سخيفة في قلبك لتنتهي وللأبد من تلك النوبات، أو الإضراب ضد كل الخذلان بإشعال النار في نفسك مجازيًا، فطرقهم تلك كلها فاشلة، إذ إن بالداخل، ذات إنسانية متألمة، تدوّر بالنفق الأسود على فوهة للخروج !

ومهما بلغت رغبتكَ التراجيدية في تفنيد “مويقظات الحزن” الشكسبيرية التي تهدم سور “برليننا” بين التماسك بين الناس والانخراط في الدموع – والمخاط الممزوجين بعد كل نوبة بضحكة يتهدج لها صدركَ المتعب- مع أول دقيقة نختلي فيها بأنفسنا، أو نرى كلمات مهداة لنا، أو نسمع موسيقى “تيرافيتية” مناسبة للمزاج، في سرد مسرحي، ستبدو كل محاولاتنا هذه كوميديا سوداء.

فالكوميديا السوداء خاصتي تضمنت جراحة كبيرة مفترض أنها ستمنعك من الموت بعد 10 سنوات لكن إحتمالية موتكَ أثنائِها أو خلال فترة النقاهة كلها =70%! هكذا ببساطة يخبرك طبيبكَ مبتسمًا بأسنانه الصفراء، فتبادله الضحك على بلاهتهِ التي يصيغها كأبرع جزار يعدكَ كذبًا بأن لايضع “شغتا” في كيلو اللحم البائس الذي ستشتريه بآخر ما تملك من نقود!!

– لم اختارت أوفيليا الغرق؟ – ثم انفصال زمكاني ظالم عن حبيب تغلف قلبكَ بشغافه وشغاف عطفة حارتهم فيما لا يفقه أوغاد المجرة الذين يتحكمون في مصائر قصص الحبّ شيئًا عن فلسفة التحرق ولهًا في عشق الزمكان – لِِمَ لم تختر أن تُلقي بنفسها من شرفتها مثلاً؟ – ثم غربة المنفى الّتي تمنعكَ عن أقرب البشر لقلبكَ كـ “بلاك ديمن” يقف على المعبر الفاصل بينكما متمثلاً في قرار “الوافدين” الذي حَلُم به أحدهم ليلاً ليطبقه نهارًا، هكذا ببساطة استهلاكه منديل كلينكس، قائلاً You shall not path

– كونديرا يقول أن الماء عميق كأنفسنا المُعذبة بالحبّ؟ – ثم ضغط عمل طاحن لا يفارقكَ حتى وأنت مُدد في أرجوحة الملاهي متصلاً بالخراطيم البلاستيكية عبر لعنة تُدعى “هاتف ذكي” ، وفيما أنتَ ما تزل على صلاتِكَ المنتحبة كي تنجو، ليس من الموت، لكن من التبخر كدخان أزرق للمأساة، يدق لعنتك، ليهاتفكَ أحداهم في لوعة: أنقذني، أنقذ مستقبلي، أنقذ أطروحتي، هذه المرة فحسب، وأنا؟ من ينقذني؟ من ينقذ حياتي وحبي ومستقبلي؟ من ينقذ إنسانيتي المهدرة بلا هوادة، من ينقذني من مصير التجمد إن تكسرَ قلبي كالملعونين على يد ميدوسا – فالماء يغمر أنفسنا بالغرق كما غمرنا الحبّ بالغرق أيضًا؟ – تزامنـًا مع صيرورة كتابة إبداعية مرتبطة بمواعيد للتسليم سوريالية سمجة!

Je suis malade parfaitement malade
T’arrives, on ne sait jamais quand
Tu repars, on ne sait jamais où
Et ça va faire bientôt deux ans
Que tu t’en fous

إنّي سقيمة، كلي سقيم (إنّي ممددة بالصحراء، تحت سماء أيلول، العارية، تجسني نبضاتهم)
وتجتاحني، لا أحد يعلم متى (وليس ثمة مطر، بقلبي، المحتل بحبك)

وها أنت ترحل، لا أحد يعلم متى {كل الجنود قتلهم العطش والمُخدر، وكل دمائهم، تبخرت عبر آآه صرختها، وحيدة)
وعما قريب ستمر سنتان على حالي البائس هذا (وليعبر، نحو النور، نفقـًا بين رئتي، حلم حميم!)
فيما أنت لا تكترث! {غير عابئ بجثتي، الممددة!)

وليس الـ Post-operative depression هو المشكلة فحسب حينما تُسلب حنجرتكَ وقدرتكَ على الصياح عاليًا بأنين نفسكَ، إنّما تلك الآهات المحترقة في صدر من يعاني الانفصال الجبري عن أولئك الّذين يحبهم أكثر من أي شيء في حياته كلها يسمى علميًا بما يسمى بالـ Existential Impotence.. وهي ما تسببه كيمياء الذكريات في دمكَ، كل بسمة وصورة و لقمة وتعليق وموسيقى وقصيدة تنفستموها سويًا تصبح كنمل أبيض يمر بشرايين قلبكَ يعضكَ ويلدغ، وما حيلتك يا مسكين في الهرش والتقلب على جنبيك في محاولات بائسة لنفضها!

تلك الحالات – كأولئك الذين فقدوا أحبتهم في رابعة أو محمد محمود أو المنصة أو غيرها من تلك الملاحم البشرية – الذين غيبتهم السجون والاختفاء القسري – الذين شهدوا كل شيء وعاينوا كل شيء وبقوا أحياء بنفوس ماتت فيها شطآن خضراء بريئة كانت فيما قبل مهربهم الوحيد – ليبقى الصمت بعدما سرقوا ألسنتهم! لذا فالجميع مجروح، والجميع قلبه الأخرس ينزف، ورغبتنا ملّحة في أن نجد من يساعدنا، أن نجد أولئك الذين ستنعكس عليهم مأساتنا الشكسبيرية ، حتى نستطيع الصراخ عاليًا بكل بكاء ممكن، بكل كلام ممكن، لكن تلك المقدرة تكمن أولاً في معرفة أن لدينا مأساة، وبعدها نتوقف أمامها كثيرًا أو قليلاً، دون الحاجة لإرشاد حمقى التنمية البشرية، لنضع حولها إطارًا يحددها، ويحدد مويقظاتها، وتبعاتها، وبعدها نبحث عن مخرج النور من النفق الأسود، للروح!

حتى السأم الذي نشعرُ به تجاه كل هذا، هو بحد ذاته “فن”، كقصيدة باكية، أو مقال غير مفهوم، فكل هذا، يمثل آخر دمعة متكلسة، عبّرت عن رغبتنا في تأطير المأساة، تأطيرها جيدًا والإفصاح عنها جيدًا، وعدم الشعور بالعار تجاهها، لأن تلك الدموع، دلالة على قدرتنا على “الالتئام”! ولنصنع منه فنًا، لنصنع من كل هذا الهراء الشكسبيري فنًا، يُخلد المأساة! حتى لا تتكرر المأساة! وفي كل مأساة استعارة، والاستعارات خطيرة، إذ أن حبًا قد يولد من استعارة!

Je bois toutes les nuits
Mais tous les whiskies
Pour moi, ont le même goût
Et tous les bateaux portent ton drapeau
Je ne sais plus où aller tu es partout

أشرب كل يوم،(أتجرع كآبتي المضحكة، بدلاً من الوسيكي)
لكن كل الشّراب،(إذ لم يعد للويسكي وجود، في ضلوع شكسبير الحزين)
أصبح لي، بمذاق واحد (وكل قطرة مسموح بها لي على رأس الساعة، قصيدة مسمومة)
حيث تحمل كل الزوارق عَلمك المغادر (وحلمي في تلك السّكرة مُغادرًا، رئتي)
لم أعد أدري منذ الآن، أين ألوذ بنفسي، أنت في كل مكان! (لأفيق، مجددًٍا، على الألم، يقذفني نحو نور، أنت فيه)

الآن – بعدما استعدت لساني الذي سُرق ورغبتي في الصراخ والبكاء أمام الجميع بأريحية لأن البكاء زادني قوة وزادني إلهامًا، ليس ضعفـًا، وأضرمت النار في كل الموسيقى الحزينة، أستطيع أن أقول:I will be fine!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد