حين نتكلم عن التعدد فإننا نتكلم عن الأمر المر الذي يحرك في المرأة كوامن الغيرة، ويستفزها للدفاع عن ممتلكاتها، لذلك أن تتوقع الإنصاف من المرأة في حديثها عن التعدد هو أمر صعب الحدوث، خصوصًا بالنسبة لفتاة حديثة عهد بالزواج، وتخشى ما تخشاه النساء على أزواجهن.

«رباب خالد» تريد اليوم أن تحشد كل ما في وسعها؛ لتبين لنا أن التعدد شر مستطير لا خير فيه، ولتقول لنا بطريقة غير مباشرة «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم»، وأن أحكام الإسلام لم تعد صالحة لهذا الزمن، ولتتهم الشريعة بأنها غير حكيمة، وأن حلولها  غير قابلة للتطبيق، والمشكلة الكبرى حين يكون هذا الكلام من فتاة محسوبة على الحركة الإسلامية في المغرب، وتبوأت في قيادتها منصبًا كبيرًا.

بداية، أقول للأخت رباب اطمئني؛ فالتعدد لن يكون موضة، ولن يعم كل الرجال؛ لأسباب كثيرة، ذكرتِ بعضها، وغفلت عن أهمها، وهي تحكم النساء في أزواجهن؛ بسبب القيم الجديدة التي أصبحت تبنى عليها العلاقة الزوجية، حيث صارت المرأة شريكًا للرجل، وليست زوجة فقط، إذ الشريك له الحق في أن يرفض دخول شريك ثالث إلى هذه المؤسسة التي يملك نصفها، وهذه مشكلة أخرى من مشاكل الحياة الزوجية المعاصرة التي لم تعد تحتوي زوجًا وزوجة، إنما شريكًا وشريكته بكل ما في كلمة الشريكة من تساو وتكافؤ.

فاطمئني وأريحي نفسك من عناء الدفاع عن النساء المحتكِرات فهن أشطر منك في ذلك، بل لهن من الأساليب في محاصرة الزوج وحياطته بأنواع العناية، وأسباب التحفظ، ووسائل التجسس ما تعجز عنه أعتى الأنظمة الاستخبارية.

الأرقام تكذبك

أما الأرقام التي ركبت عليها جداولك، فهي غير دقيقة، بالرغم مما حشوت به المقال من كلام مكرر كثير؛ إذ إن مشكلة الزواج لا تتعلق بعدد النساء والرجال، بل بعدد النساء والرجال في سن الزواج، وهو ما يتضح بالأرقام التي لم تعرجي عليها، والتي توضح أن 60% من النساء في المغرب وصلن سن العنوسة، أي ما يعادل 8 ملايين امرأة مغربية فقدت أو كادت تفقد حظها في أن تنال نصيبها من الأمومة، ولو كانت الوظيفة هي المانع من الزواج لكانت نسبة العنوسة 10% فقط؛ لأن نسبة البطالة في المغرب 10% وليس 60%، فإذا افترضنا أن عدد السكان في المغرب هو 100 شاب و 103 فتاة، ووجدنا أن 90 شابًا يعمل، وعشر شباب عاطلين عن العمل فعذرناهم، فما الذي منع 50 شابًا آخر من الزواج؟ هذا ما لا تجيب عنه أرقامك وجداولك!

التعدد حل من الحلول وليس كل الحلول

الإسلام أباح التعدد ولم يفرضه، ولكن أباحه في إطار «ما طاب لكم»، وليس في إطار الاستثناء أو الاضطرار، وكأن الآية تقول «فانكحوا ما اضطررتم إليه»، بل هو حل يحتاجه من يجد في نفسه الرغبة والقدرة، ويملك الطاقة لذلك، فهو يدرك أن إقدامه على هذه المسؤولية الكبيرة ماديًا واجتماعيًا ونفسيًا وبدنيًا سيكلفه الكثير، وهو حر في حياته، وحر في أن يمتع نفسه بما أباح الله، من غير أن يضطر إلى اللجوء إلى الزنا، والوقوع في سخط الله، فسخط المجتمع أو غضب الزوجة عنده أهون من غضب الله.

إن التعدد حل يلجأ إليه كثير من الرجال في سن متأخرة حين تكبر نساؤهم، وتكثر أموالهم، ويصبح وقد رأى نفسه معرضًا للتحرش من أقرب الموظفات في شركته، وهو رجل مؤمن حاج يعرف بينه وبين الله، فيلجأ إلى التعدد على ما فيه من مشاكل هربًا من غضب الله، فهذا الذي يحصل في كثير من الحالات، وأما الشاب الذي بدأ حياته فهذا في الغالب يشق عليه هذا الأمر في ظل الظروف الحالية، هذا إن افترضنا أنه يستطيع ذلك، ويقدر على التحرر من القيود الاجتماعية والعاطفية التي تحاصره.

صبغة الله  ومن أحسن من الله صبغة

الله القدير الذي جعل لكل شيء قدرًا، ووضع لكل مشكلة حلًا، لقد أباح للمسلم التعدد مما طاب حتى لا يلجأ إلى الحرام، وإن كان هناك من شرط للتعدد، فهو الرغبة في هذه المرأة؛ كونها تطيب له، أما القدرة المادية فلا نستطيع تحديد ضابط محدد لها؛ لاختلاف أحوال الناس وطبيعة احتياجاتهم، وذلك يختلف حسب البلد، والزمن والفئة الاجتماعية، فالإسلام لم يحدد ضابطًا في القدرة المادية، إلا ما يتضمنه قوله تعالى «أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن»، فالآية هنا تتحدث عن حق المطلقة والزوجة من باب أولى، ولذلك زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الصحابي الفقير الذي لم يجد، ولا خاتمًا من حديد، ولم يقل له أنت لا تملك الباءة للزواج اذهب، وابحث عن عمل، ثم تزوج، بل كانت التوجيهات النبوية والقرآنية توجهنا إلى أن الزواج سبب للرزق وسبب للغنى، كما قال تعالى «إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم»، وفي الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «اطلبوا الغنى بالزواج». لذا فإن وضع شروط مالية مفصلة على مقاس فئة معينة من الناس ليس من الدين، إلا أن على الإنسان أن يقدر وضعه واحتياجاته، ولا يضر بعائلته وأولاده.

وأما خوف العدل فليس شرطا للتعدد كما شاع بين الناس إنما هو مانع من موانع التعدد، أي أن الإنسان إذا كانت لديه رغبة في التعدد وعلم من نفسه أنه لا يعدل فليتق الله وليمتنع حتى لا يقع في الظلم. وأنا حسب تجربتي الشخصية لم أجد من يمنعه خوف العدل إنما وجدت من تمنعه وزارة العدل أي الزوجة الأولى كما نسميها تمازحا.

أحل الله الزواج وحرم الزنى

إن الرجل الذي يريد التعدد في ظل الظروف الحالية؛ ليعلم أنه سيواجه المجتمع، ويواجه القانون ويواجه الأبناء، ويواجه الأصهار، ويدخل في مغامرة كبيرة تنوء بحملها أكتاف الرجال، فما دام قد وجد من نفسه الاستعداد لهذا التحدي، فلا بد أن لديه دافعًا كبيرًا بحجم هذه الصعوبات التي تنتظره، هذا الدافع الذي يتجه إليه المجتمع، ويغمض عينه عنه، وهو نار تتأجج في النفوس، هو السبب في ما نراه من كثرة الفساد وانتشار الزنى، هذا الدافع هو الذي يجعل الرجل ذا المكانة العالية يسافر من مدينته إلى مدينة أخرى أو إلى بلد آخر، ويدفع الأموال الطائلة؛ ليبتعد عن الأنظار، وينزل إلى مستوى من الدناءة تجعله يقترف جريمة الاغتصاب بالسلاح الأصفر الذي هو مثل الاغتصاب بالسلاح الأبيض، فالجريمة واحدة وإن اختلف السلاحان: سلاح المال، وسلاح القوة، هذا الدافع الذي يجعل هذا الرجل يلجأ إلى هذه الحال المزرية، هو دافع كبير يجعله يعرض مكانته وسمعته، وربما صحته للخطر، وهو ما يريد المجتمع أن يتجاهله بهذا الخطاب الساذج الذي يقول لهذا الرجل: اصبر على ما تجد من حر الشهوة، وكن مثاليًا، وعش لأجل أبنائك وأسرتك، فيمتثل ظاهريًا فقط، بينما ينفس كربته تلك عبر القنوات البديلة، والتي هي أخطر من التعدد وأشد ضررًا على الرجل نفسه، وعلى الزوجة الأولى، وعلى الأسرة، وعلى الأبناء، فقد جرت سنة الله بفضح هؤلاء بعد حين، وجرت سنته بتدمير الزاني وتشتيت بيته، ولولا خوف الإطالة لبينت لأختنا خطر الحلول البديلة وضررها على الاقتصاد والصحة والأسرة والدين؛ فالرجل الزاني يفقد كل مقومات الأبوة والقدوة.

على المجتمع أن يعترف بأن هذا الرجل الذي قرر أن يخوض هذه المعركة لديه دافع كبير، وعلى المجتمع أن يعترف بإنسانية هذا الإنسان وضعفه وحاجته إلى هذه الشهوة التي ركبها الله فيه، والتي هي أمر ممدوح يثيب عليه الله عز وجل إذا كان في الحلال، كما قال ـ صلى الله عليه وآله وسلم «وفي بضع أحدكم صدقة»، البضع كناية عن الجماع، قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال أرأيتم لو وضعها في الحرام أيكون عليه وزر، قالوا نعم، قال فكذلك إذا وضعها في الحلال».

محاولة للتضليل

حين نأتي لمجتمع يئن من وطأة الزنا، ويصل فيه عدد اللقطاء إلى مليون لقيط، وينضاف إليهم مائة لقيط يوميًا حسب ما أثبتته الناشطة الحقوقية «عائشة الشنا»، ثم نجد من يستنكر التعدد بدعوى المحافظة على النساء من الانقراض: فإن هذا من أكبر التضليل والاستخفاف بعقول الناس، ولو أنك يا «رباب» حاولت أن تسخري أرقامك لمعرفة كم عدد الزناة في اليوم الواحد، على اعتبار 100 لقيط في اليوم، وعلى اعتبار أن 1% من الزنيات ينتج عنها ولادة طفل، لأفدتنا بعدد حالات الزنى في الدقيقة الواحدة، والذي يظهر من حسبة بسيطة، إذا اعتمدنا المعطيات السابقة أنها 7 زنيات في الدقيقة الواحدة، هذا على أقل تقدير، وهو أن نسبة 1% تؤدي إلى إنجاب، والحاصل أن نسبة الإنجاب أقل من ذلك؛ بسبب موانع الحمل وحالات الإجهاض.

وها أنت تتحدثين عن التعدد، كأنه ـ بالفعل ـ لدينا متعددون يشكلون نسبة في المجتمع أصبحت تهدد بوجود رجال يريدون الزواج، ولا يجدون نساء، ولسوف أموت أنا، وتموتين أنت، وتذهب أجيال وأجيال، وما زالت المشكلة قائمة إن لم تتفاقم أكثر، فلماذا المغالطة؟ ولماذا نغفل المشكلة القائمة الآن ونحاول أن نحل مشكلة لربما تطرح بعد ثلاث مائة عام؟ أليس هذا تضليلًا للناس؟ فاتركي التعدد ينتشر حتى تتزوج الثمانية ملايين عانس، وعند ذلك اطرحي أرقامك من جديد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغيرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد