كل من انتقدوا فلسفة روسو السياسية –من ضمنهم راسل- فعلوا هذا لأنهم رأوها تساعد على قيام ديكتاتورية شبه ديمقراطية، وإن كانوا محقين فليس الخطأ في فلسفته بذاتها؛ بل في من يطبقونها حسب ما يتماشى مع أهوائهم، وقد حذر روسو في كتابه من أن أي إساءة في العقد الذي وضعه قد تؤدي بنظام الدولة إلى الانحطاط.

يُعد الانتقاد الرئيسي الذي أقاموا عليه نقدهم هو أنهم رأوا في إقامة العدل والمساواة وَهْمًا نظريًّا لا يمكن تطبيقه، لكنهم غفلوا أو تغافلوا عن قول روسو بأنه إن لم يكن مفر من سوء استعمال الحاكم لسلطته فيجب صيانتها قدر الإمكان من خلال قوة الاشتراع.

أول ما يتبادر إلى الذهن بعد العبارة السابقة هو كيف تمنع قوة الاشتراع سلطة الحاكم إذا كان الحاكم هو المشترع؟
ستقولون إنني لست سوى أحمق لا أفهم ما أكتب، لكن الحقيقة أن روسو في الفصل السابع من الباب الثاني في حديثه عن المشترع كان صارمًا لتفادي هذا التعارض، فأول ما اشترطه هو ألّا يكون واضعو القوانين هم المشترعون؛ لأن المشترع إن وضع القانون وضعه على هواه.

وبالحديث عن القانون الذي يوضع على الهوى نطرح سؤالًا آخر: من الذي يضع القانون؟
الحقيقة أن روسو أجاب عن هذا السؤال قبل حديثه عن المشترع لكن الخطأ خطأي فاعذروني، في الفصل السادس من نفس الباب يقول روسو بأن القانون هو الإرادة العامة، وما هو إلا شروط شركة مدنية بين الجميع، يجب أن يكون الشعب الخاضع للقوانين واضعًا لها، ويجب أن يكون الغرض من القوانين عامًا دائمًا، فلا يوضع القانون ليُلائم واحدًا دون البقية؛ بل ما يسري على الفرد يسري على الكل، وكل الأشخاص في الدولة بداية من المواطن وصولًا إلى الحاكم يقع تحت طاولة القانون.

بعد الانتهاء من هذا الإشكال الذي أدخلنا في صُلب الموضوع بسرعة أعود مرة أخرى إلى الباب الأول، والسير معه خطوة بخطوة، والنظر في هل سيستطيع أن يحل مشكلة حرية الإنسان مع تقيده بنظام أم لا. يرى روسو أن الأسرة هي النموذج الأول للمجتمعات السياسية، حيث الرئيس هو الأب، والشعب هم الأولاد، وبما أن الجميع يولدون أحرارًا متساويين فإنهم لن يتنازلوا عن حريتهم إلا في سبيل نفعهم الذي يراه الأب.

للوهلة الأولى تقول إن هذا التشبيه لا بُد أن يُساء استعماله بالتأكيد، لكن من يكمل الكتاب يرى ما يوضح المعنى بشكل صحيح، ففي الفصل اللاحق يزيل روسو اللبس الحاصل من هذا التشبيه بقوله إن القوة لا تُضفي شرعية على السلطة بل الحق والعدل، من يظن أن اغتصاب السلطة بالقوة يدوم مخطئ حيث أن القوى لها نهاية، فيجب أن يُحكم الشعب بالاحترام والحق.

كما أنه يقف ضد العبودية لأن الإنسان يولد حرًّا ولا يوجد حق لأحد في تملك أحد آخر، ويقول عن من يتنزل عن حريته:

«تنزُّل الإنسان عن حريته يعني تنزُّلًا عن صفة الإنسان فيه وتنزُّلًا عن الحقوق الإنسانية، وعن واجباتها أيضًا».

ومن ضمن رفضه للعبودية يرفض العبودية لأسرى الحرب؛ لأن حالة الحرب ليست عداء أفراد بل عداء دول، ولا ذنب للفرد العادي فيها لأنه في الطبيعي يولد في حالة سلم، وأن يشتري الإنسان حياته على حساب حريته ليس تخييرًا إنسانيًّا ولا يجعل للآخر الحق في استعباده.

وبعد محاولته في الباب الأول لحل مشكلة الحرية، يختتم الباب الأول بقوله:

«وأختم هذا الفصل وهذا الباب بملاحظة لا بد من نفعها أساسًا لجميع النظام الاجتماعي، وذلك أنّ الميثاق الأساسي، بدلًا من نقض المساواة الطبيعية يقيم، على العكس، مساواة معنوية وشرعية مقام ما قدرت الطبيعة أن تضعه من تفاوت طبيعي بين الناس، وأن الناس إذ يمكن أن يتفاوتوا قوة وذكاءً فإنّهم يتساوون عهدًا وحقًّا».

في الباب الثاني يبدأ روسو الخطوة الثانية في بناء مجتمع مدني بمناقشته موضوع السيادة وشروطها، يُمنع أن يتنزّل السيد عن سيادته أو أن تنقسم السيادة، والمقصود بالسيد هو الإرادة العامة، ويعلل هذا بأن الإرادة يجب أن تكون عامة أو لا تكون، فالسيادة للشعب بالكامل لا جزء منه فقط. أما معنى الإرادة العامة عنده هو توجيه قوى الدولة وفق الخير العام للدولة الأفراد.

هذا التعريف يمكن أن يُفسر بشكل خاطئ تمامًا، لكن روسو يشدد بأن هذا لا يعني اعتبار أوامر الرؤساء إرادات عامة. كما أن السلطان يمكن أن يتنزل على السيادة، لكن الإرادة العامة للشعب لا يمكن لها؛ لأنها بهذا تتنازل عن حريتها.

يضعنا هذا أمام سؤال آخر: هل يمكن أن تضل الإرادة العامة؟ وفي هذا يرد بأنها قد تضل إن كانت خادعة للشعب، بقوله:

«يستنتج مما تقدَّم كون الإرادة العامة صائبةً دائمًا، وأنها تهدف إلى النفع العام دائمًا، ولكنه لا يُستنتج من ذلك اتصاف شورى الشعب بمثل تلك الإصابة دائمًا». 

وفي توضيحه أكثر لضلال الإرادة العامة يفرق بين الإرادة العامة وإرادة الجميع، إذ إن الإرادة العامة لا تبالي بغير المصلحة المشتركة، أما إرادة الجميع لا تبالي غير بالمصلحة الخاصة.

وتتناول الفصول التالية في هذا الباب فكرة تتلخص في قوله: «غاية المعاهدة الاجتماعية هي سلامة الطرفين المتعاقدين».

هناك نقطة مهمة تناولها روسو بأن للسلطة حدودًا لا يمكن أن تتعداها، فالحاكم لا يُلزم شعبه بما يضرهم أو بما يفوق طاقتهم. كما أكد أن الشعب يجب أن تُراعى حقوقه الكاملة، وأيضًا له واجبات عليه تأديتها لخدمة الصالح العام وتحقيق الإرادة العامة، على سبيل المثال عندما يرتكب شخص جريمة في حق شخص آخر هو بذلك خرج عن الناموس العام، وقطع العهد الذي أخذه على نفسه؛ فلزمت عليه العقوبة بالنفي أو السجن. هذا يوضح لنا معنى سلامة الطرفين المتعاقدين.

لكن هناك نظرة في الكتاب لم تكن موفقة كثيرًا منه، وهي في نظرته إلى الشعب ومناسبته للأرض، يقول بأن خصوبة الأرض أو قلة خصوبتها مع عدد السكان إن لم يتناسبا يصبح هذا خطرًا على الدولة؛ لأن البلد ذا الفائض في الموارد بسبب قلة عدد سكانه أو قلة استهلاكهم، يُصبح فريسة يطمع في نيلها البلاد ذات العجز في الموارد بسبب زيادة استهلاكهم، وأن هذا سيؤدي بهم إلى الحرب في النهاية.

لكن نظرته هذه، وإن حملت بعض الواقعية، لكن لا يُمكن أن يتفاداها المشترع، فكان الفصل عرضًا لمشكلة أمكن تفاديها بالتجارة، لكنه حذر منها وانتهى دون أن يقدم حلًا للحاكم في الحالتين، فكان في هذا الفصل يريد أن يرمي العبء على كون النظام المدني نظامًا شيطانيًا تعضيدًا لنظرته عن أفضلية البدائية، كما سيفعل هذا مرة أخرى في الباب الرابع.

في الفصل الحادي عشر من الباب نفسه يتناول روسو جزئية مهمة، وهي طرق الاشتراع بعد أن تحدث عن المشترع والشعب، فيقول في مفتتح الفصل:

«إذا بُحثَ عن الشيء الذي يقوم عليه أعظم خير للجميع، والذي يجب أن يكون غاية كل طريق اشتراعي، وجِدَ أنّه يُردّ إلى أمرين أصليين: الحرية والمساواة».

يُفسر أهمية الحرية بأن قوة الدولة تُنتقَص بمقدار ما كان شعبها تابعين لا يملكون حريتهم، وأهمية المساواة في أن الحرية لا تتحقق بغيرها. هذا المنهج قد انتهجه روسو في كتابه من البداية بالدمج ما بين الحرية والمساواة، لكنه أعلى من شأن الحرية، فقد جعل المساواة وسيلة لبلوغ الحرية.

فكرة المساواة هنا قد تُحيل ذهن القارئ إلى الشيوعية، لكن روسو يؤكد بأن المساواة لا تعني أن السلطة أو الغنى يُصبحا درجة واحدة لدى الجميع على الإطلاق، ويفسر هذا بقوله: «وإنما السلطة في كونها دون طغيان وفي كونها لا تُمارَس إلا من حيث المرتبة والقوانين، وإنّما الغنى في عدم وجود مواطن يكون من اليُسر ما يشتري معه مواطن آخر، وفي عدم وجود أحد يكون من الفقر ما يضطر معه إلى بيع نفسه».

في الفصل الختامي للباب الثاني يتناول روسو بعض العلاقات التي يجب مراعاتها لتنظيم الدولة ككل، أولها هي علاقة السيِّد بالدولة، العلاقة الثانية هي ما بين الأعضاء، الثالثة في علاقة الإنسان بالقانون، الرابعة وهي – كما قال- أهم جميع الأنواع، وهي الشيء القلبي بداخل كل مواطن والذي يتألف منه نظام الدولة الحقيقي، وهي الروح النظامية التي إذا ما هرمت القوانين أو انطفأت قام لإحيائها، وقصد بهذا الطبائع والعادات المتأصلة في الشعب والإطار العام الذي يسير عليه.

بعد أن تناول روسو مشكلة حرية الفرد وفقد جزء منها في الباب الأول، وقواعد السيادة وتنظيم العلاقات في الدولة في الباب الثاني، يتدرج في خطته ويتناول معنى الحكومة في الباب الثالث.

الحكومة في نظره هي هيئة متوسطة قائمة بين الشعب والسيِّد، ويُوكَّل إليها تنفيذ القوانين وصيانة الحرية المدنية والسياسية. في جوهر الأمر يختلف تعريفه للحكومة عن التعريف السائد الآن، يقول بأن أعضاء هذه الهيئة يُسَمون حكامًا أو ملوكًا، والهيئة بأسرها تحمل اسم الأمير. وقد تطور لاحقًا معنى الحكومة لكنه تطور في الإطار نفسه الذي وضعها فيه.

قسَّم روسو الحكومة إلى ثلاثة أنواع:

الأول: أن يُفوض السيد جميع الشعب أو القسم الأكبر منه، عبء الحكومة، فيصبح المواطن حاكمًا وليس مجرد فرد، وتُسمَّى «الديمقراطية».

الثاني: أن يحصر السيد الحكومة في عدد قليل من الأفراد، بحيث يكون المواطنون الأفراد أكثر من المواطنين الحكام، ويُطلق عليها «أرستقراطية».

الثالث: أن يجمع السيد الحكومة في يد حاكم منفرد يستمد الآخرون سلطانهم منه، وتُسمَّى «الملكية».

لكن هل بوضع روسو لهذا التقسيم يعني أن كل الحكومات الديموقراطية متشابهة أو كل الملكيات متشابهة؟
لا لم يقل هذا، بل يؤكد بعدها أن هذه الحكومات لا تُدار على طراز واحد، بل تختلف باختلاف النظام الذي يديره. كما أن هذه الأشكال يمكن أن تختلط فينشأ عنها طائفة من الأشكال المركبة.

لا يقول روسو بأن هناك شكلًا من أشكال الحكومات أفضل من غيره، بل إن كل واحدة منهم يمكن أن تكون الأفضل، ويمكن أن تكون الأسوأ في أحوال أخرى. نرى أنه يؤمن بأن عدد المواطنين في الدولة يتوقف عليه الكثير من الأمور، وناقش هذا الأمر في عدة مواضع، أحدهم ما نحن بصدده، يقول في هذا:

«فإنه ينشأ من هذا، على العموم، كون الحكومة الديمقراطية تلائم الدول الصغيرة، وكون الحكومة الأرستقراطية تلائم الدول المتوسطة، وكون الحكومة الملكية تلائم الدول الكبيرة».

وكالعادة يؤكد أن هذا ليس قانونًا ثابتًا لكن يمكن أن يحدث أن تشذ بعض الحالات، وهذا يكون بالحالة الملائمة للشعب والسلطة بشكل عام.

كما أن هذه الحكومات يمكن أن تنحط إلى ما هو أسوأ إن أسيء قيادتها، فالديمقراطية قد تصبح حكومة عوام عندما يكون الشعب جاهلًا وتفلت زمام السلطة، والأرستقراطية تُصبح حكومة أعيان إذا استولت فئة محددة وتجبرت ونحت الجميع عن طريقها، والملكية إلى طغيان إذا كان الحاكم مستبدًا.

في الباب الرابع من الكتاب يضع لنا اللبنات الأخيرة في بناءه السياسي، يتحدث عن التصويت والانتخابات ومجالس الشعب والحكم المطلق والرقابة والدين المدني، وقد ارتكب روسو تنازلًا عن أحد ركائز سياسته في هذا الباب في الفصل الذي تحدث فيه التصويت، فيقول بأن الشعب في هذه الحالة سيتنازل عن الإرادة العامة إلى الإرادة الخاصة، على سبيل المثال: إذا كان الشعب مائة، صوت منهم تسعون موافقة على القرار وعشرة بالرفض، يُصبح العشرة مخطئين في حكمهم بالضرورة، لكن هذا يؤدي بروسو إلى تناقض مع ما قاله في الباب الثاني من أن شورى الشعب قد تضل وتُخدع. للتصويت أهمية بالتأكيد، والأصح أن يؤخذ برأي الأغلبية، لكن هذا لا يعني خطأ الأقلية بالضرورة كما قال روسو.

ويختتم هذا الباب والكتاب بفصل عما هو الدين المدني الصالح للدولة، ونظرة روسو إلى هذه الجزئية تتلخص فيما ندعوه الآن بالعلمانية، فالدين المدني لا علاقة له بدين الفرد الخاص، فتتسامح الدولة مع جميع الأديان التي تتسامح مع الأخرى، ما دامت عقائدها غير ناقضة لواجبات الوطن، ويجب أن يُطرد من الدولة من يقول ألا دين غير دينه.

هكذا انتهيت من تناول فلسفة روسو السياسية. إذا قمنا بتنحية المنطلق الذي انطلق منه روسو في فلسفته من أن البدائية خير والمدنية شر، نجده يقوم بوضع أساس سياسي متين يحفظ الحقوق والواجبات لجميع الأفراد فيه. لكنه يعتمد في تطبيقه على قابلية الطرفين، الحاكم والشعب، لتحقيق الإرادة العامة ومراعاة الحقوق والواجبات من الجميع؛ فإن كان الشعب متخاذلًا وسيئ الطباع سيكون حاكمه مثله، وإن كان الحاكم مستبدًا وطاغية سيؤدي بشعبه إلى الاضمحلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد