يُعد روسو من أكثر الأشخاص المُختلف عليهم في تاريخ الفلسفة، فالبعض اعتبروه فيلسوفًا ذا ثِقل، والبعض الآخر لم يعترفوا به فيلسوفًا من الأساس. أرى أن روسو يقع في المنتصف ما بين الرأيين، فقد ساهم في النطاق السياسي وأثرت آراؤه بشكل كبير في قيام الثورة الفرنسية، كما ساهم أيضًا في الجانب التربوي، وبالرغم من أنه لم يأتِ بنظرة فلسفية ذات شأن في نظرته الميتافيزيقية؛ لكنه كان مؤسسًا لثورة فلسفية على العقل والحس وتبني جانب الحدس، فهو يقول في كتابه «عقيدة القس من جبل السافوا»:

«أدركت كذلك أن الفلاسفة لم ينفوا عني الريب بقدر ما يزيدونه قوة وإيذاءً. لا يحلّون أيًّا من المعضلات التي تقلقني. فأعرضت عنهم وأقبلت على دليل آخر. قلت: لأستشر الوجدان، إذ لا يمكن أن يضلني أكثر مما يفعلون. إن أخطأتُ فعلى الأقل سيكون الخطأ مني، والضرر سيكون أخفّ إن اتّبعت أوهامي أنا بدل أن أنصاع إلى تمويهاتهم».

بنظرياته عن إنسان الطبيعة والارتكان إلى جانب القلب قد مهد الطريق لكانط والمثالية الألمانية، كما يُعد بهذا أبًا للحركة الرومانسية. في كتاب «تاريخ الفلسفة الغربية» يقول برتراند راسل في مفتتح حديثه عن روسو: «وإن كان فيلسوفًا بالمعنى الفرنسي في القرن الثامن عشر، لم يكن كما يمكن أن ندعوه الآن فيلسوفًا. ومع ذلك فقد كان له نفوذ قوي على الفلسفة، كما كان له على الأدب والذوق والأخلاق السياسية». ويكمل راسل بأن توما الأكويني أكثر أصالة وأمتن حجة منه.

يُعد الجانب التربوي عند روسو، المتمثل في كتاب «إميل أو عن التربية»، على قدر كبير من الأهمية لتأثيره الكبير وانتشاره الواسع في أوروبا، ويعتبر هو الطريقة الأساسية التي بُنيت عليها طرق التعليم الحديثة المستخدمة حتى الآن. في مقالي هذا لن أتطرق إلى هذا الجانب من فلسفته.

نشر روسو الجزء الرابع من كتاب إميل منفردًا؛ لكنه في نفس الوقت منتميًا إلى الكتاب تحت عنوان: عقيدة القس من جبل السافوا، وهذا لأنه أراده أن يكون مستقلًا عن آرائه السياسية، وألا يخلط الاثنين معًا. فبعد أن يبلغ الطفل 15 عامًا سيبدأ المعلم يحدث إميل عن الخلق والخالق، وهذا يتمثل في عقيدة القس التي هي في الأساس رأي روسو الديني.
يمكن تقسيم هذا الكتاب إلى جزأين: الأول يتناول فكرة الخالق، والثاني يتحدث عن الدين. الجزء الأول يقوم على فكرة أن العقل والحس عاجزان عن إدراك الإله، وأن آراء الفلاسفة مضللة لا تقود إلى شيء، واعتمد على القلب مرشدًا له للاهتداء إلى وجود الله:

«أؤمن إذن أن الكون تسيره إرادة قادرة وحكيمة. أرى ذلك، بل وأشعر به، وهو أمر يهمني أن أعرفه. هذا الكون، هل هو أزلي أم له بداية؟ هذه الأشياء هل مبدعها واحد أم اثنان أم أكثر؟ وكل هذا الذي ذكرنا ما طبيعته؟ أجهل كل شيء عن هذه الأمور ولا تعنيني معرفتها».

لكنه لم يسق أي حجة على كلامه، فلم يفعل مثل الفلاسفة العقليين من قبله: ديكارت ولايبنتز وسبينوزا، الذين قالوا بوجود الله بناءً على الاستنباط العقلي، ولم يفعل مثل كانط في نقده للعقل المحض وسياق البراهين والدلائل القوية على كلامه؛ بل هو كلام نابع عن إيمان ديني فقط، فأتى هذا الجزء لا يمت للفلسفة بصلة.

الجزء الثاني مختلف بعض الشيء، ففيه تناول روسو الوحي والأديان من نظرية موضوعية مليئة بالشك، فقال إنه مع وجود كل هذه الطوائف والفرق لا نعلم من على حق، كل يظن أنه الحق دون النظر والتمحيص. وتحدث عن الأخلاق والضمير، والرسالات السماوية، وفطرة الشخص التي تدفعه إلى الإيمان بالإله بعيدًا عن الدين الذي سيراه الحق.
يقول عبد الله العروي في مقدمته لكتاب عقيدة القس والذي ترجمه باسم «دين الفطرة»:

«غضب عليه الفلاسفة لإيمانه الديني وانتقم منه أنصار السلطتين: الدينية، والمدنية، لثوريته. أدانه الفلاسفة على لسان فولتير، والكاثوليك على لسان أسقف باريس، والبروتستانت على لسان رئيس كنيسة جنيف».

أرى أن العظة الجبلية «عقيدة القس من جبل السافوا» ليست منفصلة عن فلسفة روسو بالرغم من اتخاذها طابعًا دينيًّا، بل هي حائط في البناء القائم على أفضلية إنسان الطبيعة ومدح الفطرة، وكان من قبلها كتابه «أصل التفاوت بين الناس» هو البداية التي تعطي الأفضلية للفطرة، ثم يتممها كتابه «العقد الاجتماعي» الذي كان له جوانب سياسية مميزة بعيدًا عما جاء في كتابه أصل التفاوت.

في نظري أن الرابط في فلسفة روسو هو مشكلة الحرية، فهو يعطي الأفضلية لإنسان الطبيعة كونه حرًّا دائمًا وغير مرتبط بشيء، لا قانون ولا مجتمع ولا حتى أسرة، وكان الفرق بين الإنسان والحيوان في نظره أن الإنسان حر في أفعاله. ويُعد العقد الاجتماعي بالكامل محاولة للتوفيق بين حرية الإنسان المطلقة، وفقد جزء منها في المجتمع.

يُعد كتاب «أصل التفاوت بين الناس» بمثابة مقدمة لكتاب «العقد الاجتماعي»، لكن اللغط الأكبر يقع على أصل التفاوت لما فيه من آراء وأفكار شاذة عن المعتاد، فقد بدأ فيه روسو من أن العقل هو أول النكسات: «فإنني أجرؤ على القول بأن حال التفكير مناقضة للطبيعة، وأن الإنسان الذي يفكر حيوان فاسد».

ثم يستمر روسو في هذيانه بقوله إن الحال المدنية أكبر داعٍ للأمراض، فالإنسان البدائي لا يمرض ولا تصيبه سوى بعض الجروح أو الشيخوخة فقط، ولهذا لم يكن بحاجة للطبيب. كما أن الإنسان البدائي أقوى بدنيًّا لأنه كان يقوم بأفعاله بنفسه مهما كانت قوتها، بخلاف الإنسان المدني الذي يملك الأدوات التي تريحه. ومن الجانب الأخلاقي يُعد الإنسان البدائي أكثر أخلاقية؛ لأنه لم تُوضع له قواعد أخلاقية، بل اعتمد على فطرته. من هنا انطلق كانط في نظريته الأخلاقية، فإن بدأ روسو من أصل الإنسان الطبيعي فقد بدأ كانط من أن الإنسان كائن أخلاقي.

وتُعد الرأفة أو الشفقة إحدى الفضائل التي امتدحها روسو، خاصة وأن البدائيين لا ينتمي أحدهم إلى الآخر حتى وإن كانوا من نسل واحد. إذا نظرنا إلى النقطتين الأخيرتين سندرك لماذا كان نيتشه يحتقر روسو ويسخر منه في العديد من كتبه، فنيتشه لا أخلاقي، كما أنه يعد الشفقة هي الخطئية الكبرى، وقد اكتشف روسو هذا التناقض بينهما قبل أن يكون هناك نيتشه من الأساس، حين قال: «الإرادة تتكلم حينما تسكت الطبيعة».

ويواصل روسو في كتابه التدرج بالحال الذي تطور بها الإنسان البدائي من تكوينه للأسرة ومن ثم اللغات والقبيلة والمجتمع، وفي نظره أن في تطور الإنسان انحطاطه؛ لأنه بالتدريج يضطر إلى فقدان حريته في سبيل المدنية.

من هنا نبدأ المرحلة الأخيرة والأهم في تطور فكر روسو، وهذا في كتابه «العقد الاجتماعي». تُعد فلسفة روسو السياسية هي الوسط ما بين استبدادية هوبز، وليبرالية لوك. في الباب الأول من كتابه «العقد الاجتماعي» يبحث روسو عن قاعدة شرعية صحيحة لإدارة النظام المدني يراعي فيها التوفيق بين الحرية المطلقة للإنسان، وبين فقده جزءًا من حريته في إطار النظام الاجتماعي والمدني للدولة، فيقول في مفتتح الفصل الأول من هذا الباب:

«يولد الإنسان حرًّا، ويوجد الإنسان مقيدًا في كل مكان، وهو يظن أنّه سيد الآخرين، وهو يظل عبدًا أكثر منهم، كيف وقع هذا التحول؟ أجهل ذلك، وما الذي يمكن أن يجعله شرعيًّا؟ أراني قادرًا على حل هذه المسألة».

يتبع في الجزء الثاني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد