في 31 مايو (أيار) 1995 العاشرة مساء تدخل امرأة ذات شعر قصير وسترة سوداء الغرفة 2805 بفندق بلازا في أوسلو بالنرويج، وذلك باسم جنيفر فيرغات، لسبب ما لم يطلب منها تقديم أية بطاقة هوية، أو مستندات شخصية للسماح لها بالبقاء في هذا الفندق الفاخر.

بعد مرور يومين على إقامتها، تم الانتباه إلى وجود لافتة (لا تزعج) على بابها لأكثر من يومين، تم إرسال حارس لتفقد الأمر، وبعد ثوان قليلة سمع صوت طلق ناري من داخل الغرفة، انتظر الحارس بعض الوقت حتى يخرج أحدهم، لكنه قرر بعدها بـ15 دقيقة إبلاغ المدير والشرطة، وترك الغرفة دون رقابة.

بعد ربع ساعة وصل رئيس الأمن والمحققون، ودخلوا ليجدو امرأة مستلقية على سرير ميتة بسبب طلق ناري مباشرة في جبهتها، والمسدس في يدها اليمنى. كانت وحيدة، ولم يكن هناك دليل صراع، أو أي شخص آخر بالداخل. نظرًا للوضعية التي تم العثور عليها فيها كان المحققون متأكدين أنها عملية انتحار، ولكن الغريب أنهم لم يجدوا مفتاح منزل، أو بطاقة هوية، ولا فرشات أسنان، ولا ملابس داخلية، أو أدوات نظافة قمصان، أو سترات صوفية. والأمر الثاني: بطاقة الملصقة في عنق الملابس وجدت ممزقة، وهو ما يبين أصل «ماركة الملابس»، ومن أي بلد تنحدر. تم فحص المسدس بعدها فاكتشفوا أنه تم أزيل الرقم التسلسلي؛ حتى لا يتم تتبع مصدر السلاح، أجرت السلطات تحقيقًا كما لو أنه جريمة قتل، وُلِج إلى قاعدة بيانات الإنتربول وبيانات النرويج فلم يجدوا شيئًا.

في 2017 بعد طلب لجنة مختصة في البحث عن المفقودين ومجهولي الهوية، أعادت السلطات النرويجية فتح قبرها لإجراء تحليل ADN، اكتشف الخبراء بعد التحليل أن الفتاة من ألمانيا الشرقية، أو قضت فترة مراهقتها في ألمانيا الشرقية.

ليتم بعدها إجراء اتصال مع السلطة العسكرية للبحث عن مصدر السلاح، فلما تم إجراء فحص لنوع السلاح ونوعية الرصاص، أبرزت النتائج أن السلاح كان مصدره بلجيكيًا، وتم إنتاجه في بلجيكا ما بين سنة 90 و91.

في التحقيقات التي جرت طيلة 25 سنة، أثبت المحققون والخبراء أن أغلب عمليات الانتحار تخلف بقايا دم في اليد التي تمسك المسدس، مع قوة ارتداد الطلقة من مسدس قوي يسقط المسدس من يدها مباشرة، ولكن لم يحدث ذلك؛ مما جعل القضية مشبوهة، وفي سياق آخر ذكر أن جنيفر بعد الاستحمام كانت ترتدي ملابس سوداء وكعبًا عاليًا وقت وفاتها، وكأنها تهم بالخروج؟

لماذا كانت في أوسلو وهي تنحدر من ألمانيا الشرقية! من أي بلد دخلت النرويج؟ وكيف عبرت الحدود النرويجية؟ لماذا اختيار فندق بلازا للانتحار الذي كان أشهر الفنادق، وعقدت فيه أهم الاجتماعات السرية، ومعاهدات أوسلو التي لم تزل سارية إلى يومنا هذا؟ هل كانت جاسوسة؟ هل كانت قاتلة مأجورة؟ هل كُشفت هويتها فلجأت إلى الانتحار هربًا من الموقف؟ كيف دخل سلاح غير مرخص من صنع بلجيكي عبر الحدود النرويجية؟ في ظل غياب كل ما يتعلق بهويتها، وإخفاء كل ما يتعلق ببلدها الأصل، وتحركاتها، وأثرها، بقي موتها لغز حير المحققين وأشهر المحللين.

في لقاء مع ضابط استخبارات نرويجي قال: إنها بنسبة عالية كانت عميلة استخبارات، بدليل أنها مسحت كل أثر يتعلق بها، أو بهويتها، أو بماضيها العائلي.. وأغلب عملاء الاستخبارات الذين يموتون أثناء تأدية مهامهم يُتكفل بعائلاتهم مدى الحياة مقابل أن يكتم أهلهم قضية وفاتهم، أو الإبلاغ عنهم.. وقال: كذلك مسح الرقم التسلسلي للمسدسات عمل استخباراتي محترف؛ لكي لا يكتشف مصدره وتحركاته، والتسجيل بأسماء مستعارة لتشتيت الانتباه، ونزع بطاقات المنتج من الملابس، كلها أساليب استخباراتية تثبت احترافيتها.. رغم القرائن، والدلائل، والفرضيات، هذا كله يجعل موت جنيفر لغزًا إلى يومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد