بدأت الحكاية عندما أعلن (أبُو إيفانكا الأمريكي) نيته الترشّح لرئاسة أكبر بلدان العالم، في مقابل «الإخوانية» (هيلاري كلينتون)، كانت الصورة في إعلامنا يومها تبدو هكذا!

وصل أبو إيفانكا لسدّة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، وهُزمت الإخوانية وضجّ الإعلام العربي بالخبر فرحًا خاصّة، الإعلام (السعودي – المصري)، لكنّهم نسوا أو تناسوا أن يخبرونا أنّ «بول مانافورت» مدير الحملة الانتخابية لدونالد ترامب، قد أعلن بشكل واضح أنه في حال وصول أبي إيفانكا للحكم، سينقل سفارة الاحتلال الصهيوني من تل الربيع إلى القدس.

نسوا أم تناسوا لا أدري! ولكنهم فعلوا فلم يخبرونا أنّ ترامب ومستشاريه يرون أن الإسلام «سرطان خبيث»، «دين سقيم»، بل وصل الحال ببعضهم أن شكّك في كون الإسلام دينًا أصلًا.

نعودُ لعنوان التدوينة، «تالله ما سمعتُ سفهًا»، وهْي عِبَارةٌ ردّ بها ابن عبّاس – رضي الله عنه – على نافع الأزرق، بعد أن سمع ابن عبّاس قصيدة عمر بن أبي ربيعة، التي يقول فيها:

أَمِن آلِ نُعمٍ أَنتَ غادٍ فَمُبكِرُ  ***  غَداةَ غَدٍ أَم رائِحٌ فَمُهَجِّرُ

لِحاجَةِ نَفسٍ لَم تَقُل في جَوابِها *** فَتُبلغَ عُذرًا وَالمَقالَةُ تُعذرُ

تَهيمُ إِلى نُعمٍ فَلا الشَملُ جامِعٌ *** وَلا الحَبلُ مَوصولٌ وَلا القَلبُ مُقصِرُ

وَلا قُربُ نُعمٍ إِن دَنَت لك نافعٌ ***  وَلا نَأيُها يُسلي وَلا أَنتَ تَصبِرُ

ويسترسل فيقول:

فبتُّ قريرَ العينِ، أعطيتُ حاجتي ***  أقبلُ فاها، في الخلاء، فأكثر

فيا لكَ منْ ليلٍ تقاصرَ طولهُ *** وَمَا كَانَ لَيْلي قَبْلَ ذَلِكَ يَقْصُرُ

فاحتجّ الخارجي ابن الأزرق على ابن عبّاس قائلًا نسألك في القرآن فتملّ وينشدك هذا سفهًا فتهشّ له، وما أراك إلا قد حفظت البيت، قال ابن عباس: (تالله ما سمعتُ سفهًا)، وإن شئتَ أنشدتك القصيدة كُلها، قال: فإني أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى ابن عباس على آخرها.

لقد خالفت السعودية ومشايخها كلّ الموروث الثقافي والديني لشعبها عندما حطّت طائرة «أبي إيفانكا»، ذات يوم في غزوةٍ أسماها البعض «ذات المليارات»، بعدها بأيام بدأت بشائر الإسلامي «البن سلماني»، تهل على السعودية التي عاشت في موروث ديني – سيحرق لاحقًا – سنين طويلة، فصدر قرار القرارات، منح المرأة حقها في قيادة السيّارة، ثم قرار «إنهاء» ما يعرف بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستبدال هيئة بعيدة عنها كل البعد بها سمّيت «هيئة الترفيه»، ستكون مهمتها إباحة كل الأشياء التي كانت تمنعها الهيئة السابقة، من رقص وغناء واختلاط وحفلات ومسارح ونحو ذلك، كل ذلك تحت شعار (في الدين سعة)، ثم جاءت «العبيطة» إن صحّ التعبير، جاءت بلسان عربيٍّ مبين، بفصاحة إمام الحرم المكّي عبد الرحمن السديس، حين قال: «أمريكا تقود العالم إلى السلام» داعيًا لها وللسعوديّة ولترامب بالاسم، مخلّفًا بكلامه جرحًا غائرًا في صدور من صدّقوا ذات يوم أنها «بلاد التوحيد»، وضاربًا عرض الحائط بذريعة لطالما كفّروا بها خصومهم السياسيين والدينيين «الولاء والبراء»، وعلى الرغم من أن السديس لا يجهل على الأقل أنّ ترامب يَعِدُ منذ ترشحه للرئاسة بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني!

أيضًا منذ أيّام أعلنت الهيئة السعودية الجديدة للترفيه عبر حساب «روزنامة الترفيه» في «تويتر» عن أمسيات موسيقية كبيرة سيحييها الموسيقار اليوناني العالمي «ياني» في مدن الرياض وجدة.

لا تستغرب فالسعودية في طور (أبْدَيتْ كبير)، من تحريم الأغاني، ووصف المجيزين لها بالمتميعين، لتحليلها بل التفاخر بذلك ونعت المحرمين لها بالمتشددين، مستدلين بحادثة ابن عباس (تالله ما سمعت سفهًا)، وكأن الحادثة حدثت البارحة أو ليلة تنصيب ابن سلمان وليًّا للعهد.

لا تستغرب مرّة أخرى، ففي قرار السماح للمرأة السعودية بحقها الطبيعي في قيادة السيارة، وفجأة وفي دقائق لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، أطلت برأسها فتاوى جديدة لمفتين كانوا يحرمون، رأوا حقيقة أو مجازًا أن «القرار الملكي» ينسخ أي حكم شرعي، سيّما إن كان لمتميعي الأمس اجتهاد فيه.

نسخة جديدة من الإسلام السعودي يتم تقديمها، يجوز فيها ما كان محرّمًا بالأمس، ويحط فيها من أمر المقدّسات، وفيها اجتهادات فقهية جديدة فالقوم لم يعلموا بقصة ابن عباس التي يبدو أن ابن سلمان كان أدق من كل الشيوخ فاستخرجها من الكتب!

طبعًا كل شيء يجوز الاجتهاد فيه، ففي ديننا سعة، عدا انتقاد ولي الأمر، والكفر الوحيد في السعودية أصبح «الديمقراطية»، والردّة الواضحة هي المطالبة بالحرية، وبهذه المستجدّات تم نقل المؤسسة الدينية من «التسلط على المجتمع بالتحريم» إلى خندق «المجيز والمحلل» مع الحفاظ على الواجهة التي تقدّس آل سعود، وحكمهم «الرشيد»، وتطبيقهم للـ«شريعة»!

من سيصلُ إلى القدس هي الشّعوب المسلمة الحرة، وليست الشعوب التي يقول حكامها لها (تالله ما سمعنا سفهًا عن القدس)، فتقول شعوبهم سمعًا وطاعةً، ودُونَ القدس الكثير من المظالم إن لم تتجاوزها الشعوب فلن تصل، وقديمًا في أيام العرب، ولما أغار بعضهم على عبس وساقوا إبلهم قال شداد لعنترة: كُرّ، فقال له: العبدُ لا يحسن الكَرّ إنّما يحسنُ الحِلاب والصّر، فقال له شداد: كُرّ وأنت حُر، فقاتل قتالًا شديدًا حتى هزم القوم واسترد الإبل.

الشعوب الآن تشبه عنترة، فلن تعرف الطريق إلى القدس ولا إلى الكرامة قبل أن تعرف الطريق إلى حريتها، وتثق في هوِّيتها وتتعلم وتبتكر وتطعم نفسها وتلبس ممَّا تصنع، وقبل ذلك أن تتخلّص من حكامها الظلمة وتابعيهم بغير إحسان، الذين يدلسون في التاريخ والجغرافيا وحتى في الدين فيخرجون ما شاؤوا وقتما شاؤوا وما إباحة الموسيقى بحادثة ابن عباس (تالله ما سمعت سفهًا)، عنّا ببعيد.

صدقوني سينقشع الظلام بعد أن نعرف الحرية وسنصلي في القدس بعد أن نؤمن بالحرية، وسيجر المحتل أذياله بعد ذلك، وما النصر إلا من عند الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك