استمر الحكم الإسلامي في أرض الأندلس قرابة ثمانية قرون، شهدت خلالها أوروبا نقلةً حضاريةً حولتها من عصور ما قبل التاريخ إلى المدنية والحضارة والتقدم، ولكن شاخت الدولة الأندلسية بعد أن تخلت عن مصدر قوتها، وسقطت سقوطًا مدويًّا، ولنا أن نتساءل: كيف سقطت الأندلس رغم أن بعض مدنها كانت شديدة التحصين؟

يمكننا أن نلخص ذلك في عاملين أساسيين:

1- الخيانة.

2- غياب الوعي بطبيعة الصراع.

تعرضت العديد من المدن الأندلسية لخيانة بعض المسلمين، الذين ركنوا إلى الدنيا، ونسوا دينهم، وسعوا وراء عرض زائل ممكن، يقول المؤرخ النصراني كوندي: «العرب هووا عندما نسوا فضائلهم التي جاؤوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلى الخفة والمرح والاسترسال بالشهوات»، كل ذلك أدى إلى سقوط بعض المدن الحصينة، بل وصلت الخيانة إلى أمراء وزعماء بعض المدن الذين سلموا مدنهم عن طيب خاطر للنصارى، و مدن أخرى غاب عنهم أصل الصراع بين المسلمين ونصارى أوروبا وحقيقته، فعقدوا معهم اتفاقيات سلام، و أهملوا تقوية جيوشهم، وتدعيم صفوفهم، وتربية أبنائهم وشبابهم على العقيدة الصحيحة، تناسوا أن الجيوش الصليبية لم تتحرك إلا بوازع وتحريض من البابا في روما، فاستكانوا لاتفاقيات مزعومة نقضت اتفاقية تلو الأخرى، وسقطت المدن مدينة تلو الأخرى، ولم يتعلم المسلمون الدرس، ظلوا معتقدين أنه مجرد صراع على الأرض، أو على الموارد الاقتصادية والكنور الطبيعية، حتى سقطت الأندلس بالكامل عام 1492م، والعجيب أن آخر مدينة أندلسية – مدينة غرناطة – كررت الخطأ نفسه؛ فعقدت اتفاقية تسليم بين فرناندو وإيزابيلا ممثلي الجيوش الصليبية الأوربية، و بين ملك غرناطة أبي عبد الله محمد المعروف بالـ«الصغير»، شملت الاتفاقية 67 بندًا منها ما يلي:

البند (4): يتعهَّد جلالتهما وخلفاؤهما إلى الأبد، بأن يُترك الملك المذكور أبو عبد الله والقادة والوزراء والعلماء والفرسان وسائر الشعب، تحت حكم شريعتهم، وألَّا يؤمروا بترك شيءٍ من مساجدهم وصوامعهم، وأن تترك لهذه المساجد مواردها كما هي، وأن يُقضى بينهم وِفْقَ شريعتهم وعلى يد قضاتهم، وأن يحتفظوا بتقاليدهم وعوائدهم.

البند (14): أن يُعامل الملك أبو عبد الله المذكور وسائر السكان المسلمين، برفقٍ وكرامة، وأن يحتفظوا بعوائدهم وتقاليدهم، وأن يُؤدَّى للفقهاء حقوقهم المأثورة وفقًا للقواعد المرعيَّة.

البند (20): أنَّه يبقى دخل الجوامع والهيئات الدينيَّة أو أيَّة أشياء أخرى مرصودة على الخير، وكذا دخل المدارس، متروكًا لِنظر الفقهاء، وألَّا يتدخل جلالتهما بأيَّة صورة في شأن هذه الصدقات أو يَأْمُرَا بأخذها في أيِّ وقت.

البند (31)، (33): نصَّت هذه البنود على حرية العبادة، وبقاء المسلمين على دينهم، وعدم إجبارهم على النصرانية، بل عدم إجبار النصارى الذين أسلموا أو أولاد الروميَّات على ترك الإسلام.

و بنود أخرى كثيرة كلها تفضي إلى ما يشبه الحكم الذاتي للمسلمين، و تعهد الملكين بـ «أن ملكي قشتالة يؤكدان ويضمنان بدينهما وشرفهما الملكي، القيام بكل ما يحتويه هذا العهد من النصوص، ويوقعانه باسميهما ويمهرانه بخاتميهما»، واقتنع المسلمون بوفاء الملكين الحاقدين ببنود تلك المعاهدة؛ فسلموا غرناطة، وفور دخول الجيوش الصليبية إلى غرناطة، واستقرار مقاليد الحكم في أيديهم، نقضوا المعاهدة وبدأوا بعمل أوضح بجلاء شديد الهدف من كل تلك المعارك و الحروب مع المسلمين، فكان أول الغدر تحويل مسجد الطيبين إلى كنيسة، وكذلك مسجد الحمراء، ثم تحويل مسجد غرناطة الأكبر إلى كاتدرائية، مستغلين في ذلك الكنوز الذهبية التي استولوا عليها من أهالي غرناطة وحكامها المترفين، وتبع ذلك تأسيس فرق التنصير لإجبار المسلمين على اعتناق النصرانية، أولئك المسلمون الذين عرفوا في التاريخ باسم «الموريسكيين»، ودارت رحى مجزرة بشعة عُذب فيها مئات الآلاف من الموريسكيين بطرق مقززة للغاية، وطرد ما يقارب مليون مسلم حتى عام 1609م حين أصدر الملك فيليب الثالث قرار الطرد الكامل للمسلمين، واندثرت الأندلس حتى يومنا هذا تحت ركام الحقد الصليبي الغاشم.

عندما تتأمل تاريخ سقوط الأندلس تجد تطابقًا عجيبًا مع سقوط فلسطين عامة، والقدس خاصة، فكلاهما تعرضا لحملات دينية حاقدة ولاستعمار إحلالي بغيض، في ظل حكام ضعفاء وشعوب مخدوعة، تعالوا نتأمل سريعًا كيف سقطت فلسطين عبر التاريخ الحديث في إيجاز شديد:

1- 1917: وعد بلفور لليهود بوطن على أرض فلسطين، استلزم ذلك الوعد أكثر من 30 عامًا لتنفيذه، كانت الشعوب العربية حكامًا ومحكومين تغط خلالها في نوم عميق، ومن انتفض منهم وتحرك تعرض لخيانات جسيمة.

2- 1947: أصدرت الأمم المتحدة «الواقعة تحت السيطرة الكاملة لأمريكا وبريطانيا» قرار التقسيم، الذي يقضي بإقامة دولتين على أرض فلسطين، إحداهما للعرب تحتل 42% من المساحة، وأخرى لليهود تحتل 58% من المساحة، وهنا ثار العرب وهاجوا وماجوا وتجهزوا بجيوش هزيلة، خرجت من تحت عباءة حكام خونة باعوا القضية وقبضوا الثمن.

3- 1948: أعلن اليهود دولتهم، ونشبت حرب بين جيوش عربية مهلهلة وكتائب صهيونية تتلقى دعم أمريكا وبريطانيا، والعجيب أن الانتصار كان حليفًا للجيوش العربية، ثم عقدت هدنة نقضها اليهود، وتدخل عنصر الخيانة لتنتهي المعركة بانتصار عصابات اليهود، واعتقد العرب أن اليهود سيلتزمون بقرار الأمم المتحدة، ولكنهم كالعادة نقضوا العهد، وسيطروا على 78% من مساحة فلسطين، وهجروا أكثر من مليون إلا ربع فلسطيني من أرضهم.

4- 1967: تحولت تدريجيًّا القضية من صراع بين المسلمين واليهود إلى صراع بين القومية العربية واليهود، و غاب الدافع الإسلامي تحت وطأة حكم مجموعة من الحكام المغتصبين فكريًّا من الشرق والغرب، وتأسست منظمة علمانية لتمثل الشعب الفلسطيني، وتدافع عن حقوقه، وهنا أتت النكسة وهزمت الجيوش العربية هزيمة نكراء، واحتل الجيش الصهيوني كامل أرض فلسطين الحبيبة «بالإضافة لسيناء المصرية، وهضبة الجولان السورية، ومزارع شبعة اللبنانية».

5- 1978: وقعت معاهدة كامب ديفيد، والتي نصت على إنشاء «سلطة حكم ذاتي» في الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن تتبع لاحقًا «بمحادثات الوضع النهائي»، وبناء على ذلك، أبعد أقوى الجيوش العربية عن ساحة الصراع، وأمن الصهاينة على دولتهم اللقيطة.

6- 1980: أصدر الكنيست الإسرائيلي قرارًا بضم القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، ثار العرب وارتفعت الحناجر ساخطة؛ فتعطف الصهاينة على العرب بالموافقة على المحادثات والمفاوضات المباشرة، وفرح قادة العرب واعتقدوا أن الحل قادم، وعلى الرغم من أن ذلك العقد شهد مذابح صهيونية مروعة في حقوق المسلمين، فإن قادة العرب ظلوا يلهثون وراء المفاوضات.

7- 1993: وقعت اتفاقية أوسلو، وشملت اعترافًا بحق إسرائيل في الوجود، على أن يمنح الفلسطينيون دولة مستقلة منزوعة السلاح على 22% من مساحة فلسطين، بينما يعترف الفلسطينيون بأحقية الصهاينة في 78% من مساحة فلسطين، ورغم موافقة العرب، فإن الصهاينة نقضوا الاتفاقية، ولم يقنعوا بـ78% من مساحة فلسطين، وطالبوا بالمزيد.

8- 2002: على الرغم من تنازلات العرب المتتالية، فلم يوف الصهاينة بوعودهم، ولم ينفذوا أي من بنود اتفاقية أوسلو؛ فأقدم قادة العرب على طرح مبادرة في القمة العربية فحواها تطبيع كامل مع الكيان الصهيوني في مقابل دولة فلسطينية على حدود 67 والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، وهنا يواصل العرب انبطاحهم؛ فلا حديث عن اللاءات الثلاثة، ولا حديث عن طرد العصابات الصهيونية من فلسطين، ولا حديث عن القدس عاصمة لفلسطين، وإنما اعتراف كامل بإسرائيل، وبحقها في جزء كبير من القدس، وكالعادة رفض الكيان الصهيوني ذلك العرض المغري.

9- 2018: اعترفت أمريكا ومعها قرابة 32 دولة بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقلت السفارة الأمريكية إليها، وما زال قادة العرب مصرين على أن المفاوضات والاتفاقات هما الحل الأوحد للخروج من الأزمة.

إذن كيف نستفيد من دروس التاريخ؟ كيف نستطيع استعادة القدس المسلوبة وفلسطين المحتلة؟

بداية لا بد أن نتفق على شيئين:

1- لا أمل في مفاوضات بين كيان غاصب يمتلك كل أسباب القوة وتدعمه أقوى دول العالم، وبين أناس عزل يعانون من الخذلان.

2- لا أمل في قادة جل اهتمامهم تثبيت دعائم حكمهم، وإلهاء شعوبهم بخطاب إعلامي متلون.

إذن فالحل يكمن في الشعوب نفسها، فكل منا إما أن يكون خطوة في طريق استعادة القدس، وإما خطوة في طريق ضياعها إلى الأبد، ليست مساندتك الأهم للقضية الفلسطينية هي التبرع والمقاطعة، وقطعًا ليست الخروج في المظاهرات ورفع اللافتات، وإنما دورك الأهم هو التربية وبناء المسلم الواعي صاحب الشخصية المتزنة المتكاملة، تربية نفسك وأهلك وأبنائك التربية الإسلامية الصحيحة، وإكسابهم النظرة الشرعية السديدة إلى الأمور، تنقية عقولهم من تلك الأفكار التي دأب الإعلام على غرسها في عقل الأمة الجمعي، تعليمهم أن الصراع بيننا وبين اليهود ليس صراعًا سياسيًّا، و إنما صراع وجودي عقدي، لا بد من ننشئ أنفسنا وأبناءنا على معاني الولاء والبراء الحقيقية، فلا ولاء على حدود صنعها المحتلون، وإنما الولاء على الإسلام، فالمسلم في فلسطين أخ لي، أرضه كأرضي، عرضه كعرضي، دمه كدمي، أغضب لانتهاك حرماته كما أغضب لانتهاك حرمات أخي من أبي وأمي، لا بد أن يعلم أبناؤنا وإخواننا عن تاريخ الصراع على أرض فلسطين، وكيف ضاعت بلادنا وكيف سنستعيدها بإذن الله، لا بد أن يعلموا أن صراعنا مع اليهود ممتد عبر التاريخ من غزوة خيبر عام 7هـ حين أجلي اليهود عن المدينة، وحتى الآن وسيستمر حتى يتحقق موعود الله، إن ذلك المعنى حاضر بجلاء عند الصهاينة؛ فمثلًا موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي أثناء نكسة 67 قال بوضوح عقب انتصارهم «هذا يوم بيوم خيبر»، إن البعد الديني بارز للغاية في تلك الدولة اللقيطة، ولا بد أن يكون جليًّا كالشمس في رابعة النهار لنا أيضا، فنحن أصحاب الحق، لا ينبغي أن نسمح للإعلام بتبديل قناعتنا وطمس هويتنا، كن أنت الإعلام البديل، رب ابنك على تلك المعاني الصحيحة، علمه أن دينه ليس في المسجد فقط، وإنما في كل شيء في حياته، في عقائده ومعاملاته وسلوكياته ونظرته إلى الأحداث، علمه أن القدس لن يعود على يد معاقر للخمر، ولا آكل للربا، ولا غاش في الامتحانات، ولا عاق لوالديه، ولا ساب للدين، ولا كاتم للحق، ولا جاهل بالعلوم الدينية والدنيوية، ولا مدرك لموازين القوى و الضعف، فلا نهضة لنا كشعوب عربية إلا عندما يختلط الإسلام باللحم والعظم، فيصبح منظمًا لكل خيارتنا ودوافعنا في الحياة، فنحن لم نذق الذل إلا عندما تخلينا عنه، وصدق عمر بن الخطاب عندما قال «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسطين
عرض التعليقات

(0 تعليق)