وُلد النور بالبعثة المحمدية وبها عرفت الأمّة البركة، ودونها كانت الأهوال والمشاق فعندما مات النصير (أبو طالب)، ومات الحبيب (خديجة)، وانقطع الرجاء إلاّ من الله كانت أواخر سورة النحل تتّنزلُ بلسمًا على قلبٍ مكلوم: “واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيقٍ ممّا يمكرون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون”.

عندما انقطع الحبّ إلاّ منه، والشوق إلا إليه، كانت رحلة الإسراء والمعراج، فجاءت سورة الإسراء مباشرة بعد سورة النحل تسليةً وجائزة، فعندما تضيق بكم كل الدروب، وتتنكر لكم كل الأماكن، وتتكالب عليكم الأمم فارحلوا بقلوبكم إلى الله وارفعوا مواطن نظركم من الأرض إلى السماء حيث رب السماوات والأرض!

عندما هاجر إبراهيم بزوجته وطفله إلى مكّة دعا ربه: “رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون”.

إذن “بوادٍ غير ذي زرع” عند البيت المحرم أول بيت وضع للصلاة في الأرض: “إنّ أوّلَ بيتٍ وُضِع للناس للذي ببكةَ مُباركاً وهُدىً للعالمين”، فعند الحديث عن المسجد الحرام والمسجد الأقصى دائمًا ما  نتحدث عن البركة، غير أنّ مكة واد غير ذي زرع وكذلك القدس أرض الصراعات، فما هو شكل البركة إذن؟!

نحن قاصرون أن نَعِيَ معنى البركة، ففلسطين مُحتلة، فعن أي بركةٍ نتحدث؟! في حين قد يَسُوق الله إليك الآلام لترقى، فربما ابتلاك ليقربك وكما قال السياب: يا رب لك الحمد أن الزايا عطاء وأن المصيبات بعض الكرم.

إن بركة مكة هي من دعوة أبو الأنبياء، وبركة المدينة وبيت المقدس دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (اللهم بارك في مدينتنا) (اللهم بارك في شامنا).

دعونا نستعرض آيات البركة كما جاءت في القرآن الكريم:

  1.  سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله..). الإسراء 1
  2.  ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (الأنبياء). 71
  3.  وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها). الأعراف 137
  4.  ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين. (الأنبياء 81)
  5.  وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهره وقدّرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأيامًا آمنين. سبأ 18

 

هذه آيات مكية تدل على ارتباط بيت المقدس بعقيدة المسلمين، ولعل آية الإسراء لفتت انتباه المسلمين على الإصرة العقدية التي تربط المسجدين ببعضهما ولها من الدلالات الكثير.

فمن قدسية المكان للمسجدين الحرام والاقصى، وقدسية الزمان التي اكتسبها بالحادثة، ثم إن روح القدس هو الرفيق إلى السماوات العُلى، إلى قدسية إمامته صلى الله عليه وسلم بصفوة الله من خلقه ثم العروج إلى سدرة المنتهى حيث رأى من آيات ربه الكبرى!

ووصف المسجد الأقصى (الذي باركنا حوله) وصفًا يرسم البركة حافّة بالمسجد، فائضة عليه. وهو ظل لم يكن ليلقيه تعبير مباشر مثل: باركناه. أو باركنا فيه. وذلك من دقائق التعبير القرآني العجيب.

وبيت المقدس مركز البركة للعالمين (التي باركنا فيها للعالمين) لأن فيها مهبط الرسالات وتعبيد الناس لله، وهي منبع محاربة الباطل وفيها ينتصر الحق على الباطل، فيها قصم الله الفرس والرومان والتتار واليهود بإذن الله.

بيت المقدس القبلة الأولى الذي كان ولا يزال يوحد قلوب المسلمين، وحتى بعد الهجرة بقي المسلمون ستة عشر شهرًا يصلون باتجاهه إلى أن شاء الله بتحويل القبلة إلى مكة.

ثم إن المسجد الأقصى ثاني بيت وضع في الأرض، بعد أربعين سنة كما في حديث أبي ذر وقيل إن آدم عليه السلام قام ببنائه، ثم إنه ثالث المساجد الذي تشد إليه الرحال بعد المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وفلسطين أرض النبوات، مهبط الرسالات والشرائع، ومثوى الأنبياء وهجرتهم إليها.

ترعرع في القدس داوود وسليمان وعيسى وهاجر إليها إبراهيم ولوط وموسى عليهم السلام أجمعين. ويرقد في فلسطين إبراهيم وإسحق ويوسف ويعقوب وموسى قبره قريب، وهي أرض الطهارات، فكم من صلوات ودعوات وزفرات صعدت إلى رب السموات!

وتاريخ بيت المقدس هو تاريخ رسالة التوحيد من لدن آدم حتى قيام الساعة، وهو يلفظ الشرك كما يلفظ الكير خبث الحديد، وقد ذهب عدد من مفسري القرآن في سورة التين: “والتين والزيتون () وطور سينين () وهذا البلد الأمين”، إلى أن التين والزيتون يقصد بهما الأرض أو البلدة التي تنبت التين والزيتون، وهي بيت المقدس.

قال ابن كثير: قال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله من كِل واحد منها نبيًّا مرسلًا من أولي العزم، أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محل التين والزيتون، وهو بيت المقدس، الذي بعث الله فيه عيسى ابن مريم عليهما السلام، والثاني: طور سيناء، الذي كلم الله عليه موسى بن عمران، والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا. وبهذا التفسير أو التأويل، تتناغم وتنسجم هذه الأقسام، فاذا كان البلد الأمين يشير إلى منبت الإسلام رسالة محمد، وطور سينين يشير إلى منبت اليهودية رسالة موسى، فإن التين والزيتون يشيران إلى رسالة عيسى، الذي نشأ في جوار المقدس، وقدم موعظته الشهيرة في جبل الزيتون.

عند الحديث عن بركة بيت المقدس لا يمكن أن نغفل نظرية دوائر البركة للدكتور عبد الفتاح عويسي، ففي أبحاثه يشير إلى أن البركة تبدأ بمركزها (المسجد الأقصى) ثم تنداح الدوائر حسب الجغرافيا السياسية (جيوبوليتكس)، فالدائرة الأقرب للمركز الشام، ثم هناك التقاء جعرافي بين نقاط في الشام ومصر وقبرص وتبوك، وهذه البركة تشمل العالمين.

في حين أن الدكتور أسامة الأشقر في كتابه القيّم (البركة ومقوماتها ومنازلها) يشير إلى قوله تعالى: “أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما”، ويقول إن الفتق معناه شق دون انفصال كلي وبالتالي فإن الأرض من مكان ما ترتبط بالسماء، وهذا المكان الذي يربط الأرض بالسماء هو بيت المقدس وذلك قوله تعالى “واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب”، وبالتالي فإن أول الفتق في مكة (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) وآخر الفتق في بيت المقدس وهذا سبب تسميته بالأقصى، وبالتالي فإن خط البركة هو بين مكة وبيت المقدس مرورًا بالقرى التي بينهما (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها). حسب د. أسامة الأشقر فإنه لا يعتقد بنظرية دوائر البركة، حيث بيّن أن البركة هي ذلك الخط من مكة إلى بيت المقدس، ولقوله تعالى (فلما أضاءت ما حوله) فالنار هي المركز والإشعاع لا يكون دائريًّا وإنما الإضاءة في الجهات الست (أمامًا فأعلى، خلفًا فأسفل، يمنة ويسرة)، وأيضًا قوله تعالى (قال للملأ حوله) فهو إذا كان يتوسط القوم فهم حوله من كل مكان.

كثيرون من تحدثوا حول البركة ومفهومها وصنفوها حسية ومعنوية، هذه البركة التي لا تأتي إلا من اعتقد بها وآمن بها واستشعرها، هذه البركة التي تجعل القليل كثيرًا والضعيف قويًّا، وهذا الشعب الفلسطيني الذي يقاتل بكفه المخرز وينتصر عليه بإرادته وإيمانه لأكبر دليل على هذه البركة، استمع إلى هذه الأحاديث النورانية.

بركة الجهاد في سبيل الله

ورد في الحديث “الشام صفوة الله من أرضه، وفيها صفوته من عباده، الداخل إليها فبرضائي، والخارج منها فبسخطي، طوبى لمن له فيها مربض شاة”.

ومن حديث معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنهما  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة”.

وعندما سؤل الرسول عن أيهما أكبر ثوابًا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعا” فرباط ليلة في هذا المكان المبارك خير من الدنيا وما فيها.

أي بركة أعظم من الشهادة “ويتخذ منكم شهداء”، إنه الاصطفاء الذي أعقب الابتلاء وأعقب الإيمان بالبركة لمن جاد بأغلى ما يملك.

“لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.

“لا تزال” تترجم معنى البركة التي تعني الثبات، فديمومة وبركة هذه الطائفة تشعر المؤمن بالسكينة، هؤلاء المجاهدون الذين لولاهم لاستحالت الحياة إلى غابة، وكما كان بيت المقدس القبلة الأولى فهو إلى قيام الساعة قبلة الجهاد.

على الأرض المقدسة قُصِمَ الرومان والفرس والصليبيون والتتار، وسيقصم الله اليهود، وسيقتل المسيح الدجال وسيبيد الله جحافل يأجوج ومأجوج، ثم تفيض بركة الدعاء “طوبى” وبركة الملائكة وهم حافين حول الشام تحوطهم وتزكيهم.

يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، قالوا بم ذلك يا رسول الله؟ قال: تلك ملائكة الله باسطة أجنحتها على الشام. فلا عجب لأن ملائكة السماء تصافح ملائكة الأرض في مهرجان سماوي يزينه الشهداء كأنهم الأقمار، بيت المقدس عقر دار الإسلام وقت اشتداد المحن. حديث النبي: “عقر دار الإسلام بالشام”، وحديثه: “ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام”.

روى رسول الله “أن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالًا ثلاثة فاعطاه اثنتين وأرجو أن يكون أعطاه الثالثة، سأله أن يعطيه ملكًا لا ينبغي لأحد بعده، وسأله حكمًا يواطئ حكمه فأعطاه إياه، وسأله من أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن يخرج من الذنوب إلا كما ولدته أمه”.

صلاة ورباط وجهاد ودفاع عن الكرامة والمقدسات والوقوف أمام العالم المتمترس خلف أعظم تكنولوجيا تبيد العالم بضغطة زر، أي بركة أعظم من هذه البركة؟!

كان الحجر في يد نبي الله داود مباركًا عندما قتل به جالوت، وفي صراعنا مع بني صهيون فإن الحجر أيضًا مبارك يقض مضاجعهم، وسينبئنا الحجر أن يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي تعال فاقتله كما ورد في الحديث.

فتيةٌ كانوا ذؤابة قومِهم بهم يعزٌّ الله الأوطانَ ويرفعُ

فإن غيبتهم الشهادة في الثرى فإنّ الفروع من الأصول ترضعُ

أيها الياسين قُم وألقِ نظرةً إن الشهادة اليوم باتت مطمعُ

سيوفهم على أعدائهم بواترٌ وسكاكينهم في صدور العدا شُرّعُ

المخرزُ في كفّ الجبان منثلمٌ والمِديةُ في يد الشجاع مدفعُ

بنو صهيون نُصحي لكم ارحلوا فطبولنا لم تزل تَدُقُ وتُقرعُ

من فوقكم ومن تحتكم بارقة السيوف على رؤوسكم تلمعُ

إن خضابنا الدم كل صبيحةٍ وساحات الوغى لنا مقامٌ ومرتعُ

وإن حشدوا لنا كل أمة فمن يعتصم بالله لا يذل ولا يركعُ

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد