أزمة القدس

يختصر الكثيرون أزمة فلسطين التاريخية طوال قرن من الاحتلال؛ أي منذ دخول الجنرال «إدموند أللنبي» حتى اليوم بين عامي 1917 حتى 2018، بأنه صراع ديني بحت، بين حرية المسجد الأقصى، أو كونه أسير نظام الصهاينة الفاشي، ويزعم العديد منهم أن الحل يتوافق مع إعادة قوى دينية مرة أخرى؛ لكي توحد بلاد المسلمين، وعودة الوحدة، والريادة لدولة واحدة، يحكمها الخليفة أو السلطان بأمر الله، وفقًا لكل شرائعه.

ونتيجة هذا التصور لن ترى فلسطين في أي يوم موضوعًا لخُطب الجمعة إلا حين تُحاصر مدينة القدس، ولن يكترث هؤلاء بالحصار الذي يقام من الشهر إلى الآخر، الذي يفصل جُزئي الدولة المُقامة على حدود اتفاقية أوسلو، المكونة من الضفة الغربية لنهر الأردن، وقطاع غزة.

يتناسى هؤلاء مثلًا أن المسجد الأقصى لن يكون له قيمة، إذا مات كل هؤلاء من أجله، بل إنّ الله كرّم دماء البشر عن بيته الحرام، والكعبة الشريفة؛ حيثُ قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لأن تهدم الكعبة حجرًا حجرًا أهون عند الله من أن يراق دم امرئ مسلم» .

يدعو الأغلب منهم الله في شهره الكريم، وفي مواسمه من بين أيام السنة، وهؤلاء الذين ينسون أن النداء المقدس الذي رفعه «هرتزل» عام 1896 في فيينا، والعودة إلى أرض الميعاد، بناءً على أفكاره المطبوعة في كتابه الدولة اليهودية، في ذات العام تقريبًا –لقد أوقعه البعض أنه في عام 1895– قد كان برعاية الرب، وأن اليهود والصهاينة ينتشرون في أراضي فلسطين حتى يعودون إلى ربهم، وبناء الهيكل المنشود، الدين ليس المأساة على الإطلاق، بل المأساة هي المخيمات، والمذابح العلنية .

باعة أراضيهم

يُشاع في أراضي العرب، في أيديولوجيا أغلب مواطنيها، أن فلسطين قد باعها أهلها إلى الهجانة، والكثير منهم تركها هاربًا، ومستغلًا لوضعه الضعيف نتيجة الاحتلال إلى أوروبا، وهذا الرأي الضعيف له رد خاص به وسهل، كيف قد قبض الفلسطينيون جميعًا ثمن فلسطين الأسيرة بالرصاص والمعتقلات؟، وما حاجة إسرائيل كل تلك السنوات للسلاح لمواجهة قوم عُزل لم يقم لهم في أي يوم دولة حقيقية؟

إن الحقيقية التي تسخر منهم طوال الوقت، أن فلسطين تتفرد بأنها لم تقم من الأساس في أي لحظة من لحظات التاريخ، كانت ولاية الشام كاملة، ولم تقسم يوم أن كانت بين الاستقلال وبين السلطة العثمانية، ولما انتهت الحرب الأولى، وسقط مُلك بني عثمان، كانت مُنتدبة بلا جيش، ولا مُمثل لها، ولما انتهى الانتداب سقطت في يد عصابات اليهود، ما باع لها ممثل باسمها، ولا باع شعبها، بل ركض نتيجة الضعف والهوان.

الذين خانوا العرب

ينتشر بين المواطنين العرب أن الفلسطينيين أغلبهم يعملون جواسيس لحساب الدول الغربية، نتيجة غيظهم من حرية الدول العربية نفسها، لحُسن الحظ هذه النقطة لن يطول تفسيرها أو شرحها، و لكني أتساءل بخصوص بلدي مصر، هل مثلًا كان وراء حرب العدوان الثلاثي فلسطيني ما؟! وهل اعتراف «جمال عبد الناصر» بألمانيا الديمقراطية، ومناصرته روسيا لبعض الوقت، كان من خلف وشاية فلسطينية لنظام ألمانيا الاتحادية، وحليفتها الولايات المتحدة؟

هل غباء «عبد الناصر» السياسي الذي كلفنا النكبة، وسقوط فلسطين، والجولان، ووادي الأردن كان خلفه فلسطيني ما؟ حسنًا بعيدًا عن «عبد الناصر»، يوم تحركت الدبابات شرقًا بعيدًا عن الغطاء الجوي الذي صنعه جهاز الطيران في عام 1973، ووصول قوات إسرائيل على مقربة 70 كيلو متر من القاهرة، هل كان خلف ذلك قائد كتائب فلسطيني؟

بعيدًا عن مصر تمامًا، مَنْ الذي أوحى لـ«صدام حسين» أن يحتل الكويت؟ أو الذي أبلغ «صدام حسين» بأن يأخذ السلاح الكيميائي من الرجل الذي سيأتي يوم عيد الأضحى المبارك؛ لكي يقوم بتنفيذ حكم الإعدام نتيجة استخدام ذلك السلاح؟ مَنْ كان خلف «حافظ الأسد» يوم أن قرر أن يقتل بعض شعبه؟

هل كان رئيس البرلمان الذي قضى بأن يحكم «بشار الأسد» سوريا فلسطينيًّا؟، أَمْ الذي استقر على أن الكتاب الأخضر عاقل وقانون يستحق الخلود طوال سنوات حكم «القذافي» ليبيا فلسطينيًّا؟، ليبرالية «الحبيب بورقيبة» ووسطية «ابن علي»، هل الذي اقترح الأولى على الأول، والذي صنع الثانية مع الثاني، كان فلسطينيًّا؟

صاحب تهميش الشيعة في المملكة العربية السعودية، وأزمة لبنان التي لم تنتهِ في المهجر، أو في داخلها من بنية تحتية مدمرة؟!، والذي اقترح على الجزائر أن تكون عربية، وهي جمهورية نشأت بأغلبية تتخطى الـ90% من الثقافة الأمازيغية؟، والذي قال للمغرب أن تترك مدنًا سيئة التخطيط تستخدم باعتبارها غطاءً روحانيًّا لتجارة مُخدر الحشيش؛ لكي تتحدى كولومبيا في الكوكايين في رقم المبيعات السنوية، هل كان من فلسطين؟!

من أوحى إلى ثلاثة أنظمة مختلفة استخدام العنف مع شعب جنوب السودان، والتدخل العسكري، ومحاولات التهميش المستمرة لهم، هل كان فلسطينيًّا؟ الإجابة جميعًا لا، إذًا مأساة العرب من غباء العرب.

فلسطين القوية

الذين يغرقون في كتابات «كنفاني»، أنا أحبه ولكني لا أغرق فيه، عليّ أن أستقر على حقيقة واضحة، بعد مئة عام من الاحتلال؛ إن فلسطين دولة ضعيفة عاجزة تمامًا عن الدفاع عن نفسها، تتقن طوال الوقت تقديم الضحايا، يفشل جميع السياسيين فيها في تكوين دولة، لا تملك جيشًا، وتنتظر جيشًا عربيًّا من صناعة دول تعجز على صناعة الشاي بدون بواقي الخشب!

«كنفاني» يواسي شعبًا فوق شواطئ الموت في شتى سواحل العالمي، لم يكن لفلسطين ذات يوم درع وسيف، كما قال «السادات» يوم عبر جيش مصر القناة، الحقيقة إن فلسطين أضعف بكثير بالمقارنة بجارتها التي تملك كل أنواع الأسلحة الممكنة، وكل القوى الدبلوماسية الممكنة في هذا العالم.

علينا أن نتقن الاعتراف بنقاط ضعفنا؛ لكي نَعلم مِنْ أي صف، وبأي طريقة نقاوم؟، علينا الاعتراف أن فشلًا دام مائة عام من محاولات التحرر من احتلال بريطاني، ثم احتلال صهيوني؛ دليل واضح أن كل وسائلنا أضعف من أعدائنا.

هذا الذي يُقال في فلسطين غث، أما السمين فهذا ما أقوله، وأرويه في مقالات أخرى، فلسطين التي لم تكن سوى خطوط تم وضعها في «سايكس بيكو» في غمار الحرب الأولى، التي سقط فيها «عبد الحميد الثاني، وفيلهلم الثاني»، تاريخ طويل لدولة لم تكن منذ دخلها «عمر بن الخطاب»، لم تستقل يومًا لكي تنشأ كما نحاول أن نصنعها في هذا العصر، مأساة شعب وليست أرضًا ما، ولا مبنى ما، هذه المأساة لها استكمال وبداية خاصة من المقال القادم، نبدأها بعنوان «السمين في فلسطين: السيد باقي هناك».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد