قرار الرئيس الأمريكي ترامب الإعلان عن قدسنا العربية الإسلامية المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إلى أراضيها، لا يغير من حقيقة الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي لفلسطين أو للقدس كثيرًا، فكلاهما كان وبقي محتلًا من قبل وبعد قرارات ترامب بشأن القدس، فليس الأقصى بديلًا عن القدس، ولا القدس بديلة عن فلسطين.

فبعد تحول العدو الصهيوني إلى حليف للعرب ضد إيران، تشجع ترامب على إعلان يهودية القدس، وهو واثق أن القادة والأنظمة العربية لن تفعل شيئًا ذا قيمة أو له تأثير عليه أو على إسرائيل، فالصفقات الكبرى بعشرات ومئات المليارات مع الولايات المتحدة لن تتأثر قيد أنملة بل سوف تستمر في الازدياد، ولا القواعد العسكرية الأمريكية في بلادنا سوف تغلق، والأهم من ذلك كله أن من دعوا للجهاد في أفغانستان والشيشان والبوسنة وسوريا والعراق ومصر وليبيا، لن يدعوا أبدًا للجهاد الحقيقي في فلسطين الآن.

هذا ولقد كانت حكومات الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبة على مرّ التاريخ عدوًا للشعوب الحرة على هذه الأرض، وخاصة شعب فلسطين وشعوب الوطن العربي، وذلك لعمق العلاقة العضوية بين الإمبريالية الأمريكية والصهيونية الإسرائيلية، وما قام به ترامب مؤخرًا يدخل في إطار سلسلة المحطات الرئيسية في صراعنا مع هذا العدو (إسرائيل)، وذلك منذ وعد بلفور وبدء الهجرات اليهودية إلى فلسطين مع بداية القرن العشرين، ومن ثم إقامة المستعمرات في فلسطين على نطاق واسع، وكل تنازلات السلطة الفلسطينية واجتثاث العمل المقاوم في أرض فلسطين التاريخية وما حولها، والمعاهدات العربية الإسرائيلية لإضعاف الدول العربية واستنزافها وتدميرها وتفكيكها، وصولًا إلى مسيرة التطبيع الرسمي الخليجي مع العدو الصهيوني في السنوات الأخيرة، وكيف تحولت المسيرة ككل من العداء إلى التفاوض ومنها إلى الاعتراف والتطبيع والصلح، وذلك كله حتى تترك فلسطين وحدها، ويتم تحويل هوية أرض فلسطين العربية الإسلامية المسيحية إلى أرض إسرائيلية صهيونية يهودية.

كما أن في استهداف رمزية القدس سعيًا لتزوير التاريخ وفرض الرواية الصهيونية فرضًا والتأكيد عليها، فإذا كانت القدس يهودية صهيونية بحسب إعلان ترامب الأخير، فإن فلسطين كلها تصبح كذلك، ويصبح أهلها غرباء في أرضهم والمقاومة إرهابًا والاحتلال الإسرائيلي الصهيوني مشروعًا، وتهويد الأرض (فلسطين) ما هو إلا استعادة لها، وكل ما يقوم به الاحتلال اليوم هو دفاع عن النفس.

لكن لمن لا يعرف تاريخ مدينة القدس نقول له إنها هي المدينة العربية الفلسطينية الأصيلة المشيدة فوق عدة هضاب أهمها (الزيتون وعوفل وصهيون)، عرفت في السابق بعدة أسماء أهمها (يبوس) في الألف الثاني قبل الميلاد، ثم (إيلياء) نسبة إلى اسمها الروماني (كولونيا إيليا) على زمن القديسة (هيلانة) عام 325م، وقد بقي هذا الاسم حتى الفتح الإسلامي على زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن بعد احتلال الصهاينة الجزء الغربي منها عام 1948م أطلقوا عليها اسم (أورشليم – Jerusalem).

هذا وإن كلمة القدس (المقدس) تعني الذي يمنح الحياة، لذلك أحضر الله سيدنا موسى عليه السلام إلى (الوادي المقدس)، حيث يقول الله تعالى: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) (طه 12)، فتحولت العصا إلى (حيّة)، وكلمة حيّة تحمل معنى الحياة أيضًا.

القدس مدينة لا تموت، والدليل القرآني على ذلك هو أنه حين قام ملك بابل وهو (نبوخذ نصر) في عام 585 قبل الميلاد باحتلال مدينة القدس وهدمها بالكامل ولم يبق فيها أي بناء، أوضح القرآن الكريم في سورة البقرة هذه الحادثة، بحيث مرّ عليها العزير وقال إن هذه المدينة (القدس) لن تعود إلى الحياة أبدًا، فأماته الله مائة عام، ثم أعاده إلى الحياة كي يرى أن (القدس) قد عادت إلى الحياة أفضل مما كانت عليه، حيث يقول الله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة 259).

كما أن مدينة القدس تمنح البركة إلى كل المنطقة المحيطة بها، حيث يقول الله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء 1)، وبذلك أصبحت فلسطين كلها منطقة مباركة، كما جعلها الله تعالى ملاذًا وملجأ لعدد من الرسل والأنبياء الكرام، حيث يقول الله تعالى عن إبراهيم وابن أخيه لوط عليهما السلام: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء 71)، هذا وقد كانت الريح تعود بالنبي سليمان إلى فلسطين حصرًا عندما يكون في البحر، حيث يقول الله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) (الأنبياء 81).

أما فلسطين فهي عربية أصيلة لأن الله تعالى يقول إن العرب الأصليين (العاربة) قد أتى بهم الله من مدينة (سبأ) إلى فلسطين بالذات بعد دمار السد، حيث يقول الله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) (سبأ 18)، فالهجرات العربية الأصيلة (العرب العاربة) قد جاء بها الله تعالى حصرًا إلى فلسطين.

هذا وإذا نظرنا للتاريخ البديهي والمعروف لدى الجميع، نعلم أن أنبياء الله (إبراهيم – لوط – سليمان) قد عاشوا في فلسطين، وأن مدينة الخليل التي بها مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام تقع في فلسطين، وأن مدينة (سيدوم) التي عاش فيها سيدنا لوط عليه السلام تقع حاليًا تحت البحر الميت بين فلسطين والأردن، وأن سيدنا سليمان عليه السلام كانت معسكراته في (وادي النمل = وادي عربة) جنوب فلسطين والأردن، كما أن كلمة فلسطيني تعني (البحّار)، فقد كان الفلسطينيون بحارة شجعانًا وسيطروا على البحر الأبيض المتوسط وسواحله، وهزموا الفراعنة منذ القديم، فهم سكان فلسطين الأصليون، لذلك تسمى فلسطين نسبة لسكانها (الفلسطينيين الأصليين)، حيث كتب على (معبد آمون) المصري عام 1191 قبل الميلاد ما يلي: (إن الفلسطينيين محاربون أشداء واستولوا على أطراف العالم القديم).

فالنبي سليمان عليه السلام كان يقضي أوقاتًا كثيرة في البحر وبنى كل حضارته في البحر، حيث يقول الله تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (الأعراف 163)، وقد مات عليه السلام على شاطئ البحر ولم يكن معه أي أحد من الإنس، حيث كان مع مجموعة من الجن لبناء الحضارة في جزيرة في البحر الأبيض المتوسط، وكان الجن يعملون بجهد كبير بينما كان سيدنا سليمان متوفى وحيدًا في السفينة، حيث يقول الله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سبأ 14)، هذا وقد أزال الله تعالى حضارة سليمان بعد موت سيدنا سليمان مباشرة، وذلك بناءً على طلب سيدنا سليمان نفسه الذي قال عند وفاته، حيث يقول الله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (ص 35)، أي أعطني ملكًا لا يورّث لأحد من بعدي، لذلك لا يوجد في أي مكان أو متحف في العالم أي أثر لحضارة سيدنا سليمان عليه السلام.

ولا ننسى المسجد الأقصى في القدس وفي فلسطين، فالرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كان توجه إلى الشمال أي إلى فلسطين عندما أمره الله تعالى أن يتوجه في صلاته إلى المسجد الأقصى لمدة سنة وأربعة أشهر، حيث جعل الله المسجد الأقصى أولى القبلتين من أجل قضية هامة جدًا، وهي أن تبقى أعين المسلمين المؤمنين دائمًا وأبدًا على القدس والمسجد الأقصى وفلسطين.

أخيرًا نقول إن حربنا مع العدو الإسرائيلي هي حرب وجود، فإما نحن وإما هم، كما أن تقسيمنا إلى معسكرين طائفيين سني وشيعي هو نصر لهذا العدو مرتين، أولًا بإلغائنا نحن المسلمين وثانيًا بتبرير الهوية اليهودية لكيان العدو، وفلسطين كلها محتلة، لا القدس فحسب، وفلسطين كلها عربية، والكل سيدفع ثمن التفريط في فلسطين وعاصمتها القدس، تذكروا هذا الكلام جيدًا فهو ليس ببعيد، لكن هذا الاعتداء على رمزية القدس العربية والإسلامية، أظهر أن هذه الأمة حية لأن فلسطين والقدس لا تزال في قلب كل الشعوب العربية والإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدكتور علي منصور الكيالي
الدكتور إبراهيم علوش
عرض التعليقات
تحميل المزيد