فلسطين- غزة

(1)

إن تحليل مركبات البيئة الفلسطينية وفهم مكوناتها وتأثيرها يعدُّ ضرورة أساسية؛ لاستشراف مستقبل الأحداث المتصاعدةفي إطار التحركات الشعبية الرافضة للاحتلال الجاثم على الأرض العربية الفلسطينية فيما يُسمي بانتفاضة القدس أو الانتفاضة الثالثة التي تنبأت بها دائرة الأرصاد الأمنية الصهيونية وفق تقديرات مؤسساتها الاستخبارية من قبل، غير أنها كانت تجد في ربط مصير السلطة بديمومة التنسيق الأمني ما يضعف من إمكانية حدوثها أو استمرارها إن حدثت.

وبالإشارة إلى أهم مركبات البيئة الفلسطينية نجد أن الكفران بسيرورة ما سمي بالعملية السلمية التي لم تفضِ إلى صفر كما يشير الكثير من المراقبين، بل مسيرة رسخت أقدام الاحتلال فتضاعف عدد المستوطنات في الضفة الغربية من خمسين مستوطنة إلى أكثر من مائة وسبعين مستوطنة، فتضاعف بذلك عدد المستوطنين بما يزيد عن ثلاثة أضعاف عما كان عليه قبل توقيع اتفاق أوسلو المشؤوم.

وما زال يسيطر الاحتلال على ما يزيد عن 60% من أراضي الضفة الغربية ليجعل المحافظات والمدن عبارة عن جزر معزولة في غمام من الاستيطان وطرقه الالتفافية، وجدار الفصل العنصر البغيض الذي اقتلع ما يزيد عن 12% من أراضي الضفة، غير التهويد والعزل للمدينة المقدسة والعبث في مسجدنا الأقصى الشريف.

إذن مخطئ من يدعي أن مسيرة أوسلو كان مجموع حصادها صفرًا فالحقيقة أنها كرست واقع الاحتلال والاستيطان بشكل لم يسبق من قبل، وجعلت من طغمة متنفذة رهينة لخدمة مصالح الاحتلال.

(2)

فهذا الواقع الذي خلفته مسيرة الوهم (أوسلو)، هو ما جعل رواية السلطة تتآكل بشكل لم يُبقِ لها مكانًا في العقل الجمعي الفلسطيني في ظل حالة تنامي الوعي الوطني الذي اصطلى على نار الاعتداءات المتكررة لعصابات الاحتلال وقطعان مستوطنيه.

وكنت قد ذكرت في مقال سابق أن انتفاضة القدس ستقتحم العقبتين (التنسيق الأمني والخديعة السياسية) اللتين تتخذان من تخوف رئيس السلطة محمود عباس من المصير الذي آل إليه الزعيم الراحل أبو عمار.

ولكن ونحن على مشارف الشهر الثالث مازال العدو يتوقع أن الأسوأ لم يأتِ بعد،في ظل تنامي العمل الثوري وتصاعد مفاعيله بشكل لافت، بعد العمليات النوعية التي شهدتها عاصمة هذه الانتفاضة محافظة خليل الرحمن.

ولذلك نجد في ارتفاع عدد الصهاينة اليهود الذين يؤيدون الانسحاب من الأحياء العربية في القدس بنسبة 70% وفق استطلاع جريدة معاريف الصهيونيةترجمة حقيقية لتخوف الصهاينة من مستقبلهم أمام تصاعد الانتفاضة،وهذا التخوف نفسه الذي يدفع المجتمع الصهيوني نحو البديل المجنون الذي يمكن أن يوفر حماية له؛ فيتصدر زعيم حزب (إسرائيل بيتنا) ليبرمان أن 27% يرون فيه جدار الحماية متفوقًا على نتانياهو بخمس نقاط.

غير أن حالة الانقسام في الموقف الفلسطيني وعدم انقطاع رهان رئيس السلطة على مسار المفاوضات يحول دون تثمير أي إنجاز لهذه الانتفاضة المباركة؛ لذلك يتوجب تجاوز هذه الحالة الفلسطينية بتشكيل مجلس قيادة ثوري وتنسيقيات محلية في كل محافظة تقود المسيرة النضالية كمحطة أخيرة بين يدي التحرير الكامل لكل الأرض الفلسطينية وإنهاء آخر احتلال عنصري.

(3)

ولكن أمام هذا الفعل الميداني المقاوم تتحرك المياه مرة أخرى من عاصمة الخسة والخيانة (لندن) أم الخبائث ومجمع الشر، فهي من منحت أرضًا لا تملكها بوعد لعنصر بشري مزقه شقاؤه وشتته مكره ودهاؤه (صهاينة يهود).

فـ(المملكة المتحدة البريطانية) ما زالت تقطر مكرًا ودهاءً ولا تر لها مكانًا بين الأمم أو استمرارًا لعلوها الذي علته على إثر استعماري بغيض، إلا بفرض حالة التخلف على الشعب العربي والأمة الإسلامية، فهي من فرَّقت الشعب الواحد إلى شعوب متشاكسة، وقسمت الأمة الواحدة إلى أمم تتناوشها قوميات (إثنيَّات) متصارعة، وطوائف يلْعن بعضها بعضًا.

اليوم وفي خطوة لافتة يظهر في الأفق السياسي رئيس وزرائها الأسبق (توني بلير) الذي تلطخت يداه بالشراكة مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق (جورج بوش الابن) بحروب صليبية كما أسموها في أفغانستان والعراق تحت دعاوي وذرائع اختلقوها؛ليبرروا إعادة السيطرة على العالم وتجاوز المؤسسات الدولية التي استقرت بعد الحرب العالمية الثانية، باختلاق واقع دولي يترجم ما تمخضت عنه الحرب الباردة من تفرد أمريكا التي أصبحت وكأنها شرطي العالم وأصبح سلطان نفوذها لا يغيب عنه الشمس.

ولكن على ضعف هذه الأمة (الإسلامية) وما آلت إليه أحوالها جراء المكر السيء غير أن الله قد حاق بالمستعمرين مكرهم فوقعوا في شر ما صنعوا؛ فعلقوا بقواتهم الغازية في جبال أفغانستان يأتيهم الموت من كل مكان ولا أفق أمامهم إلا أن يخرجوا منها يجرون أذيال الخيبة والهزيمة.

وكان الحال أشد وأنكى لها يوم غاصت عصابات القتل في وحل العراق، فلم تزل التوابيت تتوارد إلى ديارهم مقطعة أوصالها مغلفة بأعلامهم وقد لفحها لهيب الموت.

(4)

نعم ظهر “توني بلير” كوسيط دولي وهو من رئِس “الرباعية الدولية” التي وضعت شروطها الأربع بين يدي الإرادة الفلسطينية الصادقة وقد ترجمتها صناديق الاقتراع بفوز برنامج المقاومة الذي تقدمت به كتلة التغيير والإصلاح لحركة المقاومة الإسلامية (حماس).

وقد حالت تلك الشروط الظالمة التي تجرم المقاومة، وتلزم بالاعتراف بالكيان الغاصب، والإلزام بالاتفاقيات التي جعلها الشعب وراء ظهره بعد أن مزقتها آلةالقتل الصهيونية تحت جنازيرها، وقال عنها آخر ملوك الكيان بأنها لا تساوي الحبر الذي تُكتبت به ولا الورقة التي سوَّدتها.

أجل، حالت تلك الشروط دون التغيير السلمي أن يأخذ مجراه الطبيعي، أو يكون التسليم لإرادة الجماهير الفلسطينية؛ فما كان إلا أن زرعوا الخلاف والشقاق في الساحة الفلسطينية فيما سمي ببرنامج “الفوضى الخلاقة”.

وقد تدحرجت الأحداث ليقع الصدام المسلح بين رفاق السلاح وأشقاء الانتفاضة بمكر سيء كان لهذا المخلوق النكد (توني بلير) الدور البارز فيه، وهو ما أنتج الانقسام الحاد في الموقف الوطني.

إذن، لا جديد في أن يظهر هذا الرجل ليكون الخراب في كل مكان يحل فيه، ولكنه يظهر حينًابحلة الثعلب الواعظ بعد أن فشل حصاره الظالم من تركيع إرادة الشعب الفلسطيني من أن تشق طريقها نحو الحرية.

غير أن هذا الثعلب المراوغ يقترب من معقل برنامج المقاومة (حماس) وأخواتها لعله يصرفها عن طريقها تحت ما خلفه واقع الحصار وما تمخضت عنه الاعتداءات الصهيونية من قتل ودمار، فإذا به يعرض مخارج لهذا الواقع، كلها تصب في اتجاه واحد.. القبول بواقع الاحتلال بتحسين شروط العيش تحت ربقته؛ فينزوي مشروع التحرير في حدود غزة التي لا تزيد مساحتها عن 1.6% من مساحة كل فلسطين، وربطها (غزة) بحبل سري يرتبط وثيقًاالاحتلال من البحر عبر ميناء عائم ينتهي إليه، ومن البر عبر كرم أبو سالم (كارم شالوم).

نعم قد راغ (بلير) بذلك المكر والدهاء بعد أن وضعت حرب العصف المأكول أوزارها ولكنه فشل فشلًا ذريعًا، وحين رفضت المقاومة التجاوب مع مكره وأدركت شراكه الخادع بعقد مؤتمر دولي للسلام ينعقد في لندن، تُقاد فيه المقاومة الفلسطينية إلى حيث كان حتف من جُرَّ من قبلها (م، ت، ف). وأمام هذا الوعي تمَّ إعلان فشل تحركه المشؤوم.

(5)

ولكن الجديد أن يعود هذا الثعلب (بلير) من جديد وقد انطلق الشعب الفلسطيني في انتفاضته الثالثة (انتفاضة القدس) وقد اقتربت من شهرها الثالث، وتصاعدت مفاعيلها الثورية بشكل متسارع، فتصل إلى القتل على نقطة صفر، والقنص من بُعد، والالتحام الجماهيري في كل نقاط التماس.. وقد تأكد للاحتلال أنه ليس في الأفق إلا الإذعان لإرادة الأحرار؛ لنيل الحرية وتقرير المصير.

فهل ستفوت المقاومة الفرصة مرة أخرى من هذا الثعلب المكار وتنحاز كل فصائل الفلسطينية
إلى خيار الشعب الفلسطيني الذي يتهيأ للحرية بتقديم كل ما يمكن أن تقدمه الشعوب التي رامت حريتها عبر التاريخ الإنساني الطويل؟

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد