أراها تَبكي، تنتحب، تذوب من كَمد، غير أنّها صامدة لا تلين، عظيمة لا تنحني، تقف شامخة لا تُهادن! هي مدينة الله، بوابة السّماء، فُسحة الأمل، العقيدة الثّابتة في كتابنا، الصوت الذي لن ينهزم، هي القدس أراها في سجودها، في محراب ربها، تبثه الألم، تشتكي إليه هجران أهلها، تخاذل قومها، انشغال أمتها عنها.

تساؤلات في خلدها تدور، أصحيح أنّها قبلة المسلمين الأولى التي تُشكل حاضرة في أذهان الكثيرين؟! أصحيح أنّهم يعرفون ذلك؟! أصحيح أنّ لها أمّة تعدادها مليار أو يزيد؟! أصحيح أنّ أهلها عجزوا عن صدّ العدوان عنها؟! ألف ألف سؤال يدور في رحى ذاكرتها غير أنّها عاجزة عن استقبال الإجابة، هي تبحث لكنها لم تجدْ، لم تجدْ فوارسها، لم تَجد محررًا جديدًا بعد عمر، بعد صلاح. لم تَجد من يمد يده ليأخذ بيدها، هي وبضعة من ساكنيها، وَحدهم في مواجهة جبروت العالم.

اليوم بدا التّاريخ ثقيلًا على صدرها، ثقيلًا على محبيها، وظل مُترنحًا وَقتًا حول أسوارها، وَظلت هي صامتة، لم تنبس شفتاها بكلمة، ظلت ترقب والدّمع بعينها، ظلت تنتظر سماع بيعها لبني صهيون، كيف تقاذفها الأغراب؟! كيف صمت الأعراب؟! كيف أضحت بضاعة مُزجاة؟! كيف بيعت عروس عروبتنا؟! كيف، كيف؟! كيف تم ذلك في وَضح النّهار، وعلى مرآنا جميعًا؟!

تُرى أتحزم متاعها، أتحزم جدرانها وأسواقها، وأبوابها، غدًا ستبسط دولة بني صهيون أذرعتها في كل مكان، ستزداد غطرسة فوق غطرستها، ستمنح هذا حق الرّحيل وتمنح ذاك حق القتل، وتمنح غيره حق الأسر.

غدًا سَترفع عصابة بني صهيون راياتها فوق أسوار القُدس، وعلى أسوار المسجد الأقصى وجدرانه، غدًا سَتكثر الممارسات المُستفزة لأهلها الصّادقين، لمحبيها المَقهورين، لذويها الصّابرين، ولا سبيل للوصول إليها، لا سبيل للوقوف معها، غير ما قَلّ وندر.

اليوم بكت القدس أمّها فلسطين، يَوم استُبيحت عام 1984م، عادت بذاكرتها أعوامًا وأعوامًا لتذكر يوم بيعت الأم، هكذا قدمت بريطانيا يافا وحيفا وعكا وساحلنا لبني صهيون، هكذا أتبعت اللاحقات بالسابقات، طولكرم وجنين وقلقيلة ورام الله عام 1967م، واليوم تُسلم أمريكا القدس، مُهجة القلب، وروح الأمة لبني صهيون، منذ عام 1948م وهم يدّعون ملكيتهم لهذا الوطن، لكنهم لا يقدرون على تحقيق الأمن لهم والأمان، فلسطين لم تُغير هويتها، فهي عربية مُسلمة، وعاصمتها القدس.

إذن ماذا تعني وعودهم؟! ماذا يعني كلامهم؟! يعني أنّ لا شيء سَيتغير لدولة ترزح تحت نير الاحتلال، أرضها مُغتصبة، شَعبها أسير، مُدنها مُحاصرة، ماذا تعني وعودهم وعطاياهم ونحن شَعب ما زال يُقاوم. وَسيظل كذلك حتى نيل استقلاله كاملًا. دولة من البحر للنهر. نحن لا نُعنى بكلامهم، لأننا نعلم جيدًا «أنّ ما أخذ بالقوة لن يُسترد إلا بالقوة»، ونؤمن بقول الله تعالى «إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين».

فهل غيَّر وَعد ترامب شيئًا على الأرض؟! الجواب: لا، لأنّ القدس فعليًا تحت سيطرة المحتل، والفلسطيني ممنوع من الدّخول، ممنوع من الصّلاة، مَصلوب على الحواجز، حتى أهل القدس يتعرضون للتضييق اليومي والمنع من الصّلاة في المسجد الأقصى، محلاتهم مُغلقة لكثرة الضرائب، اقتصاد أهل القدس مسحوق، رباطهم في المدينة لله، لو لم يكن لله، لرحلوا منذ زمن لضيق حالهم، كم عائلة منهم تسكن في المغارات والأكواخ؟ كم بيت هُدم؟! كم بيت سرق؟! كم خيمة أقاموا على أنقاض بيت قد هُدم؟!

القدس قبل إعلان ترامب لم تكن في نعيم، القدس مدينة مُحتلة، نسيتها أمتها منذ زمن، وجاء إعلان ترامب ليوجه بوصلتنا لها، ليعيد وجهتنا لها، بعدما قضينا وقتًا بتدمير عواصمنا، وبقتل شعوبنا، القدس هي الحرب الوحيدة التي تستحق الالتفات والإقدام، هي الحرب الوحيدة ذات الوجهة الصحيحة، كفوا عن قتل شعوبكم والتفتوا لها؟!

القدس مدينتنا التي تستصرخ منذ زمن، وصراخها لم يتجاوز أسوراها، لم يصل أبعد من أبوابها، وكأنّ أمتها أصابها الصمم أو لم يعد من شأنّها تحرير القدس؟! ليبقَ السؤال قائمًا: هل حقًا القدس مدينة الأمة، وقبلة المسلمين الأولى أم أنّها للفلسطيني وحده؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد