قال سبحانه وتعالى: «سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)» الإسراء.

إن الله سبحانه وتعالى من خلال هذه الآية الكريمة من سورة الإسراء كأنه يريد للمسجد الأقصى أن يبقى حاضرًا دومًا في أذهان المسلمين وحتى غير المسلمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكأنه من خلال هذه الآية يقول لنا إن بيت المقدس هو جزء لا يتجزأ عن الوحي المنزل على خاتم الأنبياء، وكل من فرط في هذا البيت المبارك فقط فرط في آية من آي القرآن الحكيم، وكذلك نستنتج من ربطه في الآية بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى وكأنه يقول لنا إن من فرط في أحدهما فإنه يوشك أن يفرط في الآخر.

ثم إن في هذه الآية لطيفة جميلة تؤكد مثيلاتها اللاتي سبقنها وهي أن سورة الإسراء في مطلعها جاءت دالة ومبشرة بأنه سوف يتم بناء مسجد ثالث على غرار المسجد الحرام والمسجد الأقصى وهو المسجد النبوي الذي كان بعد ذلك اللبنة الأولى لقيامة الدولة الإسلامية وإشاعة نور الهداية في العالم، ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: «المسجد الأقصى» أي الأبعد وهي صيغة مقارنة بين مسجدين بالنسبة لمسجد وليس مسجدًا واحدًا بالنسبة لمسجد آخر والواقع اليوم يثبت ذلك، وبمقارنة مسافية بسيطة بين المسجد النبوي والمسجد الأقصى بالنسبة للمسجد الحرام سنقول إن المسجد الأقصى هو الأبعد عن المسجد الحرام بالنسبة للمسجد النبوي.

وتأتي هذه البشارة في أصعب مرحلة من مراحل الدعوة المحمدية في مرحلتها المدنية، بل تأتي في مرحلة كاد أن يشكك المؤمنون في نصر الله خاصة بعد الأزمة التي تعرض لها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الطائف وبلغت فيها القلوب الحناجر، لكن الله سبحانه وتعالى لا يترك عباده الصالحين المخلصين ودائمًا ما يخصهم بمبشرات وإرهاصات تذهب عنهم الحزن والهم وتكون بلسمًا على قلوبهم الطاهرة، ولا يقرأ هذه المبشرات قراءتها الصحيحة إلا النبه الفطن.

هذه كلها نفحات طيبة جادت بها الآية الكريمة، ناهيك عن البركة التي اختص بها المسجد الأقصى على غرار المساجد الأخرى، وقد توالت الآيات الكريمة لتؤكد على هذه البركة الطيبة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم:

أولها: الآية من سورة الإسراء التي كانت فاتحة المقال.

وثانيها: حين تحدث الله سبحانه وتعالى في قصة خليله إبراهيم عليه السلام، فقال: «وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)» الأنبياء.

وهذه الآية الكريمة تشير إلى عالمية البركة إذ إنها لا تقتصر على أهل القدس أو فلسطين بل تمتد إلى كافة أرجاء المعمورة، كما تجدر الإشارة هنا إلى أن سيدنا إبراهيم بهذه الآية تحول من «إنا سمعنا فتى يقال له إبراهيم» إلى «إني جاعلك للناس إمامًا» وهذا وكله ببركة بيت المقدس التي أودعها الله إياها.

وثالثها: في قصة موسى، حيث قال عن بني إسرائيل بعد إغراق فرعون وجنوده ليكون عبرة لمن يعتبر: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)» الأعراف.

ورابعها: في قصة سيدنا سليمان حين قال: «ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها (81)» الأنبياء.

وخامسها: في قصة سبأ، وكيف من الله عليهم بالأمن والرغد، فقال: «وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير، سيروا فيها ليالي وأيامًا آمنين (18)» سبأ.

وقد علق فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي على هذه الآية الأخيرة في كتابه «القدس قضية كل مسلم» فقال إن المقصود بالقرى في الآية هي قرى الشام وفلسطين، كما أورد فضيلته تفسيرًا لطيفًا للألوسي – في روح المعاني – يقول فيه: «المراد بالقرى التي بورك فيها: قرى الشام، لكثرة أشجارها وثمارها، والتوسعة على أهلها. وعن ابن عباس: هي قرى بيت المقدس، وقال ابن عطية: إن إجماع المفسرين عليه. انتهى.

ويضيف قائلًا: وقد ذهب عدد من المفسرين من علماء السلف والخلف في قوله تعالى «والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3)» إلى أن التين والزيتون يقصد بهما الأرض أو البلدة التي تنبت الزيتون، وهي بيت المقدس.

إضافة إلى هذه النصوص القرآنية جاءت السنة النبوية المطهرة لتؤكد مكانة بيت المقدس العظيمة في الإسلام في أحداث كثيرة أشهرها الحديث المتفق عليه الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة في غيره، ما عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي» وما كانت هذه الزيادة في الأجر إلا لبركته التي خصه الله بها.

وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا» متفق عليه.

وذلك لأنها محال ثلاثة ميزها الله واختصها على سائر المساجد الأخرى، وقد جاء الحديث بصيغة الحصر، فلا يجوز قياس غيرها عليها.

لقد تبين مما سبق أن القدس وبيت المقدس خاصة شكلتا فسيفساء باتت تعرف بأرض البركة والأنبياء، فضلًا عن كون المسجد الأقصى القبلة الأولى في حس المسلمين وفكرهم ودينهم، وفوق هذا شكلتا لوحة فنية أخرى جسدت معنى الرباط في سبيل الله والصمود في وجه الكفر والطغيان والاستبداد، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم، إلا ما أصابهم من لأواء (أي أذى) حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» قالوا: وأين هم يا رسول الله؟ قال: *بيت المقدس وأكناف بيت المقدس*».

واليوم وضوح المشهد الفلسطيني ينبئنا بما لا ريب فيه إن شاء الله، أن إخواننا في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) هم تجسيد لهذا الحديث الذي ذكرناه على أرض الواقع، بل إنهم يمثلون الصورة المثالية للجهاد الإسلامي الذي اندثرت وشوهت معالمه خاصة في وقتنا هذا مع انتشار الفصائل الإرهابية التي يراد من خلالها إكراه المسلمين خاصة والناس عامة في أي فصيل جهادي يدافع عن الإسلام ويعلي رايته مهما كانت صفته أو انتماءاته للأسف الشديد، وعليه فإنه يوم القول إن إخواننا في حماس هم لا يدافعون فقط عن فلسطين وغزة بل إنهم يدافعون عن الأمة الإسلامية جمعاء وينوبون عنها في تأدية فريضة الجهاد المعطلة، وليس ضد الصهاينة المحتلين فقط بل هم اليوم شوكة في حلق كل من يترصد الإسلام شرًا.

والمتمعن يرى أن الإسلام قد جاء ليؤكد للمشككين وللمخبتين وللمفترين وعلى رأسهم الصهاينة المحتلون أن القدس عربية خالصة ذات صبغة إسلامية ندية جسدها ذلك اللقاء الفريد من نوعه الذي أبان عن وحدة الديانة وأكد أن الدين عند الله الإسلام، الذي لم يماثله لقاء قبله ولا بعده إنه ذلك الاجتماع النبوي الذي جمع كافة الأنبياء والرسل من لدن آدم إلى الحبيب المصطفى خاتمهم وسيدهم. ولو لم يكن لهذا اللقاء أهميته الكبرى لأمكنه سبحانه وتعالى أن يكون المعراج مباشرة من مكة المكرمة ولا حاجة للإسراء لكن الحكمة الإلهية تأبى إلا ذلك.

ومنذ ذلك الحين أصبح للقدس طعم خاص ومكانة أسمى عند النبي صلى الله عليه وسلم وعند الصحب الكرام، ويظهر ذلك جليًا في استراتيجية النبي صلى الله عليه وسلم لفتح بيت المقدس إذ كان الفتح الأول من خلالها من نصيب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أشاع القدس للجميع بما فيهم اليهود بعدما كانوا مبعدين عنها تمامًا في ظل الاحتلال الروماني والبيزنطي، ثم يظهر ذلك جليًا من خلال استراتيجية صلاح الدين الأيوبي، وسأفرد لهاتين الاستراتيجيتين مقامًا خاصًا بهما لكن أكتفي بسرد موقفين لأبي بكر رضي الله عنه مع القدس وبيت المقدس يكشفان عن أهمية الأقصى الحقيقية في نفوس المسلمين يومها وخاصة الصحابة منهم، هذه الأهمية والقيمة التي مكنت لفتوحات عظيمة على الأرض لا مجرد شعارات تتردد هنا وهناك، ولقد دخل الصديق يومها إلى بيت المقدس فصلى ركعتين وخرج مباشرة دون أن يشرب منه، فسئل عن ذلك، فأجاب قائلًا: إني أحب أن تصيبني دعوة سليمان، وهو هنا يقصد حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «فلما فرغ سليمان من بيت المقدس – أي من بنائه مرة أخرى بعد سيدنا آدم الباني الأول لبيت المقدس –، سأل الله حكمًا يصادف حكمه وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وأن لا يأتي أحد إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا أخرجه الله من ذنوبه كما ولدته أمه».

وأجمل من هذا الرسالة التي بعث بها أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه حينما خرج إلى اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب، وبدأ بفتح رساتيق العراق (محافظات) في الجنوب، يقول له فيها: «إذا جاءك كتابي هذا فعجل لنجدة إخوانك في الشام فوالذي نفسي بيده لقرية من قرى بيت المقدس يفتحها الله عليك أحب إلي من رستاق عظيم من رساتيق العراق».

إنها والله لمواقف تنم على فهم عميق وتبعث على تضحية جسيمة ليس فقط في سبيل الأقصى، بل إنها حاضرة في كل ثغرة من ثغور الإسلام لكنها للأسف غابت هذه المواقف اليوم حينما غاب الفهم والوعي وباتت ثغورنا تبكي صلاحًا وعُمَرَ وأبا بكر فهل من مستجيب؟

ويحضرني موقف للإمام الشافعي حينما سئل عن سبب شد رحاله إلى بيت المقدس مع بداية العشر الأواخر من رمضان، فأجاب قائلًا: «أحب في تلك الليالي أن أكون في أرض الأنبياء».

لقد فهم هؤلاء الرعيل الطيب والرجال الأفذاذ مكانة بيت المقدس فقادهم هذا الفهم إلى صناعة الفتح العمري والفتح الصلاحي وغيرها من الفتوحات التي حفظت كرامة الأمة وعزوتها ومقدساتها وجعلتها بمفازة عن الأعداء الذين يترصدون بنا الدوائر، لكن اليوم هم جزء لا يتجزأ من ديارنا بل ينازعوننا هويتنا وتراثنا وحضارتنا ومقدساتنا حتى أصبحنا نعيش الذل والمهانة وأصبحنا نعيش بمنأى عن قضايانا المصيرية التي تجمعنا وتوحدنا وباتت قضية فلسطين وبيت المقدس لا تهمنا بله أن ننصرها، وهذا مرده ليس إلا إلى جاهلية أصابتنا وبات الخلاص منها قريبًا إن شاء الله.

لكن المقدسيين وكما هم دائمًا بعزمهم ورباطة جأشهم قد حققوا انتصارات كثيرة، كانت دائمًا ما توقظ الضمير العربي وتوحد الأمة وتعيد البوصلة إلى قضية القدس وفلسطين، وخاتم هذه الانتصارات هو وقوفهم في وجه الاحتلال الصهيوني في حادثة البوابات الإلكترونية حتى أزالها وهو صاغر.

وعليه فإنه لم يبقَ للشعوب الإسلامية والعربية خاصة مبرر للانكفاء على نفسها، بل إن الحجة قائمة والعطاء من ربنا جزيل والانزواء والتقوقع خيانة عاقبتها وخيمة، فالمدد المدد والمبادرة المبادرة والصمود الصمود، واليوم وبكل المعايير يمكننا القول إننا تجاوزنا مرحلة الدفاع عن الأقصى إلى خوض معركة التحرير، والإرهاصات قد أبانت عن نصر قريب تنزاح فيه أركان الطغيان وتبيد فيه جيوش الظلام.

وهذا لا يكون إلا بإعلان إسلامية المعركة فالقدس ليست مجرد شأن فلسطيني أو شأن عربي بل هي شأن إسلامي، وكما لا يجوز القول إن الكعبة هي شأن سعودي كذلك ينطبق القول على الأقصى.

وإن الحق لمنصور ولو بعد حين ومهما طال الزمن وكيف لا وقد قال الملك الجبار سبحانه وتعالى «وكان حقًّا علينا نصرُ المؤمنين».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

: سياسة, ثقافة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد