عادت موجة الشعارات والتظاهرات تجتاح مجتمعنا العربي ككل مرة تتعرض فيها فلسطين لذلك الظلم الصهيوني الغاشم والتواطؤ الأمريكي المعتاد، وكأن الزمن يعيد نفسه، أو كأنها اسطوانة من الزمن الجميل لا تكاد أن تتوقف منذ وعد بلفور المشئوم، اسطوانة تروي كيف أخذت منا القدس للمرة الألف، وكيف أن جراحنا لازالت تنزف لحد اليوم.

القدس لنا، والقدس عربية، عبارات وكلمات منمقة يعتمدها الكثيرون في الآونة الأخيرة فنعم فلسطين منبتنا ولها مستقبلنا ومصيرنا وللحديث بقية… لكن ألم تتساءل أيها العربي بعيدًا عن النفاق المجتمعي السياسي والإعلامي هل لقضيتنا حل؟ أم أنها مجرد أوهام وأساطير نتداولها؟ فما باليد حيلة أمام الخذلان الثقافي والعلمي، ثم الاجتماعي الذي نعيشه، بل نتيجة الانسياق والانقياد وراء ذلك الشبح الأمريكي، حتى وهو في قمة ضعفه بحاكمه البهلواني، ألهذه الدرجة نخاف كيانا مزعوما ساعد أسلافنا في صنعه وبث الروح فيه؟ هل حقيقة القدس ملكنا؟ أم قد تخلينا عنها منذ زمن مثلما تنازلنا عن الكثير من معالمنا التاريخية والاجتماعية، فما يحدث تحصيل حاصل لا غير؟

       يرى البعض ممن تشبع بفكر الأنظمة العربية، وتحت شعار جامعتها العشرينية، ممن باع القضية، أن السلام والجلوس إلي طاولة الحوار السبيل لنجاة، كل هذا تحت شعار الوحدة العالمية والتعايش الشرق الأوسطي، وكأن سلامهم العالمي لا يتحقق إلا عندما تكون القضية فلسطينية، فليس أطفالهم من يموتون، وليس نساءهم ممن يرملن أو كأن لفلسطين من غير حجارة شبابها المراهق ذلك النووي الذي يرهبون، ويرى الآخرون أن القضية جهادية، ولا يحق تسمية الأمور بغير مسمياتها، فلا توجد وسيلة أصدق وأحق منها، فما باليد حيلة، ولكن أين المفر؟ فإن كان الفلسطيني يثور، لم يزل أخوه الذي يدعي الاهتمام بالقضية يتخبط في مشاكله الدينية والعرقية، دون أن ننسى ذلك الذي يقتل شعبه، والذي ينوح على كرسي الخلود، فكيف نجعل من القدس قضيتنا الرئيسة؟

      وبالحديث عن النفاق العربي تتهافت إلينا تلك الأصوات التي تعتبر أن القضية بعيدة عنها ولا تهمها بالقدر الذي يظهر فيه الفلسطينيون خذلانهم لبعضهم البعض واختلاف توجهاتهم وأغراضهم السياسية، فهم ليسوا قدوة لغيرهم لدفع هذه القضية، وليتحجج غيرهم بأن مجتمعاتهم تعاني ما يكفيها من أزمات، فهم في غنى عن مشاكل روضة الأنبياء وأقدس أراضينا، متناسين أنها لب الحكاية والأصل فيها، بل ليتجرأ الكثيرون لاعتبار بني صهيون ودولتهم المزعومة أصحاب ود وطمأنينة جمعهم التاريخ، ثم المصالح الذهبية، وليعبر أخيرًا هذا وذاك بطريقة هزلية عن سخطه وثورته بتغيير صورته الشخصية الفيسبوكية، والحقيقة أن ليس في الأمر عيب، فليس لهذا الشعب العربي سوى ذلك العالم الافتراضي حيث لا قيود غير تلك الحدود الاستراتجية والحكومات منتهية الصلاحية.

        فهل للقضية باب بهية، أم أنها مجرد أبواب وهمية؟ من سيكترث للقضية بدهاء عمر بن الخطاب وشجاعة صلاح الدين الأيوبي، أو بحب ياسر عرفات الأبي، أين عزة جمال عبد الناصر وأخوه بومدين الثوري؟ ألسنا في حاجة لصدام القوي؟ أم ربما نحتاج فعلا لذلك الجنون القدافي؟ من ذاك الذي سيبعث في قضيتنا الأمل من جديد ليزيل غبار تكرار الأخطاء، وكأننا نتقدم في ذلك الحيز المغلق الذي يبتلع طموحاتنا وبشريتنا؛ حتى نسينا شراكتنا التارخية قبل المصيرية، ويا للأسف فتلك الأصوات الاستهجانية والمظاهرات تذهب كالعادة مهب الرياح أمام الحقيقة المؤلمة: إننا لن نجد للقضية الفلسطينية حلا في الوقت الراهن في ظل كل ما يعرفه وطننا الإسلامي والعربي، وفي ظل وجود استراتجية دولية جعلت من حكوماتنا أياد خادمة ومطيعة لها، ليس لقضيتنا حل في ظل عقلية الشعوب الخاملة ثقافيا واجتماعيا قبل جسديا، لن نجد حلا؛ ففلسطين قضية إلهية أبدية، وعدها وعد آخر الزمان، حيث لا مجال لخذلان الخرفان، ولكن لإنسانية الرجال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد