قضيت سنواتي الأولى وأنا مؤمنة بأن فلسطين حي صغير بجانب بيت جدتي، لم يخبرني أحد أن هذا الوطن يدعى الجزائر، والآخر يدعى فلسطين، حين دخلت المدرسة اختلط الأمر، عدت يومها للبيت أسأل ما فلسطين وما الجزائر؟ أجابني جدي يومها، هم وطن واحد، نمت في تلك الليلة وأنا أقر بداخل جسدي الصغير، وعقلي الناقص، أن إحداهما ذهبت للصلاة والثانية بقيت للدفاع عنها.

كبرت وعرفت أن الجنسية التي أحملها جزائرية، لكن القضية التي أدافع عنها فلسطينية، والحياة لم تمهلني الكثير للبحث أو الاكتشاف، فالأخبار لم تهدأ يوما عن الهطول، واسم فلسطين ظل الأكثر تداولا عبر العصور، بين قتل وسجن، تهجير وتفجير، تعذيب وتسميم، كنت ألمح كل يوم حدث جديد، يزيد إيماني أن العرب كلهم يسكنون فلسطين روحا لا أرضا، تعاطفا لا إقامة، فالذي لا يعرف القضية مرفوع عنه قلم العروبة إلى يوم الدين.

حملنا الكوفية دون أن نسأل لمن هذا الوشاح؟ يكفي أن تبدأ بالفاء حرفا، حتى تَلُف عنقك فرحا، غزت هواتفنا صورة القبة الذهبية التي تزين السماء دون أن نحذفها حتى لو اضطررنا إلى حذف صورنا القديمة، كل منا زار اسمه الأقصى ومازال يحتفظ بالذكرى ويفتخر بها بعد أن جاءته في شكل هدية، حين يود الباعة سرقتك في الأسواق تتعالى أصواتهم (زيتون فلسطيني)، بالرغم من أنك تعلم أنه محتال، وزيتونهم لن يصل، لكن الحنين يدفع بك للشراء والتصديق، ويصل الأمر بك إلى الحد في التذوق والإقرار، فلا عتب على محب سرقوا قلبه، فرأى في كل شبيه نبض فؤاده.

اليوم قالوا لنا إنها عاصمة إسرائيلية، أخبرونا ببيان وقرار والكل نيام، أن الأضواء ستنطفئ، والمآذن ستقلع، والآذان سيقطع، أخبرونا أن الباحة ستفرغ، والمسجد سيغلق في قلوبنا قبل وجوهنا، هكذا قالوا لنا دون أن ينتبه أحد للخراب الذي نزل فوق رؤوسنا، ودون أن يُجنبنا رجل واحد الذل الذي سنحمله في تاريخنا للقرون القادمة، نحن الجيل الذي سيكتب عنه، لقد باع القدس في حروبه عربية داخلية، ووقعوا على تسليمها تحت راية التنديد والشجب وتغير الصور ورفع صوت الهاشتاج، حتى كادت أن تتراجع أمريكا عن قرارها بعد أن طمأنها الأبناء الأعداء، وأخبروها أنه مجرد حراك إلكتروني لن يزحف إلى الشارع، فالإعاقة الصوتية تمنعهم من الصراخ.

علموا أبناءكم أن القدس عاصمة عربية، وحرضوهم على تقطيع القرارات الأمريكية في مقرراتهم المدرسية، أخبروهم أن الصهاينة مجرد طفل لقيط، أرضعته أمريكا، وحين كبر أراد أن يسرق لقبا ووطنا، فعبث بجغرافية الأرض وراح المارد يدمر حضارة عربية إسلامية عريقة، لم ننجح في الحفاظ عليها، قولوا لهم تخاذلنا وتقاتلنا ونسينا الأبواب مفتوحة؛ فدخل منها الصهاينة أفواجا أفواجا.

القدس عربية يا أحفادي، يسمونها أولى القبلتين، إياك أن تناديها أورشليم، وللأقصى خمسة عشر بابا، عشرة مفتوحة، والبقية مغلقة، فلا تجعلوهم يسرقون بابا واحدا من ذاكرتكم، أو يضيفون لها أخرى، بها مسجد القبة الصخرة، والمصلى القبلي، كنيسة القيامة، وحائط البراق، برج القلعة وطاحونة باب الخليل، بها مسجد القيمري وجامع المولولة، ومساجد أخرى بنيت، فاحذر أن تهدم، والمئذنة الفخرية، مئذنة باب الأسباط، ومئذنة باب الغوانمة، بها مدرسة السلطان حسن، ومدرسة الفارسية، مدرسة الأمينية، والمحدثية، والتنكزية، والقشتمرية، القدس زيتون وتين، آذان وأجراس، عكاز ومفتاح، فإياكم أن تتنصلوا منها بقرارات سياسية، ومباركة عربية قيادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك