مرهق أن تضطر لإعادة تعريف البديهيات في كل نقاش تمر به. أصبحنا نضطر في كل مرة لملاقاة فكر مشوه فلا هو يمين ولا هو يسار ولا هو حتى بالمنتصف. هو مزيج من هنا وهناك دون رابط قوي يدعمهم، كأن النقاش يتم مع عدة أشخاص داخل شخص واحد. إن نتيجة هذا التخبط الذي يصيب الفرد هو عدم قبول الفصيل القديم به وقلق الفصيل الآخر منه، فلا تتم الثقة الكاملة به ولا يأخذ مكانه بينهم. سبب ذلك التخبط يعود في الأغلب إلى أسلوب وسياسات الجهات الحاكمة.

في رقعة ما على وجه البسيطة تعلن الأنظمة الحاكمة أن ثمة كيانًا محتلًا لبلد شقيق هو العدو، وبطبيعة الحال يتم تخوين معارضي النظام في أي دولة واتهامهم بالعمالة والتخابر لصالح العدو، وربما يتفاقم الأمر ليصل إلى مواجهة غير عادلة بالسلاح في وجه المعارضين باسم الله والدين والحفاظ على الوطن. في حين إن نشب حريق داخل الكيان، فستجد الأنظمة ذاتها تتسابق لتمد يد العون، وكذلك لا يوجد مانع من تنسيق أمني وتصريحات من هنا وهناك تدل على مشاعر الود و«السلام الدافئ». إن التناقض في التصرفات يصل إلى ترك بلاد من المفترض أنها شقيقة تجمعهم نفس العادات والتقاليد تعاني دون مساعدة، ويتركون دولًا أجنبية تمرح كيفما تشاء داخلها ويزيد الأمر إلى إشادة البعض بالتدخل الأجنبي. أمّا إذا لجأ معارض إلى دولة أجنبية فهو خائن ومطالب بالتسليم وإن صرحت أي دولة بتصريح ينتقد سياسات الحكومات فيكون الرد برفض ذلك «التدخل الأجنبي». لا تستغرب وتتعجل في الحكم فأجهزة الإعلام النظامية لديها القدرة على إقناعك اليوم بشيء ثم في الغد ستقنعك بعكسه تمامًا. بهذا التتابع تكون الأنظمة قد أعطت لنفسها الحق المطلق في تحديد البديهيات والتلاعب بها حسب مصلحتها وأهوائها، فعدو الأمس هو صديق اليوم ولا مانع من فتور العلاقات والتقاذف بالتصريحات العدائية غدًا.

هذا يؤدي في النهاية إلى نشر اليأس باعتباره مناخًا عامًا لعناصر الفئات المعارضة والمتابعة للأحداث. فالمتابع سيجد أن المعظم يمر عليهم مواقف كهذه ويتفاعلون مع كل واحد منهم على حدة دون ربط أو توصيل للتسلسل، وهنا تكمن المشكلة فتكون النتيجة بانعزال المتابع عن الأغلبية حتى يصير غريبًا عن المجتمع الذي تسعى الأنظمة لتكوينه. إن العزلة التي يمكن أن تصيب المتابع ليست وليدة لحظة أو موقف معين، بل هي تراكمات فترة زمنية طويلة، فيتولد شعور داخلي بأنه لا يوجد سبيل لإيقاظ الأغلبية من غفلتها وتوعيتها بالإضافة أيضًا إلى تحول بعض الأفراد إلى الجهات الأخرى والانصهار داخل المجتمع الجديد وإحكام الأنظمة لقبضتها، فتعمل على عدم ترك مساحات لأي توجه لا يخدم مصالحها أو يكون خارج سيطرتها.

أخيرًا، نضطر مرة أخرى لإعادة تعريف بعض البديهيات، باعتبارها من المكونات الأساسية للسلوكيات، فمن البديهي أن أي تعاون مع العدو -أيًا كانت الجهة المتعاونة- هو خطأ إن لم يكن خيانة! ومن البديهي أيضًا أن دخول دائرة الإصلاح من الداخل دون سند أو ظهير يعني الخروج منه دون ثبات على مبدأ، بل من الممكن الإقرار بتشوه المبدأ الرئيس في حالات كهذه. كما أنه لا يمكن التفاوض بدون أوراق ضغط، وسياسة الند بالند، لا يمكن الإصلاح من الداخل بدون موقف قوة يدعم ووعي يتمحور حول أهمية القرارات المصيرية وقت الصدام، وبالتالي فإن الأمل في الإصلاح داخل منظومة مختارة بعناية معظم -إن لم يكن كل- عناصرها من قبل السلطة لا وجود له من الأساس. ومن البديهي أن أي شخص تراه السلطة الغاشمة مناسب لأهوائها يؤدي إلى إثارة الشكوك حوله، التي في الأغلب تتحول إلى يقين بأن ثمّة صفقة دارت في الغرف المغلقة.

على صعيد آخر إن لزم التعامل مع العدو داخل البلد المحتل، فلا بد من إعادة النظر في شأن الجهات الوطنية المؤسسة التي تتعامل مع العدو بشكل مباشر، لأن عشرات السنين من المفاوضات دون جدوى، لن تؤدي فقط إلى تدهور الحالة المتفاوض عليها بل إلى تحوير وتشوه بشأن تلك المؤسسات، فتنوب أحيانًا عن العدو في تأجيج الانقسامات والصراعات وربما تقوم بدوره في الاعتداء على المحتجين أحيانًا. النتيجة المحتومة هي الابتعاد عن الأهداف المعلنة ولا يمكن استبعاد دور العدو في زرع رجاله داخل الجهات الوطنية فتنقسم على ذاتها وتتفتت قواها ليواجه الشعب مصيره المظلم. فلا بد لجموع الشعب داخل الكيان المحتل عدم الاستسلام للأمر الواقع أو التراخي تحت أي ظرف وألا تحيد عن طريق الحق والنضال بسبب أذى أو عقوبة لأنه من البديهي أيضًا أن طريق الحق ليس مفروشًا بالورود وعليهم العمل على دفع المؤسسات للرجوع إلى الطريق الصحيح وإن لزم الأمر أحيانًا إلى إحلالها الكامل أو تأسيس كيانات موازية لها.

إن الباطل يظل باطلًا وإن تزين تارةً وتنكر تحت مسميات أخرى، تارةً أخرى والحق يبقى موجودًا وإن أصابته محنة، وتظل فئة قليلة تثبت في صفه وتتمسك به وتُناضل من أجله، تلك هي الأمل للأيام التالية في غد مشرق فيه ينتصر المظلوم لنفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس
عرض التعليقات
تحميل المزيد