مشهد اعتقال المرابطة في المسجد الأقصى المبارك المعلمة هنادي الحلواني قبل أيام من أحد المحال التجارية في شارع السلطان سليمان بمدينة القدس يعدُّ واحدًا من أكثر المشاهد قسوة وإحراقـًا للقلب ضمن مسلسل المشاهد التي لا تنتهي من اعتداء على المرابطات وتنكيل وسحل واعتقال، ورغم قِصِر مدة المقطع الذي انتشر بالأمس، إلا أنه يعكس صورة خطيرة ومرعبة لما وصلنا له في تفاعلنا وتجاوبنا مع ما يحصل في المدينة.

يتعامل الاحتلال مع المدينة بما فيها من معطيات وتطورات وتفاصيل بأسلوب يكاد يطابق أسلوب تفكير الخلية السرطانية.

تفكر خلية السرطان بدهاء بالغ، فهي تنمو وتتوغل في الجسم دون أية أعراض ملموسة أو ظاهرة بوضوح، ودون أن يلاحظها الجهاز المناعي، علاوة على استعبادها لعضيات الخلايا السليمة في الجسم لتؤدي الوظائف الحيوية، فتستمر في النمو بصمت مدة طويلة قبل أن تظهر بشكل مفاجئ في مراحل متقدمة جدًا يصعب غالبًا السيطرة عليها، و يستمر الوضع في التدهور بشكل متسارع إلى أن نصل إلى نقطة النهاية، لا يفعل الطب شيئًا في هذه الحالة، هو فقط يجعل المريض يكمل حياته بأقل قدر ممكن من الألم والمعاناة، لنقل إنه يساعده على الموت بهدوء!

وبهذا الأسلوب تمامًا يتعامل الاحتلال مع المدينة، حيث ينفذ مخططاته بهدوء دون أن يحدث صخبًا، فيعدم المدينة بتدرج صامت بارد، وهذا الأسلوب في خطورته وفتكه أشد من أي أسلوب آخر قد يؤدي إلى تفجر المواجهة بشكل قوي مستمر غير خاضع للسيطرة.

ويمكن ملاحظة هذا الأمر جليَّا من خلال تتبع إجراءات الاحتلال بحق المدينة على امتداد المسطرة الزمنية، منذ عام 1967 حيث احتلت المدينة بشطريها الشرقي والغربي وحتى  يومنا الحالي، ما سنجده هو أن الإجراءات تتصاعد بشكل مستمر فيما تتراجع حدة ردود أفعالنا مع الوقت استنادًا إلى حالة الاعتياد التي تفتك بنا.

وكما تستنزف خلية السرطان مكونات الخلايا السليمة في الجسم، فإن الاحتلال يستنزف بأسلوب استعبادي حقير طاقات الشباب المقدسيين من خلال استقطابهم تحت ضغوطات الحياة في القدس للعمل فيما يعرف في المجتمع اليهودي بالسوق السوداء، وهي الأعمال التي يرى فيها أفراد المجتمع اليهودي أنها أعمال دونية، لا يليق بهم كونهم من الساميين أن يعملوا فيها كالعمل في المطاعم والتنظيف، على سبيل الذكر لا الحصر.

وكنتيجة لهذا الاستقطاب يجد الشاب المقدسي نفسه في صراع مرير للحفاظ على هويته وعدم الانزلاق في مستنقع الضياع الذي راح ضحيته كثير من الشبان المقدسيين، إضافةً لمعركة الوجود التي يتوجب عليه أن يقاتل فيها بشراسة ليحافظ على بقائه في المدينة، محاولًا الإفلات من بين فكي الكماشة، إذ تغول الجمعيات الاستيطانية، ومحاولاتها الدؤوبة للسيطرة على العقارات والأراضي في المدينة من جهة ومن جهة أخرى إرهاق بلدية الاحتلال لكاهل هذا الشاب بكثرة ما يدفع من ضرائب، علاوة على غلاء المعيشة في القدس مقارنة مع الضفة الغربية على سبيل المثال.

تفجر الأحداث في المدينة يحدث صدىً بين الحين والآخر، وتحين منا التفاتة عاطفية لحظية سرعان ما تخفت شعلتها وتتلاشى من واجهة تفاعلنا اليومي مع الحياة وقضاياها لتتذيل القضية قائمة أولوياتنا .

هذا الانفعال اللحظي هو ذاته الانفعال الذي يصيبك لو اتصل بك أحدهم ليخبرك أن أحد أفراد أسرتك قد سقط مغشيًا عليه، ثم بمجرد أن يستعيد وعيه، ويبدو لك بكامل قواه ستهدأ وكأن شيئًا لم يكن، وقد لا يدور في ذهنك مطلقـًا أن هذا الإغماء قد يكون سببه ورم سرطاني مستشرٍ.

وبالطريقة نفسها، لا يبدو لمن يتابع قضية القدس بسطحية أن تفجر الأحداث له أسباب متراكمة، سيتصور أن الأمر لا يعدو كونه غضبًا لاعتقال مرابطة أو هدم بيت أو إعدام إنسان بدم بارد، وأن الغضب أو العمل وتركيز الانتباه على قضية القدس من الطبيعي جدًا أن يختفي من الواجهة بعد عدة أيام، والحقيقة أن ما يحصل هو تراكم لظلم ممتد منذ قرابة الـ70 عامًا أو يزيد.

السيناريو نفسه يتم تنفيذه فيما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك، والذي هو لبُّ الصراع وأصل القضية كاملة.

ابتدأت الأكذوبة في رأس هرتزل كحلم قبل ما يزيد على الـ100 عام ووجد الرجل بدهائه طريقه ليعرضها على اليهود في أصقاع العالم، فيؤمنوا بها ويعملوا لأجلها بكل إخلاص وإتقان وبتخطيط واضح وعمل دؤوب، ويطبقونها على الأرض ثم يروجونها للعالم باحتراف ومكر شديدين.

عقب احتلال الشطر الشرقي من القدس سيطرت شرطة الاحتلال على باب المغاربة بشكل كامل وطمست المعالم العربية الإسلامية لحارة المغاربة، بعدما هجرت جزءًا من أهلها وهدمت البيوت على رؤوس من تبقى فيها، وأقامت على أنقاضها كُنُسًا ومعاهد توراتية، وبعد أن كان الدخول إلى المسجد الأقصى المبارك في بدايات حركة الاقتحامات بحجة السياحة تحول إلى محاولات جادة لإثبات الأحقية في المكان وأداء الطقوس الدينية على اعتبار أنهم شركاء في المكان، فأصبح مع الوقت أمر أداء الصلوات التلمودية في الأقصى والطقوس التوراتية أمرًا اعتياديًا، وخبرًا عابرًا في شريط الأخبار، لا اكتراث له بأكثر من أن نضرب كفـًا بكف متحججين بأن لا حول لنا ولا قوة.

وعلاوة على ما نراه فوق الأرض، فإن ما تحت الأرض أكثر كارثية وفظاعة، فثمة مدينة كاملة من الأنفاق تمتد تحت القدس القديمة وصولًا إلى سلوان جنوب المسجد الأقصى المبارك في محاولة لإحياء ما يعرف بالمدينة التوراتية، ويقوم على هذه المدينة كبار علماء الآثار الصهاينة وتعمل معهم طواقم كاملة بتفانٍ حقيقي وجهد مكثف في ترويج هذه الأكذوبة للسياح الذين يرتادون المدينة.

كما بدأ الاحتلال منذ ما يزيد على عام كامل وبوضوح صارخ في تنفيذ مخططات التقسيم الزماني للمسجد تمهيدًا لتنفيذ مخطط التقسيم المكاني المُعد مسبقـًا، حيث أصبح باب المغاربة يفتح بشكل يومي عدا الجمعة ما بين الـ7:30 – 14:00 لتدخل منه مجموعات السياح واليهود المتدينين لأداء طقوسهم وصلواتهم ومباركة زواجهم أيضًا! وهذه الخطوة هي تمهيد لما يسعى له الاحتلال سعيًا حثيثـًا، لتنفيذ مخطط التقسيم المكاني، حيث إن سلطات الاحتلال تراقب المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى المبارك منذ 20 عامًا، وتقوم بتصوير هذه المنطقة المهملة من المسجد بشكل دوري، وتخطط لإقامة كنيس على الـ6 دونمات تلك، على أن يتم الدخول إليه من باب الرحمة، وهو أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك التي أغلقت بعد أحداث انتفاضة عام 2000.

وبمجرد التفات الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني لما يدور حول الأقصى من مؤامرات، بدأت التضييقات عليها تزداد، بإبعاد رموزها وقياداتها عن القدس والزج بهم في السجون إلى أن وصلت أخيرًا إلى حظر الحركة الإسلامية.

وباعتبار الرباط في المسجد الأقصى المبارك نقطة تحول واضحة حصلت على إثر تصعيد الاقتحامات، تصدت لها شرطة الاحتلال بكل ما أوتيت من قوة وقمع، فقامت باعتقال المرابطات وإبعادهن عن المسجد الأقصى لمدد متفاوتة إلى أن وصل بهن الحال اليوم إلى الإبعاد بغير سقف زماني، إضافةً إلى اقتحام بيوتهن ليلًا واستدعائهن للتحقيق بشكل دوري، وحرمانهن وعائلاتهن من التأمين الصحي، ومنعهن من السفر خارج البلاد.

وبالنظر إلى الجهد المكثف الذي يُبذل على صعيد التعبئة المجتمعية حول قضية الهيكل في الأوساط اليهودية الصهيونية حول العالم، نجد أن هناك 25 منظمة تعمل حول العالم في هذه الأوساط بشكل دوري ومنظم للغاية لأجل هيكل غير موجود، وأكذوبة مختلقة لا أساس لها، بينما ما زلنا نحن أصحاب الحق المُثبت والحقيقة الماثلة أمامنا نتعامل مع الأمر بعاطفة بالغة وردود أفعال مؤقتة غير ممنهجة ولا مخطط لها بأسلوب واضح ليواجه بنديَّة و قوَّة ما يروج له في العالم حول هذا الصراع .

ما يحب أن نتوقعه في ظل هكذا معطيات هو أن نصحو يومًا وقد وجدنا جزءًا من الأقصى قد تحول إلى كنيس يهودي، وستكون المأساة وقتها أن نفرغ غضبنا في مظاهرات أو مواجهات على نقاط التماس ثم نعود للانغماس في الحياة اليومية دون أن تكون هذه القضية حاضرة في تفاصيل الحياة كاملة، كما هي في الطرف المقابل.

لم نصل لما وصلنا له لأننا الأضعف، إنما هو حاجز رقيق يفصل بين حيز الحق والباطل يتلخص في الوعي والعمل والالتزام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس
عرض التعليقات
تحميل المزيد