لقد بات كوهين يُشكل حجرة عثر أمام مساعي هرتزل؟ كوهين؟ نعم هكذا عُرف السلطان عبد الحميد في خطابات هرتزل؛ الذي تمثلت رؤيته للسلطان في قوله: ماكرًا جدًا خبيثًا جدًا ولا يثق في أحد، وهي رؤية تتسق مع ما تبناه صموئيل مونتاجو أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني؛ إذ كان السلطان يُشكل مصدر قلق له.

                                                                   السلطان عبد الحميد الثاني

استمرت مساعي هرتزل الرامية لإثبات مدي قيمةاليهود ودورهم في خدمة الدولة العثمانية، وهو ما تزامن مع اندلاع الحرب بين الأخيرة واليونان عام 1897م، حيث سعى لجمع التبرعات للقوات العثمانية والتي بلغت ألف فرنك تُقدم للجرحى، تم إرسالها إلي هرتزل من قِبَل حاخام فرنسا صادوق خان (1839-1950م)، كما تقدمت جمعية كاديمه اليهودية والتي يعود تأسيسها لعام 1882م ؛ فهي أولى المنظمات الطلابية اليهودية التي اتخذت من فيينا مقرًا لها؛ تقدمت بعدد من طلاب الطب برئاسة (شالت) حيث تبرعوا لعلاج الجرحى من جنود الدولة العثمانية، لكن قلة التمويل الذي لم يتخط المائة جيلدر حال دون ذهابهم، وبالرغم من ذلك لم يتردد هرتزل في الاجتماع مع السفير العثماني في فيينا (محمود نديم) مُعلنًا إياه بجمع التبرعات للدولة العثمانية التي امتدح حيويتها، حيث أردف قائلًا: (…وهي البلد الذي سيرى أمجادًا عظيمة إذا ارتأى قبول الهجرة اليهودية)، كما توالت مراسلاته التي دار فحواها حول التبرعات اليهودية مع الدائرة المُقربة من السلطان عبد الحميد، حيث كان الصحافي سيدني ويتمان مراسل جريدة (النيويورك هرالد) في لندن من بينهم؛ لقربه من السلطان إلى جانب أحمد مدحت مدير تحرير الجريدة الرسمية والمطبعة الحكومية، الذي أكد على ضرورة أن يتجنب هرتزل استخدام كلمة (استقلال) خلال تواصله مع السلطان لما لها من دور في إقحام الدولة العثمانية في حروٍب عدة، وقد كانت الحركات الانفصالية التي شهدتها الدولة العلية والمُطالبة بالاستقلال خير مثال لذلك.

Painting of the Battle of Velestino, 1897 Greco-Turkish War

                                                                الحرب بين الدولة العثمانية واليونان 1897م

 فقد كان لدى هرتزل تخوف من انتصار الدولة العثمانية، إذ لابد من أن تُلم بها هزيمة مُضنية؛ لتصبح في حاجة ماسة للمساعدات اليهودية، لكن انتصار الدولة العثمانية في حربها عام 1897م بدد آمال هرتزل، حيث بات ما وصفه من تبرعات ودعم لا قيمة له، لكن ما حدث لم يُوقف مساعيه، فقد سعى لإصدار جريدة حملت عنوان (دي ولت) يونيو 1897م، كانت معنية بنشر الأنباء التي تخدم مصالح السلطان في محاولة لتكريس الصحافة اليهودية لخدمة الدولة العثمانية، وهو ما وجده هرتزل بداية سيعقبها الكثير من الخطوات حال منحهم فلسطين، وهو المعنى الذي حملته مراسلاته لسيدني ويتمان وكذلك أحمد مدحت؛ الذي طلب منه اطلاع السلطان بأمر الجريدة حيث قال: (… إني مقتنع تمامًا أن العمل اليهودي سيُسهم في معالجة تركيا، وتحريرها ماليًا… وإني أسمح لنفسي بإرسال جريدة (دي ولت) لك وهي الجريدة التي نريد أن نخدمكم بواسطتها، إني أضع هذة المؤسسة تحت تصرفكم، وبالطبع في شكل متحرر من أي مصلحة خاصة. وإني لأرجو أن يعلم جلالة السلطان بذلك). وهنا لابد للإشارة إلى أن الصحافة التي تحدث عنها هرتزل تحولت بعد ذلك أمام الرفض الحميدي تحولت لأداة ساهمت في تشويه حكم السلطان عبد الحميد، بل حكم الدولة العلية، وهو ما أكد عليه البرتوكول السابع والثاني عشر من بروتوكلات حُكماء صهيون، فكانت التعبئة ضد السلطان وسياساته، بل السخرية منه، حيث وُصف السلطان عبد الحميد بعدة مسميات منها (السلطان الأحمر، المستبد).

مضي هرتزل في طريقه؛ ففي أغسطس عام 1897م عُقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية، حيث شارك فيه 200 ممثل عن اليهود في أنحاء العالم كما حظي بتغطية إعلامية، حيث حضر جلسته الافتتاحية مراسلي 12 جريدة من مختلف أنحاء العالم. وهنا لابد من الإشارة إلى تكليف السلطان عبد الحميد لسفراء الدولة في عدد من الدول الأوروبية بتتبع النشاط الصهيوني كما تم إرسال مُخبرين عثمانيين شاركوا في الاجتماعات الصهيونية في أوروبا، وقد رُفع للسلطان تقارير بما تم جمعه من معلومات حول الحركة ونشاطها؛ مما جعله مُلمًا بطبيعة الحركة التي يواجهها.

The al Aqsa mosque, in Jerusalem, was finished in 691, making it one of the earliest Muslim monuments. It is today a national symbol for Palestinians. This picture is a century old.

وقد وصف هرتزل في مذكراته المؤتمر (في بازل اُسست الدولة اليهودية… ربما في خمس سنوات وبالتأكيد في خمسين سنة، سيعلم كل واحد بالأمر)، في إشارة للكيان المعنوي للدولة الذي وجده أهم من الكيان المادي المتمثل في الأرض (الدولة)، ارتكز برنامج الصهيونية علي تأسيس وطن محمي قانونيًا وعلنيًا لليهود غير القادرين على الاندماج في أماكن اقامتهم، هذا وقد تضمن المؤتمر الخُطة الاستيراتيجية التي على أثرها مضت الحركة الصهيونية من بعد هرتزل، ارتكز برنامج بازل علي تشجيع الاستعمار الاستيطاني في فلسطين عبر شراء الأراضي بسبل مناسبة للمزارعين والصناع اليهود، تأسيس منظمة عالمية تجمع اليهود كافة (Z.W.O)؛ تُمنح عضويتها لكل يهودي يلتزم ببرنامج المؤتمر، حيث قُدرت قيمة العضوية بشيكل واحد، وقد انتخب هرتزل رئيسًا لها، فقد كانت تهدف إلى دعم الشعور القومي لدي اليهود، وهنا لابد من الإشارة إلى حرص هرتزل على تأسيس البنك اليهودي (بنك المستعمرات اليهودي) الذي وجد فيه السبيل لإبراز وجودهم (الحركة الصهيونية)، إذ بات لزامًا على مؤسسات الاستعمار كافة استثمار أموالهم في هذا البنك الجديد، وقد تحدث عن مسألة البنك واصفًا إياه بصمام الأمن؛ الذي وجد أن تكوينه يتمثل في مساعدة أصحاب رؤوس الأموال، سواء كان بإرادتهم أو بالرغم منهم، وأردف قائلًا: (…إذا هم تخلوا عن الحركة الصهيونية، فسوف ينقلب عليهم وينتقم منهم.) هذا وقد نجح هرتزل في استمالة آل روتشيلد (من كبار أثرياء اليهود) إليه، فقد بات لزامًا عليهم تسليم مستعمراته لتتبع البنك اليهودي، كما سعى هرتزل لتأسيس وكالة صحفية تتخذ من لندن مقرًا لها، معنية بإمداد الصحف الغربية، خاصة الإنجليزية منها بأخبار الشرق، تُشكل أداة موجه للدولة العثمانية، سواء معها أو ضدها، وذكر: ستكون سيفًا من أجل سلامة الشعب أو ضده.

                                                                                 متصرفية القدس

سعى هرتزل للاتصال مجددًا بالسلطان عبد الحميد، وهو ما تزامن مع إصدار قوانين جديدة خاصة بالحد من هجرة اليهود إلى فلسطين عام 1898م، تضمنت منع اليهود من دخول فلسطين إلا بعد دفع التأمين والتعهد بمغادرة البلاد خلال 30 يومًا، وهو ما أفضي لاعتراض سفراء الدول الأوروبية وفي القلب منهم بريطانيا، التي كانت من أُولى الدول التي طُبقت عليها القوانين، حيث مُنع نائب القنصل البريطاني في أنطاكية من الدخول قبل تقديمه للتعهد المطلوب؛ لكونه يهوديًا، كما تضمنت القوانين مسألة تسجيل الأملاك، فقد تولى الاتحاد الإنجليزي-اليهودي عملية شراء الأملاك والأراضي داخل المدينة المقدسة، واستمرارًا للمناورة والخداع التي سيطرة علي الدبلوماسية البريطانية خلال هذة المرحلة، فقد دعت السفارة البريطانية إلى التحايل على القوانين العثمانية المُتعلقة بالملكية، وذلك باستخدام أسماء أشخاص ليسوا يهودًا (بشكل صوري) تُقدم للسلطات العثمانية؛ مما يمكن اليهود من التملك في القدس دون أي معوقات، يُذكر أن القوانين لم تقتصر على القدس فحسب، بل شملت كافة أنحاء فلسطين؛ فقد شكل تسلل اليهود مصدر قلق ليس للسلطات فحسب، بل لشعبها الأبيًّ أيضًا، وهو ما يأتي مُتسقًا مع ما ذكره هرتزل في مذكراته حول ضرورة نزع الملكية الخاصة لأهل فلسطين بسرية وحذر شديد، هذا وقد رفض السلطان الرد على رسالة هرتزل أغسطس 1899م، والتي طالبه فيها بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين فنذكر: إغاثة إخوانهم التعساء في دول أوروبا المختلفة، وفي الإسهام في عظمة الإمبراطورية العثمانية وازدهارها…

وبدون يأس جدد هرتزل تواصله مع السلطان، لكن هذة المرة توجه بنفسه لمقابلته فكانت هي المرة الأولي التي يلتقيه مايو عام 1901م حيث زيارته الثالثة للعاصمة العثمانية، كانت مقابلته بصفته صُحفي نمساوي، وليس كزعيم للحركة الصهيونية، حيث التقى المستشرق فامبري قُبيل المقابلة، والذي بادر بتقديم النُصح له فقال: إياك أن تحدثه عن الصهيونية، إنها فانوس سحري، القدس مُقدسة لهؤلاء الناس مثل مكة، تم اللقاء الذي استمر لساعتين بحضور إبراهيم بك (مُترجمًا) وكبير الحاخامات موسى ليفي؛ إذ لم يختلف الحوار عن فحوي رسائل هرتزل السابقة من إظهار قدرته على تخليص الدولة العلية من شوكتها (الديون العثمانية) والقدرة على تقديم كافة الخدمات مع التزامه بعدم نشر أية تفاصيل عن لقائهم.

No automatic alt text available.

لكن اللقاء انتهى برفض السلطان لكل ما تقدم به هرتزل، كما ذكر أنه لو علم أن المقابلة ستدور عن فلسطين لقام بإلغائها علي الفور. كانت تلك هي المقابلة الأولى والأخيرة مع السلطان، لكنه تواصله مع الدائرة المحيطة بالسلطان لم تتوقف، فقد سعى لمقابلة السلطان مرة أخرى عام 1902م لكنه فشل، لكن نشاطه الدبلوماسي لا سيما في بريطانيا لم يتوقف، ومع استمرار الرفض السلطاني راود هرتزل فكرة فبراير 1904م تمثلت في الإعداد لسفينتين تُبحران إلى البسفور مهمتها قصف قصر يلدز؛ فإما أن يلوذ السلطان بالفرار فيعين خلفًا له يخضع للضغوط الصهيونية، أو أن يُقتل وينتهي أمره؛ وبالتالي يُصبح الميدان مُتاحًا للمطامع الصهيونية بأن ترى النور، لكنه سرعان ما تراجع عن الفكرة؛ إذ ربما تُفضي لمذبحة كبرى تقضي على الأخضر واليابس.

Yıldız- Sarayı-1896 / İstanbul

                                                                                   قصر يلدز

كان ثمن الرفض العثماني هو الحكم على السلطان عبد الحميد الثاني، بل تاريخ الدولة العثمانية بالفناء، حيث حملات التشويه والتضليل ونشر الأكاذيب، وبالرغم من النجاح المؤقت الذي تمثل في خلع السلطان عبد الحميد، ذلك الحدث الذي شكل بداية الانتقام من رفضه للبيع، حيث كانت جماعة (الاتحاد والترقي) هي السبيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1)أنيس صايغ ، يوميات هرتزل ، ت.هلدا شعبان ،(بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1968م).
2)حسان حلاق ، دور اليهود والقوي الدولية في خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش(1908- 1909م) ، (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر ، (د.ت) ) .
3)هيلة بنت سعد السليمي ، دور اليهود في إسقاط الدولة العثمانية،(جامعة أم القري،2010م).
4)رفيق شاكر ،السلطان عبدالحميد وفلسطين ،(بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1991م) .
5)مصطفي أرمغان ،السلطان عبد الحميد والرقص مع الذئاب ،ت.مصطفي حمزة ،(بيروت:الدار العربية للعلوم ناشرون ،2012م).
عرض التعليقات
تحميل المزيد