صادفت سنواتُ الصبا الأولى بحياتى أحداثًا جثامًا؛ فقدت شهدت اندلاع الانتفاضة، واستشهاد محمد الدرة، والشيخ أحمد ياسين، وبعدها بأسبوع الرنتيسي، خليفته؛ فاضطرت حركة حماس لجعل اسم قائدها سريًا. وأحداث 11 سبتمبر، وما أعقبها من حالة من الكراهية الشديدة للإسلام والمسلمين، ودخول قوات الأنجلو-أمريكان أفغانستان، وما ارتكبوه من ويلات. وغزو العراق، وسقوط بغداد، وسجون أبوغريب وغوانتانامو. حتى إنني لا أنسى ذلك التاريخ أبدًا 20 مارس 2003!

وإلى يومنا هذا لا أحب احتفالات عيد الأم؛ لأنها تذكرني بالتاريخ البغيض. إنه تاريخ غزو العراق، وإعدام صدام حسين يوم عيد الأضحى، واجتياح العدو الإسرائيلي لجنوب لبنان، كنت لازلت أختبر الحياة، ولكنى شعرت أنها نهاية العالم.

كنت أرى جورج بوش مجرد رجل مخلول من اليمين الديني المتخلف، لديه بعض المعتقدات الدينية – عفوًا خرافات دينية – التي تقول له إن المسيح سيعود، ولكن لعودته شروط، على رأسها خراب الأرض، وتجمع اليهود بأرض الميعاد، فكان ذلك سببًا من أهم أسباب مهاجمته للعراق، ورغبته الملحة في اقتحام سوريا وإيران، وإشعال المنطقة، لولا المقاومة الباسلة بالعراق، ولولا خسائر الجيش الأمريكي الرهيبة، والتي سنتحدث عنها بأرقام محددة واردة في تقرير لـ(BBC).

الاقتصادي الأمريكي جوزيف ستيغليتز، الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد لعام 2001، وليندا جي بيلميز، كبيرة المحاضرين في شؤون السياسة العامة والتمويل والموازنات في جامعة هارفارد الأمريكية، يعتقدان أن تكون الكلفة الحقيقية لحرب العراق قد بلغت ثلاثة تريليونات مليار دولار، وذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار الآثار الإضافية لتلك الحرب على الميزانية والاقتصاد الأمريكيين. وفقًا لآخر أرقام وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، فقدت الولايات المتحدة 4487 عنصرًا في العراق، بينما بلغ عدد الذين أُصيبوا جرَّاء العمليات 32000 شخص.

ولكن كل خسائرهم تلك، والتي دفعتهم لانتخاب باراك أوباما أول رئيس ملون لأمريكا، لا تساوي شيئًا مقابل خسائرنا؛ فقد سقط ما يقرب من المليون شهيد، تعرض الآلاف للتعذيب، اغتصبت النساء أمام ذويهم وأطفالهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كان المناخ العام يدفعك للغضب وكراهية الهوان، والتساؤل: لماذا يدنسون المصحف في معتقلاتهم، ويلقونه في المرحاض؟ لماذا يشمون السجناء بالصليب؟ لماذا يعذب أحدهم سجينًا عراقيًا، ويقول له اشكر المسيح أنك لازلت حيًا؟ لماذا يقول هذا البوش اجعلوها حربًا صليبية؟

كان يجب أن تفعل شيئًا حتى لا تجن، فظهر الدعاة ومدربو التنمية البشرية يقولون لنا لا جدوى من الغضب والصراخ، كن إيجابيًا، ودورك ينحصر فى عدة نقاط:

1- الدعاء لإخواننا المستضعفين.

2- جمع التبرعات لهم.

3- مقاطعة منتجات الدول التي شاركت أمريكا في الغزو، بالإضافة للمنتجات الإسرائيلية والأمريكية.

وقد فعلت كل هذا، قدمت التبرع لهم في كل مؤسسة خيرية بمصر، قدمتها حتى على احتياجاتي الشخصية، توقفت عن شرب المياه الغازية، والشوكولاته المفضلة، وحتى والدتي أقنعتها بتغيير مسحوق غسيلها المفضل، وكنت ولازلت أبتهل إلى الله بالدعاء.

ولكن بعد أن أنهى جورج بوش حياته السياسية مضروبًا بحذاء منتظر الزيدي الصحافي العراقي الشيعي، وبعد الربيع العربي الذي ألخصه في تجمع مليون شاب أعزل وفتاة عزلاء، لا يحملون إلا الأمل والعدل، وعددهم الكبير الذي يجبر أعتى الجيوش على التوقف.

نعم صديقي، كم كانت تصريحات إسرائيل وقت الثورة تروق لي! كنت سعيدة من خروجهم في مظاهرات يقولون فيها إنهم مصرون على السلام مع مصر، نعم صديقي كانت مجرد دعوة من شباب أمل على الإنترنت، دعونا ننتفض الانتفاضة الثالثة، وكان يوم الأرض يقترب، 15 مايو، وصادف أنه يوم أحد، وقد اعتدنا أن يكون الانطلاق بعد صلاة الجمعة فحدد يوم الجمعة 13 مايو 2011 للتجمع بفلسطين؛ فقد حان وقت العودة، ولأول مرة بعد ثورة يناير تقع بمصر أحداث فتنة طائفية، وبعد أحداث إمبابة تحول اسم تلك الجمعة إلى الوحدة الوطنية، وبعدها رأيت مسؤولًا إسرائيليًا يقول: مرة أخرى يفشل العرب، ظننا أنهم سيأتون إلينا بالملايين، أتصدق صديقي أنهم كانوا يخشون من المليونية السلمية، وهم الجيش الذي لا يقهر!

منذ فترة لا تتعدى الثلاثة أعوام صدرت تقارير تؤكد أن الحرب على العراق كانت كذبة، ولابد أن يحاكم جورج بوش وتوني بلير كمجرمي حرب، وبدلًا عن أن يعتذر إلينا العالم، ويدفعون لنا تعويضات خرافية – ملحوظة دفعت ألمانيا الحديثة تعويضات باهظة لإسرائيل على ما فعل هتلر باليهود، والذي لا يقارن بما حدث في العراق – فوجئنا بالعالم يعتبرنا (داعش) التي ظهرت بالعراق، والتي هي بدورها تحت سلطتهم، ويحاسبنا على أفعالهم، وتنسب للإسلام، بالرغم من أن أغلب التقارير أشارت إلى أن الحرب المشئومة المتسبب الرئيس في ظهور داعش.

ظهرت حالة عبثية في الوطن العربي تقول: الربيع الصهيوني العربى سبب الخراب، موجة من جلد الذات والتمرد على الإسلام، والادعاء بأن الفقه الإسلامي حافل بالتحريض على العنف، موجة من فقدان الهوية، والقول: أنا أقف على مسافة واحدة من الجميع! وبالتالي إسرائيل ليست عدوًا. أنا لست مسلمًا متدينًا، وبالتالي لم تعد فلسطين قضيتي، تفاقم الصراع السني الشيعي، واستقواء كل طرف على الآخر بالغرب، والذي يعايرنا بأننا نقتل بعضنا البعض.

صديقي العزيز، بعد تصارع كل هذه الأفكار والأحداث وصلت إلى الآتي:

عاش اليهود تاريخا طويلا من الاضطهاد والظلم، أضمر لهم مسيحيو أوروبا العداء والاحتقار لأسباب تاريخية، وهي اعتبارهم قتلة للمسيح، ولأسباب حديثة، وهي اعتبارهم مصدرًا للشرور والفتن، على النقيض العالم الإسلامي، فعاش اليهود بشهادتهم في الدول الإسلامية بسلام، حتى إنه عند سقوط الأندلس تعرض اليهود والمسلمون لنفس الاضطهاد، وكان اليهود يفرون إلى المغرب العربى، ولكن بعض الحركات الصهيونية الحديثة تمكنت من التحالف مع المسيحيين المتشددين، وإقناعهم أن الهدف واحد، وهو قيام إسرائيل؛ حتى يعود المسيح.

لا تظن أننا متدينون نواجه مجتمعًا علمانيًا إنسانيًا، إننا بمواجهة عالم يميني متخلف متعصب يعيش رهن نبوءة دينية، (كاوبوى) يتبول على العالم بهمجيته وعنجهيته، أما نحن فلنا أن نفخر أننا لا نعرف الحقد الديني والتاريخي، وعليهم هم أن يراجعوا أفكارهم الدينية اليمينية المتخلفة.

هم الانتحاريون يقتلون أنفسهم ويقتلوننا معهم كما حدث فى العراق.

ثورة يناير وشبابها هم أمل هذه الأمة، بل هم أمل هذا العالم الذي يحتاج إلى منقذ ينقذه من تطرفه وهمجيته ورعونته، ما حدث من خراب لم يكن بسبب الربيع العربي، ولكن بسبب الثورات المضادة التي أنفقت الترليونات، وتحركت أجهزة مخابرات العالم لأجلها، وكان يساعدهم على الأرض الخونة من أبناء جلدتنا ففشلنا، فلو كان وعي الشعوب معنا لما تمكنوا منا، فمعركتنا القادمة معركة وعي.

الهوية أهم شيء في هذه الحياة، فإنك تنجح وتتقدم وتعرف معنى للحياة، بأن يكون لك حلم وهدف وعدو وقضية عادلة تعيش لأجلها، فتجدها وتجدك، وتكون سر قلبك وهويتك، ولا أعدل من القضية الفلسطينية، والتي هي قضيتنا بحكم التاريخ والجغرافيا، سنحملها ويحملها معنا كل محبى الحياة، فكل شيعي، مثل منتظر الزيدي معنا، كل كنيسة رفعت الأذان هي منا، كل يهودي تظاهر من أجل فلسطين نحن معه، كل إنسان اختار العدل مهما كان عرقه هو معنا، كراهية الآخر والحقد الديني بضاعتهم، ولن نقبل أن يصدروها إلينا.

وتبقى القدس عاصمة أبدية لقلوبنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس
عرض التعليقات
تحميل المزيد