أنظمة البؤس والتخلف والتخاذل، هكذا يمكن أن نستهل حديثنا دائمًا حينما يتعلق الأمر بأنظمة وحكومات الدول العربية، التي لم تُسجل صفحات التاريخ أكثر من مواقفهم المخزية وخياناتهم السرية والعلنية، والتي لم تتوان عن إثبات تلك الحقيقة لنا في كل مناسبة وحدث، فلن تجد في التاريخ الحديث اعتداء من دولة غربية على أخرى عربية أو إسلامية، إلا وكان بدعم من جارتها العربية أو شقيقتها الإسلامية الأخرى، تارة بدعوى تحريرها من الظلم وتارة أخرى للحفاظ على الشرعية التي لا يُعرف كنهها على وجه التحديد.

وما كان إعلان الرئيس الأمريكي ترامب مؤخرًا باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، سوى نموذج جديد سوف يُسجله التاريخ على تلك الخيانات وعار جديد سيضاف إلى ما تحمله الشعوب العربية على أكتافها، وهي التي كُتب عليها الذل والهوان في حقبة العصور المظلمة التي يغرق بها الشرق الأوسط، والتي لم يتضح إن كان سيعقبها عصر للنهضة أم ستقبع تحت وطأة تلك الظلمات طويلًا.

فلم يكن تصريح ترامب ووعده المشؤوم صادمًا لحُكّام الدول العربية بكل تأكيد، لكنه كان بمثابة الصفعة للأمة الإسلامية عامة والعربية خاصة، والتي لم تتلقها من ترامب بقدر ما كانت موجهة إليها من حكوماتها المتواطئة، التي غضت النظر لسنوات عن الإبادة العرقية البطيئة للفلسطينيين، وسمحت بتدنيس الأقصى ثالث الحرمين الشريفين وانتهاك قدسيته، لتتنازل عن القدس كافة في نهاية المطاف، فلا يكاد يخفى على القاصي أو الداني أن جرأة ترامب وإقدامه على تلك الخطوة التي لم يجرؤ عليها سابقوه كانت مستمدة من حلفائه العرب، بالتنسيق المسبق معهم وعلى رأسهم مصر والسعودية والإمارات وهو الظن الذي ما لبث أن تحول إلى يقين بتأكيد القناة الاسرائيلية العاشرة له أثناء احتفالهم بإنجازهم التاريخي بعد تصريح ترامب مباشرة، ولم تخرج أي بيانات رسمية مصرية أو سعودية لتنفي الأمر أو حتى لتلملم ما بقي لهم من كرامة أمام شعوبهم، واكتفوا فقط بالشجب والاستنكار والترهات العربية المعتادة، والخطب العصماء في جامعة الدول التي هي أقصى ما يمكن أن يصدر عنهم.

وعلى الرغم من إدانة الدول العربية كافة في التخاذل أمام قضية القدس، إلا أن الغضب العارم الذي اتقد منذ اللحظة الأولى لتصريح ترامب واجتاح مواقع التواصل الاجتماعي كان موجهًا بشكل ملحوظ للنظام السعودي الذي اتهمه الكثيرون بالخيانة ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية، كما اعتبروه المسؤول الأول عن القرار الأمريكي بتقديمهم القدس قربانًا لإسرائيل لاسترضائها وكسب ودها بعد تصريحاتها المتكررة حول استعدادها للتعاون مع الدول العربية للقضاء على إيران العدو المشترك على حد تعبيرهم.

وبالنظر إلى ما سبق تصريح ترامب ومراقبة ما جرى من أحداث أثارت الجدل بين الرأي العام العربي على مدار الأشهر المنصرمة، والتي كانت تشير في مجملها إلى التقارب الملحوظ بين السعودية وإسرائيل والمحاولات الناعمة للتطبيع، وردود الفعل الرسمية التي لا تنفي تلك العلاقة رغم المواقف الصارمة للمملكة سابقًا وتصريحاتها في كل حدث وذكرى سنوية حول أهمية القدس ومدى دعمها للقضية الفلسطينية ضد الاحتلال.

فإن ذلك الغضب والاتهامات التي وجهت للمملكة لم تكن وليدة اللحظة، أو نتيجة حملات مدفوعة من قطر وإيران لتشويه سمعة السعودية وإثارة الفتن كما يدعي المدافعون، وإنما كانت نتيجة شكوك أحاطت علاقة الدولتين منذ فترة، حتى تأكدت حقيقتها في النهاية بالتنازل عن القدس علنًا دون رد فعل قوي من دولة أرادت زعامة العالم العربي والإسلامي، وتحديد مصيره، وتصدرت المشهد في الشرق الأوسط لسنوات مضت من خلال محاولتها حل نزاعات دول الجوار كما تُعلن، أو بمعنى أدق محاربتها لإيران على أراضي تلك الدول كما هو معروف، بالإضافة إلى قيمتها الإسلامية لاحتضانها الحرمين الشريفين وبالتالي كان من البديهي توجيه اللوم الأكبر لها بعد التماس ذلك التغير في توجهها.

وقد بدأت ملامح تلك العلاقة بالظهور للعلن من خلال قمة الرياض (أو قمة ابنة ترامب)، حيث الدعم العلني لقوة ترامب وسطوته على العالم برشوة تجاوزت 400 مليار دولار، مقابل صفقة جديدة ظهرت نتائجها مباشرة بإعلان حركة حماس إرهابية في مغازلة واضحة وصريحة لإسرائيل، وهو ما أعقبه في سبتمبر الماضي تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن: (دولاً عربية هامة لم تعد تعتبر إسرائيل عدوًا، وأن العلاقات مع الدول العربية تسجل رقمًا قياسيًا غير مسبوق في تاريخ العلاقات، وأنه وعلى الرغم من أن ما يجري من تعاون لم يصل بعد للحظة العلنية إلا أن ما يجري من تحت الطاولة يفوق كل ما حدث وجرى في التاريخ)، لتُعلن إذاعة صوت إسرائيل بعد يوم واحد من ذلك التصريح، أن أميرًا سعوديًا زار تل أبيب سرًا لبحث فكرة دفع عملية السلام الإقليمي إلى الأمام.

ومن ثم كان بعد ذلك الترويج للتطبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتكتمل الصورة من خلال الجيوش الإلكترونية للنظام، بهدف التدرج في تهيئة الرأي العام وصياغة مبررات واقعية وشرعية تجعل التطبيع مقبولاً شعبيًا، من خلال الشحن السلبي ضد القضية الفلسطينية، وإحياء النغمة التي يُروج لها كل حاكم قبيل اتخاذه قرارًا يضر بالقضية، بأن الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم لليهود ولا تعاطف معهم، بالإضافة إلى التقليل من شأن القدس الشريف ومحاولة حصره واعتباره شأنًا فلسطينيًا وليس شأنًا عامًا يخص كل عربي ومسلم.

وأبرز أساليب الترويج تلك كانت انتشار وسم (هاشتاج) عبر تويتر (# سعوديين_مع_التطبيع) وتبعه (#الرياض_أهم_من_القدس) وآخر (#الكدس_ليست_كضيتنا)، أيد فيه العديد من المغردين فكرة التطبيع مع إسرائيل وإعلاء مصلحة الوطن على أي قضايا إقليمية أخرى، بالإضافة إلى المقارنة بين إيران وإسرائيل، حيث يرى الكثيرون منهم أن إيران أشد خطرًا عليهم من إسرائيل التي لم تؤذهم بشكل مباشر وضرورة التحالف معها للتصدي للمد الإيراني، كما اتهم آخرون الشعب الفلسطيني بالغدر رغم ما قدمته لهم المملكة من مساعدات، وكان محتوى الهاشتاجات الثلاث كافيًا ليُعبر عن الكثير مما تحمله قلوب البعض، وإدراك أن الهدف الذي أطلق من أجله قد تحقق.

ولم يقتصر التغريد عبر الهاشتاج على بعض المواطنين، وإنما عبر العديد من الشخصيات العامة والأذرع الإعلامية عن آرائهم المؤيدة للتطبيع، كان أبرزهم الإعلامي (أحمد العرفج) الذي قال: (أنا لا أحمل لليهود أي كره، ولاأشعر بأي تعاطف مع الفلسطينيين)، والكاتب (محمد آل الشيخ) الذي قال: (قضية فلسطين ليست قضيتنا، وإذا أتاكم متأسلم متمكيج يدعو للجهاد فابصقوا في وجهه)، و(أحمد بن سعيد القرني) كاتب سعودي غرد قائلاً: (اليهود يكنون لنا الاحترام، ولم يعتدوا علينا، أو يفجروا في بلدنا وأدعو الملك إلى فتح سفارة لهم وتمثيل دبلوماسي عالِ) وقال (سعد ناصر الحسين) أكاديمي سعودي: (القدس ليست قضيتنا، التاريخ يقول أن الفلسطينيين هم من باعوا أرضهم)، وقالت الناشطة (سعاد الشمري): ( 60 عامًا أشغلتنا الحكومات العربية بالقومية المزيفة وعداء إسرائيل، آن الأوان لنجرب التعايش بسلام).

وفي المقابل أطلق المناهضون للتطبيع هاشتاج (#سعوديون_ضد_ التطبيع) لإعلان تأييدهم للقضية الفلسطينية وفضح المروجين للتطبيع كونهم لا يمثلون جميع أفراد المجتمع السعودي، لكن وبالتزامن مع تلك الحملة تفاجأ الجميع بزيارة صادمة لسائح ومدون إسرائيلي، نشر عبر حسابه في الإنستجرام صورًا ومقاطع فيديو له داخل الحرم النبوي في المدينة المنورة، والذي يُمنع دخوله على غير المسلمين، ليمر الأمر مرور الكرام أيضًا دون تصريحات رسمية تفسر ما حدث سوى اختفاء صفحة ذلك السائح في اليوم التالي، والذي أكد في لقاء له علم أصدقائه الذين استقبلوه في السعودية بهويته، ليحتل بعد عدة أيام فيديو لوزير الخارجية عادل الجبير وهو يرفض التصريح لقناة تلفزيونية إسرائيلية، وهو ما يمكن اعتباره رد الفعل الوحيد الذي صدر عن ممثل للدولة فيما يخص اتهامات التطبيع.

لتكون المحصلة من ذلك، أن مع إعلان المملكة سابقًا رفضها الإقدام على التطبيع قبل حل القضية الفلسطينية، وربط ذلك بما يُشاع عن علاقة الدولتين خلف الكواليس، فإن ذلك يشير بالتالي إلى أن احتمالية التطبيع ليست مستحيلة من الأساس كما يدعي البعض، وإنما باتت قابلة للتفاوض ومقرونة بشروط ستحرص المملكة بالتأكيد على أن تصب في صالحها، وبتحقق تلك الشروط سوف يتحقق التطبيع بين البلدين، وبالتالي مع ما هو ملحوظ من ممارسات تمهيدية للمجتمع السعودي والعربي لتلك الخطوة، وعمليات جس النبض المتزايدة خلال الفترة الماضية، والتغيرات المثيرة التي تشهدها المنطقة بالقيادة السعودية الأمريكية، فإن ذلك يُنذر بأن العلاقة مع إسرائيل والتي ينتج عنها تأجيج الحرب على إيران ستكون هي محور التغيير القادم.

وفي إطار ذلك يكون التوصل إلى اتفاقية سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بات أقرب من أي وقت مضى، حيث يشير بعض المراقبون إلى أن إعلان تلك الاتفاقية سيكون في النصف الأول من العام المقبل (2018)، ولكن مع سعي المملكة لتسريع عملية التحالف مع إسرائيل لاتخاذ خطوات فعالة ضد إيران هل ستراعي تلك الاتفاقية حقوق الفلسطينيين وتلبي جميع متطلباتهم وشروطهم للسلام كما هي أم ستصب بشكل أكبر في الصالح الإسرائيلي؟ وبالتحديد بعد ما أشيع عن ضغوطات تمارسها السعودية على عباس لقبول الشروط الواردة بالخطة الأمريكية، والتي من بينها مقترحات تشمل جعل بلدة أبوديس الواقعة في ضواحي القدس عاصمة لفلسطين بدلًا من شرق القدس كلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد