لم ينتب هرتزل أدنى شك في صعوبة تأسيس دولة يهودية في فلسطين؛ فالطريق لم يكن مُعبدًا أمامه، بل يكاد يكون دربًا من الخيال؛ لكن في ظل اتباعه أساليب أخرى قد يتبدل الوضع، خاصة عندما تتوفر له الحاضنة الأوروبية «الاستعمارية»، التي وجدها أداة حماية لدولته خلال مرحلة تأسيسها وما بعدها، وبالمقابل ستتمكن الدول الاستعمارية من تحقيق مآربها تجاه الدولة العثمانية؛ فالهدف جعل فلسطين ممرًا استعماريًا إلى الشرق.

صورة ذات الصلة

تبلورت لديه فكرة إنهاء معاناة اليهود عقب تأثره البالغ بأحداث قضية دريفوس، التي دارت أحداثها في فرنسا، حيث تولى تغطيتها بموجب عمله مراسلًا صحفيًا لجريدة Neue-Freie-Presse، تلك القضية التي تعود إلى عام 1894؛ إذ قام ضابط فرنسي يهودي يُدعى دريفوس بنقل أسرار عسكرية فرنسية إلى دولة مُعادية لها، وهي ألمانيا آنذاك، وقد حُكم عليه بالسجن مدى الحياة في إحدى المستعمرات الفرنسية النائية، كما جُرد من رتبته العسكرية، وذلك بأحد ميادين باريس الكبرى، واستنادًا إلى حالة الشحن المُسبق داخل المجتمع الفرنسي جراء وقوف اليهود خلف عدد من الأزمات الاقتصادية، التي كان لها بالغ الأثر في المؤسسات الاقتصادية الفرنسية.

صور البحث عن الصور الضابط حالة ألفريد دريفوس نتيجة

الضابط ألفريد دريفوس

جاءت هذه القضية ليتعرض اليهود لهجوم حاد، أظهر تعاطيهم معه مدى تأثير المال والإعلام اليهودي في تغييب الحقائق، فقد نجحوا في خلق حالة من التشكيك في إجراءات التحقيق والادعاء بأن التهمة الموجهة إلى دريفوس ملفقة، كما طالبوا بإعادة محاكمته، وإزاء الضغط اليهودي أعيدت المحاكمة، إذ حصل دريفوس على البراءة وعلى وسام شرف، كما أعيد إلى الخدمة العسكرية؛ مما أفضى إلى استقالة وزير الدفاع الفرنسي احتجاجًا على ما حدث، فما حدث يتسق مع ما كان يتحدث به هرتزل حين قال: «في باريس تعلمت كيف يُدار العالم».

صور البحث عن الصور نتيجة للضابط القضية دريفوس

صورة محاكمة ألفريد دريفوس من صحيفة المادة بيتي لو جورنال

هذا وقد أفضى تأثر هرتزل بما حدث إلى إصدار كتابه الذي حمل عُنوان «الدولة اليهودية» عام 1896، والذي حظي بثناء رئيس الحكومة البريطانية جلادستون إذ وصفه بكونه شائق للغاية، ففي أعقاب فشله في إقناع أثرياء اليهود أمثال آل روتشيلد توجه نحو ما وصفهم بالشعب اليهودي المتمثل في جماعة أحباء صهيون، أحد أبرز الداعمين له. لقد أسس هرتزل للصهيونية العالمية التي دُمج فيها الفكر القومي بالدين اليهودي، عده البعض مؤسس عقد صهيوني بين الغرب والحركة الصهيونية؛ فهو ثمرة الوعي الإنساني العالمي «الغربي» وفق رؤية المفكر الصهيوني الروسي جيكوب كلاتزكين(1)، فهو يهودي غربي مُندمج لم يتبق من يهوديته سوى القشور «يهودي غير يهودي»، جاء بنظرة حديثة للمسألة اليهودية تمثلت في تحويلها إلى مسألة قومية غربية، تحلها القوى الكبرى في إطار النسق الغربي؛ مما يستدعي التخلي عن «الهجرة» التسلل وسيلة للاستيطان؛ فالهجرة عن طريق التسلل مهما بلغ تعدادها، لن تحظى باعتراف الحكومات المعنية «الدولة العثمانية»، التي تحت ضغط السكان الأصليين «أهل فلسطين» سوف يوضع حد لها؛ مما يجعل الهجرة التسللية لا طائل منها،  فيقول: «… إلا إذا كانت تأتي ضمن السلطة الممنوحة لنا «من الدول الغربية»»، ومن ثَمَّ فالاستيطان القومي هو السبيل إلى تأسيس دولة ذات سيادة .

بدأ هرتزل جولة أوروبية رمى من خلالها لحشد الدعم الغربي لمساعي الاستيطان في فلسطين، فقد كانت البداية مع ألمانيا؛ حيث نجح في تدبير موعٍد مع دوق بادن فريدريك الأول «مستشار الإمبراطور الألماني» عبر صديقه القس هكلر، وهو بطبيعة الحال ما سيوصله إلى الإمبراطور، تمت المقابلة عام 1896م فقد سعى هرتزل إلى إقناع الدوق بمشروعه، لكن الجزء الأبرز في حواره تمثل في سؤال الدوق لهرتزل حيال ما سيقوم به تجاه السلطان، وهنا أوضح هرتزل مدى منافع هجرة اليهود إلى الشرق، وتحدث عن تقسيم الدولة العثمانية وكيف ستصبح الدولة الحاجزة المزمع تأسيسها في فلسطين دولة حماية لتركيا، التي ستحظى بالدعم المادي حال تنازل سلطانها عن قطعة الأرض التي وصفها بعديمة القيمة بالنسبة إليه، كما أبدى رفضه التام لفكرة إثارة القضية عقب تسلل مئات الآلاف من اليهود إلى فلسطين مُعللًا ذلك برغبته في أن يكون عمله قانونيًا، هذا وقد أعلن الدوق موافقته وتحدث عن حجم الاستفادة البريطانية من تلك الدولة الحاجزة؛ التي ستنهي وفق رؤيته المسألة المصرية، إذ كان احتلالها لتأمين الطريق لدرة مستعمرات التاج البريطاني وهي الهند.

ظهر هرتزل في حديثه مع الدوق بالمخلص الأمين لألمانيا لكنه سارع بالتواصل مع دول أخرى كبريطانيا والنمسا وروما يعرض خدماته على كل منهم، ومؤكدًا أيضًا على مدى عظم الفوائد العائدة على مُتبني هذا المشروع. وهنا يجدر الإشارة إلى أن مصطلح الدولة الحاجزة Buffer-State كان أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت بريطانيا إلى كبح جماح مُحمد علي الذي سعى إلى تكوين وحدة إقليمية تربط بين مصر والشام، ولمنع ذلك لا بد من زرع قوة مختلفة تسيطر على الجسر الرابط بين مصر والشام هذا الجسر تمثله فلسطين؛ مما يجعل من الدعم البريطاني لليهود «الدولة الحاجزة» ضرورة حتمية خدمة لمصالحها في المقام الأول، كما سيقطع الطريق على أي وحدة مستقبلية، تلك هي رؤية البارون روتشيلد تجاه اليهود ودورهم في «مارس (آذار) 1840».

لم تكن محاولات هرتزل سوى خُطوات تمهيدية في أوروبا لبدء التواصل مع السلطان عبد الحميد، إذ كانت الرشوة هي سبيله الأمثل الذي نفذ من خلاله، كانت بدايته مع رئيس تحرير جريدة «البريد العثماني» الصحفي اليهودي زارني روزنفليد في القسطنطينية، فقد أكد له على جزل العطاء لمن يتوسط لهم «أي اليهود»، مؤكدًا له على تمسكه الكامل بفلسطين بلدًا مستقلًا، فالهدف هو الحصول على الأرض في إطار القانون المدني، وبالمقابل يُسوى الوضع المالي المتردي للدولة العثمانية، انتهت المقابلة على وعٍد بتأمين مقابلة مع السلطان عبد الحميد؛ الذي لم يدخر هرتزل جهدًا من أجل مقابلته إذ توجه نحو إسطنبول.

كانت زيارته هي الأولى حيث التقى بجاويد بك ابن الصدر الأعظم خليل رفعت باشا «رئيس الوزراء» يونيو (حزيران) 1896، ودار الحديث حول مصير الأماكن المقدسة وماهية العلاقة التي ستكون بين «الدولة اليهودية» والدولة العثمانية، وكان رد هرتزل أن تتبعها بشكل ظاهري على غرار الوضع القائم في مصر، التي كانت تحتلها بريطانيا، وكانت تتبع الدولة العثمانية تبعية اسمية فحسب، لكنها ظلت مُؤرقة لسلطات الاحتلال؛ لذا كان فرض الحماية على مصر عام 1914م باكورة أعمالها مع انطلاق شرارة الحرب الكبرى (1914- 1918). نجح جاويد بك في تأمين مُقابلة لهرتزل مع والده الصدر الأعظم كما التقى بأحد رجال نظارة الخارجية نوري بك في19 يونيو 1896م، وقد تعهد هرتزل بتحرير الدولة العثمانية من بعثة حماية الديون، وأردف قائلًا: «… إننا المشترون الوحيدون، ومشترون بأسعار مرتفعة».

قد تحتوي على صورة: 2 الناس، واللحية

لم يكن جاويد بك الأخير على قائمة هرتزل، فقد تواصل مع الصحفي النمساوي «اليهودي» نيولينسكي من أصدقاء السلطان عبد الحميد، وكان قد اطلع على مطالب هرتزل وقام بعرضها على السلطان الذي رفض وأكد على عدم تخليه عن القدس، وقد أكد نيولينسكي لهرتزل أن المال لا يمثل شيئًا للسلطان، رُغم بلوغ العرض المالي مقابل التنازل عن فلسطين 20 مليون ليرة لكن دون جدوى؛ وقد تحدث نيولينسكي عن حواره مع السلطان فذكر قوله: «… لا أقدر أن أبيع ولو قدمًا واحدًا من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي. لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا. لقد حاربت كتيبتان من جيشنا في سوريا وفلسطين وقتل رجالنا الواحد بعد الآخر في بلفنة لأن أحدًا منهم لم يرضَ بالتسليم، وفضلوا أن يموتوا في ساحة القتال، ليحتفظ اليهود ببلايينهم، فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين بدون مقابل. إنما لن تُقسم إلا جُثثنا ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان». يُذكر أن بلفنة من المدن ذات الوقع الاستراتيجي المُطلة على ملتقى الطرق الرئيسة حيث جبال البلقان وبلغاريا ونهر الدانوب؛ شهدت أحد أبرز المعارك التي دُحر فيها الروس عام 1877 خلال الحرب الروسية– العثمانية.

أدرك هرتزل عدم جدوى زيارته ليغادر إسطنبول بعد مُضي 10 أيام فقط من وصوله، لكن محاولاته لمقابلة السلطان لم تتوقف؛ فقد تواصل هرتزل مع عدد من رجال الدولة العلية مُقدمًا عرضًا جديدًا تضمن 20 مليون جنيه إسترليني لا تُرد مُطلقًا؛ وإنما تُحسم من الضرائب التي تُفرض على اليهود القادمين إلى فلسطين، فتكون في السنة الأولى بمعدل ألف جنيه استرليني، ثم تصل إلى مليون جنيه وتتزايد كلما زادت أعداد المهاجرين إلى فلسطين، كما تحدث عن قدرته في إقناع أثرياء اليهود بإنشاء بنك تركي مقره القسطنطينية، تقتصر إدارته على المسلمين واليهود فحسب، يتولى تنظيم حسابات الدولة العثمانية على النسق الحديث، وهو ما سيبُرهن صدق دعواته حول منافع مجيء اليهود إلى الدولة العثمانية، لكن ما المقابل؟ فتح السبيل أمام الهجرة اليهودية دون قيد أو شرط بل تتولى الحكومة العثمانية دعمها بشتى السبل الممكنة، منح اليهود المهاجرين الاستقلال الذاتي وفق القانون الدولي أي حصولهم على «دستور، حكومة، إدارة عدل» بمعنى فلسطين دولة شبه مستقلة، وأمام الرفض العثماني كانت صدمة هرتزل الذي وصف الرفض بـ«الأمر السيئ لنا»، فقد فضل السلطان عبد الحميد القروض الأوروبية على الإغراءات المالية .

قد تحتوي على صورة: السماء والهواء الطلق

مُتصرفية القدس في القرن التاسع عشر

إن إقبال هرتزل على تقديم العروض المالية المُغرية جاء بعد إلمام كامل بطبيعة الوضع العثماني، فقد كان حريصًا على إبقاء الدولة العثمانية ضعيفة كي تجد في العروض المالية اليهودية الملاذ والخلاص من القروض الأوروبية، كذلك لا يمكن إغفال ما تحدث عنه هرتزل وعُرف بمخططه الإنعاشي للاقتصاد العثماني؛ الذي تمثل في إبرام عقد بين اليهود والدولة العثمانية حول فلسطين؛ مما يؤدي إلى تسوية الديون والقيام بكامل الإصلاحات دون أي تدخل أجنبي، واصفًا القروض الأوروبية بالحلول الوقتية فقط، وهو المعنى الذي حمله خطابه للسفير العثماني في فيينا «أكتوبر (تشرين الأول) 1896»، استمرت نشاطات هرتزل في أوروبا حيث استجاب لما طرحه عليه نيولينسكي حول البحث عن سبيل آخر يُظهر دور اليهود في خدمة السلطان لاسيما في القضايا المهمة، وبحكم قربه من السلطان طالب هرتزل بالتدخل بشأن المسألة الأرمنية؛ إذ نجح في التواصل مع رئيس حركة الأرمن «أفتيس نزار بك» المُقيم في لندن كما تواصل مع عدد من الساسة الإنجليز للتخفيف من حدة هذه الأزمة، لكن جهوده ذهبت أدراج الرياح، فقد كان هناك إصرار بريطاني على إثارة الأقليات ودعم الحركات الانفصالية في محاولة لتفتيت الدولة العالية من الداخل، لكن المسألة الأرمنية لم تكن الساحة الوحيدة لهرتزل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1)أنيس صايغ ، يوميات هرتزل ، ت.هلدا شعبان ،(بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر،1968م).
2)عبد الوهاب المسيري ، اليهود واليهودية والصهيونية ،(القاهرة:دار الشروق،1999م)، ج6.
3)حسان حلاق ، دور اليهود والقوي الدولية في خلع السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش(1908- 1909م) ، (بيروت: الدار الجامعية للطباعة والنشر ، (د.ت) ) .
4)هيلة بنت سعد السليمي ، دور اليهود في إسقاط الدولة العثمانية،(جامعة أم القري،2010م).
عرض التعليقات
تحميل المزيد