ربما تشاركني القول عزيزي القارئ أن إعلان دونالد ترامب بأن القدس عاصمة لإسرائيل لم يكن مفاجئًا أو قرارًا تم اتخاذه بشكل غير مدروس وغير محسوبة عواقبه جيدًا، إذ إن الإعلان سبقه تصريحات وتصرفات من ترامب خلال الفترة السابقة بل أثناء حملته الانتخابية العام الماضي التي كانت تشير إلى أنه سينحاز بشكل جائر إلى الطرف الإسرائيلي دون الطرف الفلسطيني.

ولعلك تتذكر معي عزيزي القارئ الزيارة «المباركة» التي قام بها ترامب إلى السعودية في مايو (أيار) الماضي حيث شارك القمم الثلاث، السعودية والخليجية والإسلامية في الرياض وأبرم خلالها صفقة بمئات المليارات وصفت بأنها صفقة القرن.

وبعدما لاقى حفاوة وترحابًا لم يجدهما من الجانب الإسرائيلي، انطلق إلى القدس المحتلة وهناك فرض اليهود عليه أن يرتدي القلنسوة اليهودية عند زيارته لحائط البراق، بينما ارتدت زوجته ملينا وابنته إيفانكا غطاء الرأس احترامًا وتقديرًا أثناء لقائهما البابا في الفاتيكان.

قبل الانتخابات الأمريكية العام الماضي، أطلق ترامب تصريحات نارية لم يأخذها البعض على محمل الجد حيث وعد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس حال فوزه في الانتخابات، ولذا دعم اللوبي الصهيوني حملة ترامب الرئاسية بل إن زوج ابنته اليهودي كوشنير كان له الأثر في دعم والد زوجته وحشد كل الدعم الدولي له.

رغم أنه قال أيضًا أثناء الحملة إن أحد الأهداف التي يصبو إلى تحقيقها حال وصوله للرئاسة هو «تحقيق السلام بين إسرائيل وجيرانها»، وهو لا يعتقد أن هذا يمكن أن يتحقق بتصنيف طرف بالخيِّر والآخر بالشرير.

الشهر الماضي أعلن ترامب أنه لن يجدد رخصة مكتب منظمة التحرير الفلسطينية إذا لم يدخل الطرفان في مفاوضات جادة لحل القضية، هو اتخذ الجمود الذي طال عملية السلام نتيجة لأسباب عديدة من جانب الاحتلال الإسرائيلي مبررًا لغلق المكتب.

في أعقاب ذلك أبلغت الخارجية الأمريكية السلطة الفلسطينية بأنها لا تنوي التوقيع على إذن السماح لمكتب التمثيل في واشنطن بمواصلة عمله ما لم تستأنف المفاوضات السلمية مع إسرائيل وتتوقف السلطة عن ملاحقة مسؤولين إسرائيليين لمقاضاتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية.

خطوة غير مسبوقة اتخذتها الإدارة الأمريكية تجاه عملية السلام والقضية الفلسطينية مستغلة في ذلك الضعف العربي والإسلامي والصراعات التي تعصف بالمنطقة، وأضحت إسرائيل هي الرابح الوحيد لما يحدث في المنطقة، الأمر تعدى حتى طموحات الكيان الصهيوني إذ حصل على ما يتمناه دون مجهود ودون تعب، إذ أهدته الولايات المتحدة مكسبًا كبيرًا بهذه الخطوة المشؤومة.

رؤساء الدول العربية والإسلامية وقادة دوليون أصدروا تحذيرات كثيرة على مدى الأيام السابقة موجهة إلى الإدارة الأمريكية، محذرين من مغبة تداعيات خطيرة على عملية السلام في المنطقة وأن هذه الخطوة من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من العنف.

كل هذه التحذيرات لم تلتفت إليها الإدارة الأمريكية، لأنها ترى أنها مجرد حبر على ورق سرعان ما تتلاشى أحرف كلماته وربما تمحى كلية في الاجتماعات المغلقة، أمريكا وإسرائيل تعلمان جيدًا أن الموقف العربي بات ضعيفًا جدًا جدًا ولم يعد في مقدوره أن يتخذ أي خطوة جادة تساعد على دعم حقيقي للقضية الفلسطينية – التي دائمًا أسميها القضية العربية الأولى.

أرى أن المأرب من هذه الخطوة هو تقديم تنازلات أكثر من الشعب الفلسطيني على طاولة المفاوضات تتعلق بإسقاط مطلب أو ربما مطالب كانت متضمنة في القرارات الدولية السابقة منها التي تتعلق بحق العودة مثلًا أو عدم إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967.

التنازلات تتوالى كلما مرت الأيام فبعدما كان العرب والفلسطينيون يطالبون باسترداد كل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل، فقدت فلسطين أراضي كثيرة جدًا حتى أصبحت تمثل 18 في المئة من فلسطين.

بحسب تقرير فلسطيني رسمي صدر منذ سنتين، إسرائيل تسيطر على أكثر من 85% من أرض فلسطين التاريخية، وتواصل نهب المقوّمات الفلسطينية.

هناك سياسات من بعض الأنظمة العربية ساعدت ترامب والإسرائيليين على اتخاذ مثل هذه الخطوات منها حشد رأي عام في المنطقة لمحاربة الإرهاب والمتشددين الإسلاميين – وهذه ظاهرة موجودة فعلًا – وأن إيران هي العدو الحقيقي الذي يزعزع أمن المنطقة – لكن في نفس الإطار لم يتم ذكر إسرائيل على أنها السبب الحقيقي في كل ما يحدث في المنطقة من كوارث وأنها تمثل إرهابًا حقيقيًا لكل دول المنطقة وللشعب الفسطيني على وجه الخصوص، بالإضافة إلى عوامل أخرى لا يتسع المقام هنا لسردها ربما في مقال آخر.

قرار ترامب هو إعلان رسمي لإسرائيل بالقيام بتهويد القدس، ولا عزاء للعرب والمسلمين، لكن هل هذه الخطوات ستمر مرور الكرام على الشارع العربي؟ أعرف أن الإجابة قد تكون سلبية بسبب ما تمر به الشعوب العربية من تحديات جسام ومحن وفتن ومعارك ضارية في جميع أصقاع القطر، لكن ربما هذا يؤدي إلى توحيد القوى والضغط على رؤساء الدول العربية الذين يطبع بعضهم علاقات مع إسرائيل وربما لم يعترضوا على هذه الخطوة عندما عرضها عليهم ترامب خلال الفترة السابقة.

لكن الذي أنا على يقين منه هو أن معظم الشعوب العربية تؤمن إيمانًا قاطعًا بأن القدس من حق الشعب الفلسطيني، وهي عاصمته الأبدية وأن العدو الصهيوني هو العدو الأول لهم، هؤلاء الشعوب يعلمون أولادهم أن إسرائيل كيان مغتصب للأرض ومجرم وقاتل ولن يفلت من العقاب مهما طال الزمن، وستأتي أجيال عربية ومسلمة تعيد الحق لأصحابه.

لا ننسى هنا أن نذكر العدو الصهيوني أن الانتفاضات المباركة التي قام بها الشعب الفلسطيني على مدى عقود سابقة ولا يزال يفجرها، تبث الرعب في صدور الإسرائيليين المدججين بأعتى أنواع السلاح، فحادث غلق الأقصى أمام المصلين في يوليو الماضي خير دليل على ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد