تقدم هذه المقالات إطلالة عن حال القدس خلال عام 2018 من خلال استعراض أبرز مسارات التهويد التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وكشف تطوراتها ومآلاتها.

تناولنا في المقال السابق حال المسجد الأقصى خلال عام 2018، وما قامت به أذرع الاحتلال السياسية والأمنية من اقتحام للمسجد، واستهداف للمكونات البشرية وغيرها، وفي سياق الإجابة عن سؤال كيف كان حال القدس خلال عام 2018، سنتكمل بيان أبرز مشاريع الاحتلال خلال العام المنصرم.

ففي إطار استهداف المكون البشري الفلسطيني، تعمل سلطات الاحتلال على استهداف المسيحيين في القدس المحتلة، وتتعرض المقدسات والكنائس المسيحية لاعتداءات متصاعدة من قبل الاحتلال وأذرعه التهويديّة، وهو استهداف يحاول الاحتلال من خلاله إخضاع كنائس القدس ومرجعيتها المختلفة لسلطته، وقد استشعرت الطوائف المسيحيّة هذه الأخطار، فقامت بإغلاق كنيسة القيامة مدة ثلاثة أيام ما بين 25 و28 فبراير 2018، على أثر محاولة الاحتلال فرض ضرائب على أملاك الكنيسة في القدس، وهي ضرائب كادت أن تصل إلى نحو 186 مليون دولار أمريكي.

ولم يقف استهداف الطوائف المسيحية عند الضرائب فقط، بل وصلت إلى محاولة مصادرة أملاك كنسية في المدينة المحتلة، من خلال محاولة تمرير قوانين تستهدف مصادرة عقارات وأراض كنسية، ولم يحل دون تمرير هذه القوانين سوى ضغوطات دولية وتحركات رؤساء الكنائس. وتعرض المسيحيون ومقدساتهم العام الماضي لاعتداءات مختلفة، من استهداف المسيرات الدينية خلال الأعياد المسيحية، إلى تحطيم عشرات الصلبان وشواهد القبور، والاعتداء الوحشي على رهبان أقباط، خلال مشاركتهم في وقفة احتجاجية على تدخل الاحتلال في ترميم دير السلطان من دون استشارة الكنيسة القبطية.

ولا تقف الاعتداءات على الأوقاف والممتلكات الإسلامية والمسيحية فقط، بل يعمل الاحتلال على استهداف المجتمع المقدسي، فيتعرض المقدسيون للإبعاد والاعتقال بشكلٍ مستمر ودائم، فعلى صعيد الاعتقال شهدت المدينة المحتلة 1736 حالة اعتقال خلال عام 2018، من بينهم اعتقال 461 قاصرًا، و63 من الفتيات والسيدات، وشملت حملة الاعتقالات مرابطين ومرابطات في المسجد الأقصى، وشخصيات مقدسية فاعلة على غرار الشيخ عكرمة صبري، إضافة إلى استهداف رجال الإصلاح في المدينة، وأسرى مقدسيين محررين.

وشملت اعتداءات الاحتلال على المجتمع المقدسي شرائحه المختلفة، فخلال عام 2018 تعرض أطفال القدس لسياسات قمعية ممنهجة، حيث أصدر الاحتلال 90 قرارًا بالحبس المنزلي لأطفال مقدسيين، وفرض على 35 طفلًا عقوبة الإبعاد عن منازلهم، ويرافق هذه القرارات غرامات مالية باهظة، واعتداء لفظي وجسدي، تستهدف معظم الأطفال الذين يُعرضون على محاكم الاحتلال.

ومن الانتهاكات الدائمة بحق الأطفال في القدس المحتلة اعتقال الطلاب، فخلال عام 2018 اعتقلت قوات الاحتلال نحو 39 طالبًا في أثناء توجههم إلى مدارسهم. وفي مطلع شهر نوفمبر لاحقت قوات الاحتلال 15 طالبًا من مدرسة أحمد سامح في حي الثوري ببلدة سلوان، حيث أوقفوا فور خروجهم من المدرسة، وأجبروا على الإجابة على أسئلة المخابرات والابتعاد عن المدرسة.

وفي سياق إحداث خللٍ ديموغرافي مباشر في المدينة المحتلة، تعمل سلطات الاحتلال على هدم منازل الفلسطينيين، فلا تمر الأسابيع على المدينة المحتلة إلا بهدم أو إصدار قرارات هدم لمنازل ومنشآت في القدس المحتلة أو المناطق والقرى المجاورة لها، وقد شهد عام 2018 هدم 143 بيتًا ومنشأة في القدس المحتلة، وتنفذ أذرع الاحتلال عمليات الهدم بشكلٍ منفرد وجماعي، ففي 21 نوفمبر 2018 قام الاحتلال بأكبر عملية هدم جماعية، حيث هدمت سلطات الاحتلال 16 محلًّا تجاريًّا في شارع مركزي تجاري في مخيم شعفاط، ولم تعط سلطات الاحتلال أصحاب المحال إلا 12 ساعة قبل تنفيذ الهدم، وهو نموذج عن المهل التي تعطيها سلطات الاحتلال لأصحاب المنازل، وهي مدة لا تكفي لإخراج محتويات المنزل، أو إيجاد بديل مناسب، ما يدفع العديد من أصحاب المنازل المهدمة للمبيت في العراء.

وتعمل سلطات الاحتلال على إجبار المقدسيين على هدم منازلهم بأيديهم، بعد تهديدهم بالسجن الفعلي وفرض غرامات باهظة إضافة إلى إجبارهم على دفع أجرة الهدم التي تبالغ في تقديرها سلطات الاحتلال، وخلال عام 2018 أُجبِر أصحاب 24 بيتًا ومنشأة في القدس المحتلة على هدم بيوتهم ومنشآتهم، وتخطر أذرع الاحتلال الفلسطينيين بهدم منازلهم، في سياق زعزعة استقرارهم النفسي، حيث واصل الاحتلال توزيعها في مختلف أحياء القدس المحتلة، مهدِّدًا بهدم البيوت التي يزعم أنها بنيت من دون ترخيص.

وفي سياق ديموغرافي وإحداث تغيير في المساحة الجغرافية التي يشغلها الفلسطينيون، صعد الاحتلال من استهدافه لتجمع الخان الأحمر البدوي، فقد صادقت محاكم الاحتلال على قرار ترحيل سكان التجمع في 24 مايو 2018، ولكن ثبات السكان، وحالة التضامن الفلسطيني والدولي معهم، أجبرت الاحتلال على إصدار قرارٍ بإيقاف الهدم. وفي سياق ترحيل المقدسيين، كشف تقريرٌ صادر عن البعثات الدبلوماسية الأوروبية في القدس إلى أنّ المحكمة العليا الإسرائيلية أصدرت قرارات تعرِّض ما بين 600 و700 مقدسيّ لخطر الترحيل عام 2018.

وعلى وقع قرارات الهدم واستهداف الخان الأحمر وغيرها من المشاريع الاستيطانية، تصاعد النشاط الاستيطانيّ في القدس خلال عام 2018، حتى بلغ أرقامًا قياسيّة لم يبلغها منذ عام 2012، وبحسب تقارير حقوقية إسرائيلية، وضع الاحتلال مخططات لبناء 5820 وحدة استيطانيّة في القدس خلال العام المنصرم. ورصدت منظمات حقوقية دولية مضاعفة النشاط الاستيطاني في القدس عام 2018 عن الأعوام التي سبقته.

تُظهر هذه المعطيات تسخير الاحتلال مختلف مقدراته لرفع حجم الاستهداف في القدس المحتلة، استهداف يطال البشر كما يطال المقدس مسلمًا كان أم مسيحيًا، ويأتي هذا التصعيد في استهداف المقدسيين عبر هدم المنازل ورفع حجم الاستيطان، في سياق محاولة الاحتلال إحداث تغيير مباشر في التكوين الديموغرافي للقدس المحتلة، حيث فشل خلال السنوات الماضية بخفض أعداد المقدسيين على الرغم من الإجراءات والقوانين العنصرية التي يطبقها، فلجأ إلى محاولة التضييق عليهم لدفعهم إلى هجرة القدس في مقابل رفع أعداد المستوطنين، من خلال جذب المزيد من المستوطنين اليهود للسكن في المستوطنات حول المدينة المحتلة، أو البؤر الاستيطانية في القلب منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد