تقدم هذه المقالات إطلالة عن حال القدس خلال عام 2018 من خلال استعراض أبرز مسارات التهويد التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وكشف تطوراتها ومآلاتها.

لا يمكن اختزال مشاريع الاحتلال في تهويد القدس المحتلة في مقال واحدٍ، بل في كتابٍ كبير ومباحث عديدة، ولكن تقرير حال القدس السنوي الصادر عن مؤسسة القدس الدولية، يقدم إحاطةً شاملة بواقع المدينة المحتلة وما تقوم به أذرع الاحتلال من استهداف للمقدسات والمقدسيين، ويقدم التقرير إضافة إلى هذه المعطيات، إطلالة على تطور الانتفاضة والمقاومة الشعبية في القدس خاصة وفلسطين عامة، وتطور المواقف العربية والإسلامية والدولية المتفاعلة مع المدينة المحتلة، ويختم التقرير بمآلات الأحداث المتوقعة، وأبرز التوصيات للجهات المعنية، في تحويل المعلومة البحثية إلى خطوات عملية، يستطيع الفاعلون والمبادرون تلقفها والبناء عليها.

فكيف كان حال القدس خلال العام المنصرم 2018؟

وفي سياق الإجابة عن هذا السؤال، يمكن إيجاز واقع المدينة في عددٍ من مسارات التهويد هي:

  • استهداف المسجد الأقصى، والتدخل في إدارته.
  • الاعتداء على المسيحيين والممتلكات المسيحية في القدس.
  • استهداف المجتمع المقدسي وهدم منازله ومنشآته.
  • تصعيد المشاريع الاستيطانية في المدينة المحتلة والمستوطنات حولها.
  • المشاريع الاستيطانية حول المسجد الأقصى والقدس المحتلة.

تشكل هذه الخطط والاعتداءات أبرز المضامين التي يتناولها الفصل الأول من التقرير، الذي يتناولها من خلال استعراض المعطيات والأرقام والإحصائيات ذات الصلة، وتقديم تحليلٍ وافٍ لها، في إطار فهم أبعاد اعتداءات الاحتلال، واستراتيجياته في استهداف المدينة وسكانها، وفي هذا المقال سنتناول استهداف المسجد الأقصى فقط، وما يتصل به من اقتحامات للمسجد واستهداف للمرابطين والمرابطات ومكوناته البشرية الأخرى، كون الأقصى هو بؤرة الصراع الأهم مع الاحتلال.

وفي سياق الاستهداف المتزايد للمسجد الأقصى، يسلط التقرير الضوء على تطور العلاقة بين «منظمات المعبد» وأذرع الاحتلال الأمنية والسياسية، وتصاعد تأثير هذه المنظمات على القرار السياسي في منظومة الاحتلال، وهي علاقة تنعكس بشكلٍ مضطرد على أعداد مقتحمي المسجد الأقصى المبارك، وقد شهدت هذه الاقتحامات ارتفاعًا بنسبة 16% عن عام 2017، حيث بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد خلال عام 2018 نحو 29 ألف و801 من المستوطنين.

وفي إطار الاقتحامات يتناول التقرير تطور أعداد المقتحمين خلال الأعوام الأخيرة، وفشل الاحتلال في الحفاظ على نسبة الارتفاع ذاتها، فقد استطاعت منظمات المعبد رفع أعداد المقتحمين أربعة أضعاف، ولكنها فشلت في تحقيق ارتفاع مشابه خلال عام 2018؛ ما يؤكد حجم هذه المنظمات في المجتمع الإسرائيلي، وعدم قدرتها على إشراك المزيد من المستوطنين في الاقتحامات، في إطار الظروف والمستجدات في المدينة المحتلة. وإلى جانب المستوطنين يستعرض التقرير أعداد السياح الذين يقتحمون المسجد من بوابة الاحتلال الذي يعمل على إدخال عشرات آلاف السياح سنويًا ليقدم لهم روايته المكذوبة، الذين بلغوا خلال عام 2018 نحو 663 ألف و63 سائحًا اقتحموا الأقصى، بزيادة 128% عن عام 2017، وهو رقم قياسيّ لم يُسجَّل منذ احتلال القدس.

ويربط التقرير بين الأعياد اليهودية وأعداد مقتحمي الأقصى، حيث تشهد الأشهر التي تتضمن مناسباتٍ يهوديّة أعدادًا أكبر من المقتحمين، فقد سجل شهر سبتمبر (أيلول) اقتحام 5487 مستوطنًا، حيث تزامن هذا الشهر مع أعياد رأس السنة العبرية، ويوم الغفران، وعيد العُرْش/المظال، وهو أعلى رقمٍ لمقتحمي الأقصى في شهر واحد منذ احتلال القدس عام 1967، ومن الأشهر التي شهدت أعدادًا كبيرة من المقتحمين، جاء شهر  أبريل (نيسان) 3899 الذي تزامن مع عيد الفصح اليهوديّ، وشهر تموز (يوليو) 3800 الذي شهد ذكرى خراب المعبديْن، وشهر مايو (أيار) 3798 الذي شهد ذكرى احتلال الشطر الشرقي من القدس توحيد القدس.

وعلى صعيد الاقتحامات السياسية للأقصى، أعادت سلطات الاحتلال السماح لأعضاء الكنيست الإسرائيلي ووزراء الاحتلال بالعودة لاقتحام الأقصى في 3 يوليو 2018، مرةً واحدةً كل ثلاثة أشهر، بعد استمرار قرار المنع منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وعلى الرغم من محاولة الاحتلال تثبيت الاقتحامات السياسيّة للمسجد واحدة من أوجه فرض السيادة عليه، لم يشارك فيها سوى 5% من أعضاء الكنيست، وهو معطى مهم، في سياق مقاربة مشروع الاحتلال، وتفاعل أطرافه المختلفة معه.

http://https://www.youtube.com/watch?v=ahSZtfbZE9Q

ويتابع الاحتلال استهدافه لمكونات الأقصى البشرية، حيث أصدرت سلطات الاحتلال 176 قرار إبعادٍ عن المسجد خلال العام. وفي سياقٍ متصل باستهداف الأقصى، كثف الاحتلال وأذرعه المختلفة من الاعتداءات في المنطقة الشرقية من المسجد، خاصة الساحات الشرقيّة الشمالية المقابلة لقبة الصخرة، ومبنى باب الرحمة الذي كان مغلقًا حينها، والمنطقة المحاذية للسور الشرقيّ للأقصى ومن ضمنها مقبرة باب الرحمة التاريخيّة. حيث ازدادت خلال العام المنصرم اقتحامات المستوطنين لها، وأداؤهم صلوات وطقوسًا تلمودية فيها، ونصب نقطة لشرطة الاحتلال فوق مبنى باب الرحمة، إضافة إلى تجريف أجزاء من مقبرتي باب الرحمة واليوسفيّة، وتسييجها تمهيدًا لمصادرتها. وهي خطوات حاول الاحتلال التمهيد من خلالها للتقسيم المكاني للأقصى، وجعل هذه المنطقة من المسجد مساحة لاستيعاب الوجود الاستيطاني، وتمهيدًا لبناء المعبد، ولكن هبة المقدسيين الأخيرة أعادت خلط أوراق الاحتلال.

وفي سياق اعتداءات الاحتلال، صعد الاحتلال من إغلاقه للمسجد الأقصى، وهو ما تكرر عدة مرات خلال عام 2018، إضافة إلى العديد من المشاريع التهويدية أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه.

وتؤكد هذه المعطيات وضع الاحتلال للأقصى في مهدافه، وتحويل معركة السيادة على الأقصى، أبرز المعارك في القدس المحتلة، يحشد فيها الاحتلال مختلف أذرعه السياسية والأمنية، وهو ما تجلى لاحقًا خلال هبة باب الرحمة ومحاولة الاحتلال بأي شكلٍ من الأشكال تجاوز انتصار المقدسيين، والالتفاف على القرار بالقمع أو بقرارات سياسية حينًا أو قضائية أحيانًا أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد