تُثبت الأيام والأحداث المتسارعة في واقعنا العربي والإسلامي أن هناك قضية لم تزل هي المحرك للشعوب العربية والإسلامية، بل ولأحرار العالم بأسره، أن هناك قضية قي القادرة على توحيد جهود الأمة، وإعادة بعثها وتفجير طاقاتها، إن هذه القضية هي التي تعيد للأمة وأبنائها لُحمتهم وشعورهم بأنهم جسد واحد، بالرغم مما تعانيه من مظاهر الفرقة والخلاف واستفحال النظرة المحلية والإقليمية الضيقة.. لم تزل هذه القضية هي القادرة على تجاوز كل هذه العقبات والتحديات.. إنها (القدس) وفي قلبها المسجد الأقصى المبارك.

فقد أظهرت الأحداث الأخيرة مقدار التفاعل العربي والإسلامي والدولي مع قضية القدس واستنفار كل هؤلاء الأحرار لمجرد خطر جديد أحاط بالمدينة المقدسة وحاول تغيير هويتها وتقييد حريتها المسلوبة أساسًا، فانتفضت الشعوب وثارت الهمم وأحُييت العزائم حتى في تلك الدول التي أنهكتها أحداثها الداخلية وأصابها ما أصابها في سنوات مضت، وما مظاهرات نصرة القدس في سوريا واليمن منا ببعيد، فضلًا عن الفعاليات والمظاهرات التي اجتاحت مدن وعواصم العالم في مشهد غير مسبوق نصرةً لفلسطين والقدس فانتشرت المظاهرات في أوروبا وإفريقيا والأمريكتين ووصلت أستراليا واليابان، تعبيرًا عن وقوف هذه الحشود مع الحق الثابت في القدس، هذا الحق الذي لم ولن يغيره تبدل الأحوال واشتداد الخُطوب فضلًا عن أن يغيره تصريح هنا أو قرار هناك.

ولعل مقارنة سريعة بين ردة الفعل الحالية وتلك التي وقعت بعد إحراق المسجد الأقصى المبارك عام 1969 عندما صرحت رئيسة الوزراء الصهيونية آنذاك (جولدا مائير): لم أنم طوال الليل كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجًا من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شيء نريده، وكأن شعوب وأحرار العالم يعلنوها واضحة أن الواقع قد تغير والأمر قد تبدل، وعلى الرغم من أن الأمر لم يتجاوز مظاهرات هنا أو احتجاجات هناك إلا أن هذا هو الحد الأدنى المطلوب من الشعوب، فضلًا عن الدور المطلوب من الحكومات والجهات الرسمية.. وتظل الشعوب هي الرصيد الأقوى والملاذ الآمن في مواجهة قوى الظلم والطغيان.

الدور المطلوب

لعل السؤال حول الدور المطلوب من كلٍ منا هو المتبادر للذهن.. وللإجابة عليه فإنه يجب التأكيد على أن أهم ما يميز قضية فلسطين أن الصراع فيها واضحٌ لا لُبس فيه أو دَخَن، فهو صراع حقٍ واضحٍ وثابت مع باطلٍ معتدٍ وآثم.. صراع أهل الأرض وحماتها مع المحتلين الغرباء.. صراع الحق الأصيل مع الباطل الدخيل، هذا الصراع الذي لم يفقد بوصلته، بالرغم تطاول العهد عليه واقترابه من عقده السابع، إلا أن المعركة فيه واضحة ومحددة لم تتحول إلى صراعات جانية أو داخلية، ولعل هذا الأمر هو الذي حافظ على نقاء المعركة وساق لها كل هذا الدعم والتأييد.

الدور المطلوب تجاه ذلك هو استثمار هذه الظروف في إعادة إحياء الهمم واستنهاض العزائم، ولم شمل أبناء الأمة وتوحيدها مجددًا نصرةً للقدس والمسجد الأقصى المبارك وتذكير الأمة بمعركتها الأساسية، وأن معركة القدس المستمرة منذ أكثر من خمسين عامًا ينبغي أن تكون هي المحرك والدافع لأبناء هذه الأمة للنضهة والعمل الدؤوب كلٌ في ميدانه ومجاله.

الدور المطلوب هو نشر التوعية والثقافة المقدسية وتعريف الناس بواقع المدينة وأهلها، وتاريخها وأمجادها، وإطلاعهم على ما تتعرض له المدينة من حرب مسعورة وتوعيتهم بواجباتهم تجاه هذه القضية العادلة، ليكون دعمهم وتأييدهم على بينةٍ وبصيرة ومعتمدٍ على أساس صلب.

الدور المطلوب هو تربية الجيل والنشء على حب فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك، وتعليم أبنائنا أن هذه الأرض فيها حق لكل مسلمي وأحرار الأرض، وأنهم سيعودون إليها يومًا فاتحين مكبرين.

الواجب المطلوب هو الحفاظ على دور القدس في توحيد الأمة بعيدًا عن الصراعات الحزبية أو الطائفية أو المناطقية.. لتظل القدس هي الواحة الآمنة لهذه الأمة المنهكة، ولتظل القدس خط الدفاع الأخير عن الأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد