في مثلِ هذا اليوم قبل عامين، الساعة الثانية عشرة منتصف النهار، كنتُ في مستشفى اليرموك التعليمي في العاصمة بغداد لأستقبل قريبتي «نوسة»، التي كانت تُعاني من إصابة بالغة في قدمها؛ نتيجة تفجير استهدف مقرًا لتنظيم «داعش» قريبًا من منزلها في مدينة هيت، الواقعة غرب العاصمة بغداد مسافة 170 كم بعد أيام من احتلالها، وذلك في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2014.

ما زلتُ أتذكر تفاصيل ذلك اليوم المُفجع، وما زلتُ أحفظ من دموعي ما يكفي لاستذكاره والبكاء على قريبتي التي غادرتنا غريبة في مكان لم تألفه من قبل، وربما لم تكن تفكّر يومًا في زيارة المدينة التي لفظتْ فيها آخر أنفاسها.

عندما غادرتُ المدينة هاربًا بعد احتلالها من تنظيم «داعش» بأيام، وصلني خبر إصابة قريبتي. يومها كنتُ قد حصلتً على مقعد لدراسة العلوم السياسية في جامعة بغداد، وعائلتي هربتْ إلى كوردستان وأخذت فيها مستقرًا، لعل الله يكتبُ لنا أقدارًا نجتمعُ فيها مرة أخرى. لم أهتم كثيرًا بإصابة قريبتي، واعتقدتُ أنها قد تماثلتْ للشفاء كون الإصابة لم تكن خطرة في بداية الأمر. بعدها بفترة قصيرة انقطعت أخبار أقاربي الذين بقوا في المدينة ومنهم عائلة «نوسة» بعد أن خرب التنظيم جزءًا كبيرًا من أبراج الاتصال، وأمرت السلطة بإيقاف العمل بما تبقى من الأبراج التي لم تصل إليها يد التنظيم كإجراء احترازي وعقابي.

ومضتْ الأيام والشهور والفصول حتى يوم التاسع عشر من مارس (آذار) 2016، حيث أعلنت الحكومة العراقية عن بدء عمليات تحرير مدينة هيت، يومها كنتُ في زيارة قصيرة لعائلتي في كوردستان، وسعدتُ كثيرًا بالخبر وتقدم القوات العراقية لتحرير المدينة من سيطرة التنظيم الإرهابي.

وبعد 24 يومًا أعلن السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق عن تحرير مدينة هيت بالكامل من التنظيم الإرهابي، وبعدها بثلاثة أيام من ذلك اليوم أمنت والدتي اتصالاً بعائلتها ومنهم عائلة شقيقتها أم نوسة لتتوالى الأخبار السيئة والكارثية، التي أصابت أهل هيت الذين لا حول لهم ولا قوة، وقد فضلوا البقاء في مدينتهم وتحمل بطش التنظيم على الموت جوعًا وذلًا في بزيبز.

في ساعة متأخرة من يوم 24 أبريل (نيسان) 2016 اتصلت والدتي لتبلغني بأن إصابة «نوسة» خطرة، وأبلغتني أيضًا أن والدي أجرى اتصالًا بوالدها ليقنعه بنقلها إلى بغداد وتكفلي أنا وأخي بعلاجها، وأنها تعاني من مضاعفات وتحتاج إلى علاج، وطلبت مني التدخل في إيجاد طريقة لإيصال العلاج إليها في مخيم الستين. وقتها أجريتُ اتصالات ببعض الأصدقاء، وقدم لي أحدهم مساعدته بتكفله بنقل العلاج مع أحد الجنود الذاهبين إلى هيت.

حاولنا جاهدين أن نقنع والدها بإرسالها إلى العاصمة بغداد للعلاج، وبعد محاولات عديدة اقتنع، وكنتُ أعلم أن سبب رفضه هو شعوره بأنه سيلقي علينا حملًا ثقيلًا، إضافة إلى مخاوفه من تحمل ابنته عناء السفر مسافة أكثر من 150 كم، وعدم السماح لها المرور من جسر بزيبز؛ مما يسبب لها مضاعفات أكثر قد تنتهي بوفاتها، كونه حاول لأكثر من ثلاث مرات الحصول على الموافقات الأمنية التي تسمح له عبور الجسر وقوبلت بالرفض. بعد قبوله بإرسالها وشقيقتها إلى بغداد اتصلت أنا وصديقي عمر الهيتي بالشاعر العراقي أحمد عبد الحسين، وساعدنا في الحصول على الموافقات الأمنية بعد أن أجرى اتصالًا بصديق له يعمل في مجلس محافظة بغداد.

صادف مجيء قريبتي «نوسة» وشقيقتها مع ذكرى استشهاد الأمام «الكاظم»، وكانت الحركة في العاصمة شبه متوقفة آنذاك. وقد جرى الاتفاق أن تنقل قريبتي بسيارة إسعاف ودخولها في ساعة محددة حتى لا تواجه تأخيرًا في عبور الجسر والنقاط العسكرية. وكنتُ يومها في مستشفى اليرموك أنتظر وصولهم، وبعد أن تجاوزت الساعة الثانية عشرة والنصف وصلت سيارة الإسعاف التي تقلهم، وتوجهت مسرعًا لاستلامها.

أتذكر أن سائق الإسعاف رفض التعامل مع الحالة وإنزالها من السيارة؛ بسبب المضاعفات التي خلفتها الإصابة في قدمها، فساعدني أحد العاملين في المستشفى على إنزالها بينما دخل أخي الصغير لمناداة الطبيب. وبعد أن أنزلناها من سيارة الإسعاف جاء الطبيب وأخذ يتفحص إصابتها، ويُقيم وضعها الصحي، وأثناء ذلك سألها عن اسمها، فكان جوابها مستحيلًا، وأخبرها إن كانت تعرفني أن تغلق عينيها لمرتين متتاليين وقد فعلت ذلك -رحمها الله-ًا وكنت أحاول أن أجعلها تنطق اسمها، ولكنها عجزت عن فعل ذلك، واكتفت بتحريك شفتيها، وتخيلتُ أنها تنطقه.

بعد أن أدخلها الطبيب إلى صالة الطوارئ أخبرني أنها داخلة في مرحلة الصدّمة الطبية، وأن حالتها تتطلب تدخلًا جراحيًّا ولكن في كلتا الحالتين فإنها قد تتوفى في أي لحظة، تمالكت نفسي كثيرًا وأنا أتلقى الأخبار السيئة عن حالتها من مجموعة من الأطباء، وقد بانت على ملامحهم الحسرة والألم كونهم لا يستطيعون تقديم شيء أكثر من السوائل وبعض الأدوية والأكسجين.

بعد يوم من ذلك، تحديدًا يوم الرابع من مايو (أيار) 2016، اتصلتُ بوالدها لأطلعه على حالتها الصحية، وتوقعات الأطباء، وأخبرته بأن الطبيب الجراح ينتظر موافقتنا لإجراء عملية استئصال القدم اليسرى، وأنه من الممكن جدًا أن تتوفى أثناء إجراء العملية، وقد ترك والدها القرار حصرًا بيني وبين شقيقتها ونصائح الأطباء، واخترنا عدم إجراء العملية.

بعد ذلك أخذت شقيقتها تحدثني عن الوضع الذي آلت إليه «نوسة»، ومحاولاتهم في إقناع التنظيم الإرهابي للسماح لهم بنقلها إلى العاصمة لتلقي العلاج، عندما أخذت حالتها تسوء قبل سنة من ذلك اليوم، وحدثتني عن العديد من القصص المؤلمة التي عاشها أهل مدينتي وهم تحت حكم التنظيم الإرهابي، وكيف بطشوا بالناس ومثلوا بجثثهم، وكيف زرعوا فيهم المخاوف من الهرب من المدينة واستخدامهم لبزيبز لتعميق تلك المخاوف، كانت تحدثني والدموع تملأ عينيها، كانت تبكي بحرقة إنسان مُحطَّم في داخله لا سبيل من نجاته، وهو مُحارب من جميع الجهات، أخبرتني عن وفاة صديقي عمار، وكيف هوت القاذفة على رأسه لتترك والدته تقاسي وجعًا لن يفارقها، حدثتني عن الجثث التي دفنتها العوائل في حدائق منازلهم، والجثث المُنتشرة في شوارع المدينة، حدثتني حتى عن رعونتنا نحن الأغلبية الصامتة الذين لم يهزٌّنا موتهم المأساوي وأكتفينا بالمشاهدة والتندَّر منهم.

بينما هي تحدثني أخذت أتلمسُ جسد قريبتي وشعرتُ ببرودته، كان هو الموت كل ما وصلني من ذلك الشعور، فسارعت لإخراجها من الصالة حتى لا يصدمها إعلان الطبيب وفاة شقيقتها، والتحدث مع الطبيب الذي جاء وأجرى فحصًا سريعًا عليها فأخبرني بأنها قد فارقت الحياة، لقد كانت عيونها شاخصة وتغور عميقًا في اللا شيء كأنها كانت تتوسل فينا شيئًت لم نفطن إليه، لعلها كانت تلقي بنظرها إلى بيتها الذي شَقتْ كثيرًا مع والديها في بنيانه، ومدينتها التي أدركت أنها لن توارى الثرى في تربتها.

كانت قريبتي مصابة بالغرغرينا نتيجة إصابتها بشظايا زجاج نافذة كانت تنظفها أثناء حدوث الانفجار، رحلت «نوسة» في تمام الساعة الخامسة عصرًا من يوم الرابع من مايو 2016 في مستشفى اليرموك التعليمي بعد أن عجز والدها عن نقلها إلى مستشفيات العاصمة؛ بسبب الإجراءات المُعقدة التي فرضتها قيادة عمليات بغداد على جسر بزيبز، والذي كان أدق صورة عن إهانة الإنسان العراقي في عصر الحريات والديمقراطية بعد أن تخلى عنهم ممثلوهم السياسيون وسطلتهم المركزية، وتركتهم لقمة سائغة في أفواه قتلة شرعيين وغير شرعيين. رحلتْ «نوسة» ومثلها الكثير، تاركة وجعًا بعدد الأرواح التي زهقت ظلمًا في بلد عُرف عنه التضحية بشبابه وشاباته. «نوسة» بنت 30 عامًا واراها الثرى 10 أشخاص غربية في مقبرة الشهداء بعد أن عجزنا عن دفنها في مدينتها التي تحب، وكانت سببًا في رحيل والدتها بعدها بثلاثة أشهر من ذلك اليوم المشؤوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد