الاعتقاد السائد أن عيسى لم يمت، بل رُفع حيًا بجسده إلى السماء، وسينزل قبل قيام الساعة ليقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويفرض الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب جميعًا. نناقش هذا الاعتقاد، وننظر في أدلته.

وفاة عيسى ورفعه

تحدثت ثلاث آيات عن وفاة عيسى:

  1. وَعَدَ الله عيسى بقوله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا).
  2. ثم تحقق الوعد: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا).
  3. ويوم القيامة يقول عيسى: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ).

تفيد الآيات ثلاث حقائق:

  • عيسى لم يُقتل ولم يُصلب: ولا خلاف على ذلك بين المسلمين كافة.
  • الله توفى عيسى:

 

وهنا وقع خلاف حول معنى التوفي؛ فقال البعض: التوفي أصله الاستيفاء، وهو الأخذ. وتوفى الله عيسى: أي أخذ الله عيسى. والتوفي يحتمل معنى النوم، وتوفى الله عيسى: أي أنامه. وبالتالي عيسى لم يمت وما زال حيًا.

وقال آخرون: التوفي هو الموت الجسدي الطبيعي.

وبتتبع لفظ التوفي في القرآن، نجد أنه ذُكر في مرات قليلة بمعنى النوم، مثل: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ)، (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا). ونلاحظ أن سياق الآيات حين يقصد النوم يذكر قرينة تفيد ذلك، فيقول (بالليل)، أو (في منامها).

وذُكر التوفي بمعنى استيفاء الشيء، أي أخذه وقبضه، مثل: (وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ). ونلاحظ أيضًا أن في كل مرة يراد بالوفاة الاستيفاء والأخذ، يذكر السياق ما يرجح هذا المعنى، فقال مرة: تُوفون (أجوركم). وفي أخرى: تُوفى كل نفس (ما عملت).

أما الاستخدام الأغلب للوفاة في القرآن فجاء بمعنى الموت، (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ)، (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا)، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ)، (إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ)، ومن الملاحظ هنا أن مجرد ذكر الوفاة كافٍ للإشارة للموت دون احتياج لدليل إضافي. وهو السائد في استخدام العرب، فحين نقول: توفى الله فلانًا. فلا معنى يتبادر للذهن سوى: الله أماته.

وبالنظر لوفاة عيسى في الآيات، لا نجد إشارة تصرف المعنى عن ظاهره، فلا إشارة للنوم، ولا إشارة للاستفاء والأخذ، بل المعنى الظاهر الواضح للوفاة هو الموت الطبيعي، فقد أنقذ الله عيسى من القتل، ليهرب من أيدي المعتدين، ثم يموت ميتة طبيعية.

وقد فسَّر ابن عباس قوله: (إني متوفيك) بمعنى: إني مميتك(1).

ويقول ابن حزم: لم يُرِد عيسى بقوله: (فلما توفيتني) وفاة النوم، فصحَّ أنه إنما عنى وفاة الموت (2).

ويقول ابن عاشور: (إني متوفيك) ظاهر معناه: إني مميتك، هذا هو معنى هذا الفعل في مواقع استعماله.

وأصرح من هذه الآية آية المائدة: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)؛ لأنه دل على أنه قد تُوفي الوفاة المعروفة، التي تحول بين المرء وبين علم ما يقع في الأرض(3).

ويقول محمود شلتوت: كلمة (توفى) قد وردت في القرآن كثيرًا بمعنى الموت حتى صار هذا المعنى هو الغالب عليها المتبادر منها، ولم تُستعمل في غير هذا المعنى، إلا وبجانبها ما يصرفها عن هذا المعنى المتبادر.

ومن حق كلمة (توفيتني) في الآية أن تجمل هذا المعنى المتبادر، وهو الإماتة العادية التي يعرفها الناس ويدركها من اللفظ والسياق الناطقون بالضاد(4).

إذًا فقد أنقذ الله عيسى من الصلب والقتل ليهرب من أيديهم، ثم مات ميتة طبيعية.

  • الله رفع عيسى إليه

وهنا أيضًا وقع خلاف؛ فقال البعض: رفع الله عيسى: أي رفع جسد عيسى حيًا إليه. ودليلهم: (مَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ)، فالربط بـ(بل) يفيد المنافاة بين ما قبلها وما بعدها، ولن تتحقق هذه المنافاة، إلا إذا رفع الله جسد عيسى حيًا لينقذه من القتل(5).

وقال آخرون: المقصود بالرفع: رفع مقامه وقدره. وأدلتهم:

تحقيق التنافي بـ(بل) لا يستلزم بالضرورة رفع الجسد، بل يكفي إنقاذه من القتل، وبالتالي معنى الآية: هم لم يقتلوه، بل رفع الله مقامه؛ فتدخل سبحانه لينقذه من أيديهم، ثم مات ميتة طبيعية.

ذكرت الآيات الوفاة أولًا، ثم الرفع، (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ)، ولو قصد رفع عيسى حيًا، لذكر الرفع أولًا.

لو قصد بالرفع: رفع جسد عيسى إلى الله، لأفاد أن لله مكانًا، وهو باطل.

وقد ذكر القرآن لفظ الرفع مع أنبياء ومقربين بمعنى مجازي وهو رفع المقام، فقال عن إدريس: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)، ورغم قوله (مكانًا)، إلا أنه لم يقل أحد أن جسد إدريس قد رُفع!

والتعبير (إلى) يفيد المعية الإلهية، ولا يفيد مكانًا يُرفع إلى الجسد. مثل (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)، فلم يقل أحد أن إبراهيم ذهب بجسده إلى ربه! (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، فلم يقل أحد أن جسد الشهداء جوار ربهم، بل المعنى: كناية عن المعية الإلهية، والرضا الإلهي.

يقول محمد رشيد رضا: المتبادر من آية (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا): إني مميتك، وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي، كما قال في إدريس: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا)، والله تعالى يضيف إليه ما يكون فيه الأبرار من عالم الغيب قبل البعث وبعده، كما قال في الشهداء: (أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، وقال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ). وأما تطهيره من الذين كفروا فهو: إنجاؤه مما كانوا يرمونه به أو يرومونه منه ويريدونه به من الشر.

هذا ما يفهمه القارئ الخالي الذهن من الروايات والأقوال؛ لأنه هو المتبادر من العبارة، وقد أيدناه بالشواهد من الآيات، ولكن المفسرين قد حولوا الكلام عن ظاهره لينطبق على ما أعطتهم الروايات من كون عيسى رُفع إلى السماء بجسده(6).

ويقول المراغي: المعنى: إني مميتك وجاعلك بعد الموت في مكان رفيع عندي(7).

ويقول محمد الغزالي: أميل إلى أن عيسى مات، وأنه كسائر الأنبياء مات ورُفع بروحه فقط، وأن جسمه في مصيره كأجساد الأنبياء كلها، وتنطبق عليه الآية: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)، والآية: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)، وبهذا يتحقق أن عيسى قد مات(8).

ويقول د. صلاح أبو إسماعيل: إن الله ليس له مكان حسي محدود حتى يكون الرفع حسيًا، وعلى هذا ينبغي تفسير الرفع أنه رفع القدر وإعلاء المكانة، ثم إن رفع الجسد قد يستلزم أن هذا الجسد يمكن أن يُرى الآن، ويحتاج إلى ما تحتاج إليه الأجسام من طعام وشراب ومن خواص الأجسام على العموم، وهو ما لا يتناسب في هذا المجال(9).

ويضيف د. أحمد شلبي: وأجيب على من قال: إن في مقدور الله أن يوقف خواص الجسم في عيسى، بأن إيقاف خواص الجسم بحيث لا يُرى، ولا يأكل، ولا يشرب، ولا يهرم.. معناه العودة إلى الروحانية أو شيء قريب منها، وذلك قريب أو يتفق مع الرأي الذي يعارض رفع عيسى بجسده(10).

إذًا ما تفيده الآيات: أن الله أنقذ عيسى من الصلب، ومات ميتة طبيعية، ورفع الله مقامه، وطهره من .

نزول عيسى آخر الزمان

أما بخصوص نزول عيسى آخر الزمان، فنحلل أدلته:

إيمان كل كتابي بعيسى قبل موته

قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ).

اختلف المفسرون في ضمير (موته)؛ فقال البعض: الضمير يعود إلى عيسى، ومعنى الآية: كل أهل الكتاب سيؤمنون بحقيقة عيسى قبل موت عيسى، بعدما ينزل آخر الزمان.

وقال آخرون: الضمير يعود إلى الكتابي، فالمعنى: كل كتابي سيؤمن بحقيقة عيسى قبل موته، أي قبل موت الكتابي وهو يحتضر.

والنص يحكم ببطلان القول الأول؛ لأنه لو قلنا أن الضمير يعود لعيسى، لأصبح من يؤمنون به هم فقط الأحياء وقت نزوله، لكن الآية تفيد العموم التام (وإن من أهل الكتاب)، أي كل أهل الكتاب. إذًا هذا التفسير لا يصح، والتفسير الصحيح: أن كل أهل الكتاب سيؤمنون بالحقيقة قبل أن يموتوا هم، أثناء احتضارهم(11).

ويؤيد هذا إشارة القرآن أن كل إنسان يعرف حقيقة إيمانه قبيل موته، (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ.. لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).

وقد اختار هذا التفسير ابن عباس، ومجاهد، والزمخشري، والألوسي، وابن عاشور، والنووي، ومحمود شلتوت، والمراغي، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا.

عِلمٌ للساعة

قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا).

وهنا اختلف المفسرون حول المقصود بـ(إنه)، فقال البعض: الضمير يعود لعيسى، فيشير لنزوله آخر الزمان، وبذلك يكون علم وعلامة للساعة.

وقال آخرون: الضمير يعود إلى القرآن؛ فهو علم للساعة، فيُظهِر أهوالها ويثبتها.

واحتج الاتجاه الأول بأن سياق الآيات يتحدث عن عيسى.

لكن لو قلنا أن الضمير في (إنه) يعود لعيسى، فلا يعني ذلك الإشارة إلى (نزول) عيسى إطلاقًا، وإنما يشير إلى أن عيسى نفسه علامة للساعة، إذ خَلَقَه الله بلا أب، وأحيى الموتى على يديه، وبذلك فهو علامة ودليل على قدرة الله على قيام الساعة وحساب البشر والبعث.

أما أن يعود الضمير إلى (نزول) عيسى، فهو ما لم تذكره الآية إطلاقًا، فمن أين جاءت الإشارة لنزول عيسى في السياق؟! فهي إضافة بلا دليل.

ولو قلنا أن المقصود (نزول) عيسى، سيصبح المعنى أن الله يستدل بنزول عيسى لإثبات قيام الساعة، ويقول بعدها: (فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا)، أي لا تشكوا فيها! وهو استدلال لا يصح؛ لأن عيسى لم ينزل بعد، فكيف يستدل بحدث لم يحدث بعد ولا يؤمنون به؟!

يقول محمد رشيد رضا: معنى الآية أن عيسى دليل على قدرة الله على البعث؛ فإن الذي خلقه بلا أب، والذي أحيا الموتى على يديه، قادر على إحياء الموتى يوم القيامة، وهذه الآية كقوله: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ). (12).

أما الاتجاه الثاني فقد احتج بأن السورة كلها تتحدث عن القرآن، وتصفه بعدة صفات متواليات: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا)، (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ)، (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ)، (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)، ويتخلل الحديث عن القرآن قصص الرسل، بما فيهم عيسى، ثم يعود للقرآن مرة أخرى ويصفه بصفة جديدة.

يقول ابن عاشور: ضمير المذكر الغائب في قوله (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) مراد به القرآن، وبذلك فسَّره الحسن، وقتادة، وسعيد بن جبير، فيكون هذا ثناءً ثامنًا على القرآن، فالثناء على القرآن استمر متصلًا من أول السورة آخذًا بعضه بحجز بعض متخللًا بالمعترضات والمستطردات ومتخلصًا إلى هذا الثناء الأخير بأن القرآن أعلم الناس بوقوع الساعة.

ومعنى تحقيق أن القرآن علم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع، فلم يبق بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم. وإسناد (علم للساعة) إلى ضمير القرآن إسناد مجازي، لأن القرآن سبب العلم بوقوع الساعة، إذ فيه الدلائل المتنوعة على إمكان البعث ووقوعه.

وقد ناسب هذا المجاز التفريع في قوله (فلا تمترن بها)، لأن القرآن لم يبقِ لأحد مرية في أن البعث واقع(13).

إذن فالآية إما تقصد أن القرآن هو علم للساعة، أو أن عيسى – بمولده المعجز وآياته الخارقة – علم للساعة. أما الادعاء بأن الآية تشير لنزول عيسى، فهو ادعاء عجيب، بلا دليل، ولولا سبق الاعتقاد بنزول عيسى، ما قال بهذا التأويل أحد قط.

كلام عيسى في المهد وكهلًا

قال تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ).

يقول البعض: إن عيسى مات شابًا، إذًا فالمقصود من يكلم الناس كهلًا: أنه سيعود آخر الزمان، ويكلم الناس وهو كهل.

لكن ليس لدينا دليل يقيني أن عيسى مات وهو شاب. فقد أثبتنا أن الله أنقذه من القتل ليهرب، ثم مات ميتة طبيعية، فلا نعلم كم عاش عيسى، ومتى تُوفي بالضبط.

وحتى لو افترضنا أنه تُوفي في سن 33، كما هو شائع، فالكهولة لغةً: هي مرحلة الشباب، ما بعد الثلاثين. إذًا فقد تكلم عيسى طفلًا وكهلًا، دون احتياج لنزوله مرة أخرى.

يقول الرازي: “الكهل في اللغة: ما اجتمع قوته وكمل شبابه.. الكهل في أصل اللغة عبارة عن الكامل التام، وأكمل أحوال الإنسان إذا كان بين الثلاثين والأربعين، فصح وصف عيسى بكونه كهلًا في هذا الوقت(14).

وسبب إضافة كهلًا في الآية هو إثبات أن حديث عيسى في الطفولة لم يكن كصراخ الأطفال، وليس حديثًا شاذًا كأنه مس من الشيطان، بل هو كحديث الرجل البالغ الرشيد الكهل بالضبط. مثلما تقول: ابني ذكي، وهو طفل وهو شاب. مصر قوية حربًا وسلمًا، الطقس في روسيا بارد شتاءً وصيفًا. فذكر الحالتين يفيد أن الصفة واحدة متطابقة في كلا الحالتين.

يقول الألوسي: المراد يكلمهم حال كونه طفلًا وكهلًا، والمقصود التسوية بين الكلام في حال الطفولية وحال الكهولة(15).

ويقول الزمخشري: يكلم الناس طفلًا وكهلًا، ومعناه: يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء، من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة، التي يستحكم فيها العقل(16).

أحاديث علامات الساعة

استدل البعض بعدد من الأحاديث المتعلقة بعلامات الساعة، التي تقر أن عيسى سينزل قبل قيام الساعة ليقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويفرض الجزية، ويؤمن به أهل الكتاب جميعًا.

ولولا هذه الأحاديث ما خطر على قلب أحد أن يفهم آية واحدة مما ذكرنا على أنها تشير لنزول عيسى؛ ولفسروها بظاهرها وسياقها!

إذًا فما فجر القضية كلها، ونقل هذه العقيدة من المسيحية إلى الإسلام هي هذه الروايات!

ونقف على عدة ملاحظات بخصوص هذه الروايات:

يقول محمد رشيد رضا: عقيدة نزول عيسى من السماء هي عقيدة أكثر النصارى, وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهر الإسلام إلى الآن بثها في المسلمين، وممن حاولوا ذاك بإدخالها في التفسير وهب بن منبه لتشويه تفسير القرآن بما بثه فيه من الخرافات(17).

ويؤيد أبو زهرة هذا التحليل فيقول: هذه الأحاديث لم تشتهر قط إلا بعد القرون الثلاثة الأولى(18).

ويقول محمود شلتوت: الروايات التي تفيد نزول عيسى بعد الدجال هي روايات مضطربة مختلفة في ألفاظها ومعانيها اختلافًا لا مجال معه للجمع بينها، وقد نص على ذلك علماء الحديث(19).

ومما يعارض هذه الروايات قول عيسى: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ)، فهي ظاهرة الدلالة على أن عيسى لم يعرف ولم يشهد ما فعله النصارى بعد موته، ولو كان عيسى سينزل آخر الزمان، ويعرف بعقيدة النصارى، ويكسر الصليب، ما قال ذلك.

وتقر الروايات أن عيسى سيوقف الجزية! هل الجزية مقابل ترك الكتابيين على دينهم، وعند نزول عيسى، فلا عذر لأحد، ويخيِّر الكتابيين بين الإيمان والقتل!

ناقش القرآن النصارى وفنَّد عقيدتهم وردَّ عليها، وناظر النبي النصارى، ألا يكفي ذلك لنقد المسيحية حتى تنتظر البشرية عودة عيسى ليقنع النصارى بنفسه؟

ما الحكمة أن يوقف الله نواميس الكون ليرفع جسد عيسى، ثم يعطلها مرة أخرى ليحيى آلاف السنوات، ثم يعطلها مرة أخرى لينزل من السماء؟ كل هذا ليقنع حفنة من النصارى الأحياء وقت نزوله بالمسيحية الصحيحة! ولماذا لم يحدث هذا لموسى أيضًا ليقنع اليهود باليهودية الصحيحة؟ ولماذا لم ينزل محمد ليصحح ضلال أمته؟

لو صح قول النبي: والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وقوله: “كيف أنتم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم؟ لو صحت هذه الروايات، ولو علمنا أن الرواة نقلوا أحاديثًا بالمعنى وليس باللفظ، عندئذ يسهل فهم هذه الأحاديث بأن النبي يضرب مثلًا ويسأل النصارى: ماذا لو نزل المسيح الآن ورآكم على ما أنتم عليه، هل يرضى بعقيدتكم؟! والله لو جاءكم لكسر الصليب وأنكر عقيدتكم. وهو مثل قولنا اليوم للضالين: ماذا لو نزل محمد اليوم ورآكم؟ فإنه لو جاءكم لأنكر مذهبكم. وليس في ذلك أي إثبات لنزول حقيقي لجسد عيسى.

الأحاديث المتعلقة بنزول عيسى نقلها آحاد، ولم تبلغ التواتر إطلاقًا؛ أي نَقَلَهَا واحد أو اثنان وليس عددًا كبيرًا، وبالتالي فهي تفيد الظن، ولا نثق يقينًا أن النبي قالها، لذلك أقر العلماء قاعدة: الآحاد لا يُؤخذ به في العقائد.

وقد أقر بذلك عدد لا يُحصى من العلماء، منهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والجويني(20)، والغزالي(21)، والبزودي(22)، ومحمد عبده(23)، ومحمد رشيد رضا، ومحمود شلتوت(24)، والمراغي، وسيد قطب(25)، والبوطي(26)، والقرضاوي، ومحمد أبو زهرة، ومحمد عمارة.

النتيجة

إذًا لم نقف على نص واحد صحيح وصريح يفيد أن عيسى لم يمت، أو رُفع بجسده، أو سينزل قبل الساعة! بل العقيدة اليقينية، الثابتة، المؤكدة، التي يطمئن قلب المسلم المتثبت إليها: أن عيسى مثل كل الرسل؛ أدى رسالته ومات، ولم يُقتل ولم يُصلب، بل مات موتة طبيعية مثل كل البشر، وقد رفع الله قدره.

يقول محمد رشيد رضا: جملة القول: ليس في القرآن نص صريح في أن عيسى رُفع بروحه وجسده إلى السماء حيًا حياة دنيوية.. وليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء(27).

اعتراض

صحيح الأدلة على نزول عيسى ليست يقينية، بل ظنية، لكن ما الضرر أن نعتقد بنزوله احتياطًًا؟ وكيف تتجرأون على إنكار عقائد علامات الساعة؟ ألا تخشى أن تكون صحيحة؟

أولًا: كل علم يضع شروطًا للدليل الذي يطمئن إليه؛ فنقل فضائل الأعمال لا يتضرر من الشك والظن في السند؛ فلو وجدنا حديثًا ضعيفًا يدعو للصدق، فلا مانع من اتباعه رغم ضعفه. أما قوام العقيدة وبنيانها فلا يسمح بالظن والشك؛ فكيف أقول: أعتقد، أؤمن، أشهد بكذا، ومضمون الاعتقاد نفسه ظني ومشكوك في صحته؟!

ثانيًا: إن كل ديانة باطلة، وكل عقيدة منحرفة، وكل أسطورة وهمية، تستند على أدلة، لكن ظنية، وكلٌ يعزِّي نفسه بأن الظنون الكثيرة تقوي بعضها!

دعنا نلعب هذه اللعبة: مثلًا نجد اعتقادًا بأن الأهرامات قد بنتها كائنات فضائية، وأدلة ذلك: أن الأدوات المستخدمة لبنائها متطورة للغاية عن زمن بنائها، ورسومات فرعونية تشير لنقل الحجارة بطائرات، ووجود رسومات هندية تشير إلى الأهرامات، وهكذا يمكنني جمع عشرات الأدلة، كلٌ منها ضعيف، فهل تقبل هذا الاعتقاد احتياطًا؟!

ويستشهد الشيعة بعشرات الأحاديث وعشرات الكرامات التي تُثبِت ولاية علي وعصمة الأئمة الاثني عشر، لكن كلها أدلة ظنية، هل نتغاضى عن الظنية ونؤمن احتياطًا بذلك؟!

وكل أصحاب ديانة لديهم أدلتهم الظنية التي تثبت معجزات في دينهم، هل نؤمن بها احتياطًا؟!

ومن هذه الثغرة (الظنون) تملَّكت الأساطير والخرافات والأوهام من عقول البشر، يقول (جوناثان سميث): الحقيقة المرة أن أي كمية من الأدلة الظنية، مهما كانت آثرة وجذابة، لا يمكنها أبدًا الوفاء بالقدر الحاسم من اليقين. وقد آمن ملايين من البشر على مدى آلاف السنين، ولا يزالون يؤمنون بالسحرة والشياطين، بل قتلوهم، وكل ذلك بأدلة ظنية(28).

ويفضح (جوليان) هذه اللعبة بقوله: إن كان لديك 10 أدلة، كل منها يشير إلى نفس الحقيقة باحتمال 10%، فمجموعها لا يكون نتيجة مرجحة 100%، وإنما كل دليل يصل بمفرده إلى النتيجة بنسبة 10% كما هو(29).

ثالثًا: الإسلام قد داس بقدميه على كل خرافة ووهم، وأنكر على المشركين اتباعهم الظن، (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا).

إن العقلية التي بناها القرآن هي عقلية يقينية، منطقية، ناقدة، لا تتَّبع إلا الدليل الحاسم، فقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). ولو استشعر المسلم تلك المسئولية العالقة بالسمع والبصر والفؤاد، ما تلفظ باعتقاد إلا بعد ترصد أدلته.

ولذلك اتفق الفقهاء على قاعدة أصولية هامة: الدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال، سقط به الاستدلال. ولذلك اتفق علماء العقيدة على أن الآحاد لا يُؤخذ به في العقائد.

رابعًا: الأصل أننا لا نؤمن بشيء من الغيبيات ما لم تثبت بدليل يقيني، وبالتالي فالوضع الطبيعي والآمن والصفري هو الإنكار، ولا يُطالب المنكر بتقديم دليل. أما الإثبات فهو ما يحتاج إلى دليل. لذا فالإيمان بعقيدة قبل تحقق اليقين هو التجرؤ والتسرع المذموم.

هذا هو الوضع الطبيعي لأي اعتقاد، لكن عندما تؤمن الغالبية بشيء، يصبح المنكرون هم القلة الشاذة، التي تبدو متمردة على الأصل!

وبالتالي فالإيمان بعلامات الساعة، رغم إيمان الغالبية بها، لكن يظل عبء الدليل يقع عليهم، وإن لم يتحقق اليقين، نعود للوضع الأصلي الآمن: الإنكار.

إذًا فالإيمان بالظنون ليس من الورع، بل هو سذاجة، وثغرةٌ للخرافات، ومرتع للتناقضات، وتلاعبٌ بالعقيدة، واستخفافٌ بالعقول.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

1. (تفسير الطبري) ج6 ص457
2. (المحلى) ج1 ص43
3. (التحرير والتنوير) ج3 ص258
4. (الفتاوى) ص60
5. (كبرى اليقينيات الكونية) ص330
6. (تفسير المنار) ج3 ص260
7. (تفسير المراغي) ج3 ص169
8. (مقارنة الأديان – المسيحية) ص67، نقله عن (لواء الإسلام) العدد أبريل 1963 ص254
9. (مقارنة الأديان – المسيحية) ص68، نقله عن (لواء الإسلام) العدد أبريل 1963 ص258
10. (مقارنة الأديان – المسيحية) ص68
11. (التحرير والتنوير) ج6 ص25
12. (مجلة المنار) ج11 ص361
13. (التحرير والتنوير) ج26 ص242
14. (التفسير الكبير) ج8 ص224
15. (تفسير الألوسي) ج3 ص163
16. (تفسير الكشاف) ج1 ص559
17. (مجلة المنار) ج28 ص747
18. (مقارنة الأديان – المسيحية) ص66 نقله عن (لواء الإسلام) العدد أبريل 1963 ص262
19. (الفتاوى) ص61
20. (البرهان في أصول الفقه) ج1 ص321
21. (المستصفى من علم الأصول) ص215
22. (الإسلام عقيدة وشريعة) ص59
23. (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج5 ص542-545
24. (الإسلام عقيدة وشريعة) ص59
25. (في ظلال القرآن) ج30 ص4008
26. (كبرى اليقينيات الكونية) ص35
27. (مجلة المنار) ج28 ص747
28. (العلم الزائف وادعاء الخوارق) ص569
29. (حجج فاسدة) ص233
عرض التعليقات
تحميل المزيد