مسيا أو المسيح، المخلص، المُنقذ لبني إسرائيل، سيظهرعام 1648 ليقود اليهود إلى السيادة على العالم وإلى الرفاهية.

هكذا تحدثت بعض النصوص العبرانية، كانت تلك هي الشائعة التي ترددت في المجتمع اليهودي حول ظهور المسيح المخلص لهم من قمع الاضطهاد الديني الذي شهدته أوروبا لاسيما إسبانيا خلال القرن السابع عشر الميلادي، وهو ما سعى سباتاي زيفي لاستغلاله ليدعي كونه المسيح المرتقب، حيث خاطب تابعيه فقال «سلام من ابن الله (سباتاي زيفي) مسيح إسرائيل ومخلصها إلى كل فرد من بني إسرائيل: لقد نلتم شرف معاصرة مُخلص بني إسرائيل ومنقذهم، الذي بشر به أنبياؤنا وآباؤنا، فعليكم أن تجعلوا أحزانكم أفراحًا وصيامكم إفطارًا ولهوًا فلن تحزنوا بعد اليوم… ولا تهابوا شيئًا فإن حكمكم لن يقتصر على أمم الأرض بل سيتعداها إلى جميع المخلوقات في أعماق البحار، فكل هؤلاء مسخرون لكم ولرفاهيتكم». فقد بات للمُخلص تابعون، ويبقى السؤال من هو سباتاي؟

ولد سباتاي في مدينة أزمير غرب الأناضول عام 1626 من والدين يهوديين مهاجرين من إسبانيا فرارًا من الاضطهاد الديني حيث وجدت عائلته ملاذها داخل أراضي الدولة العلية، والده هو موردخاي زيفي الذي اشتهر بـ(مفتش الأسود) حيث كان سباتاي هو الابن الأصغر من بين ثلاثة أخوة.

تميز منذ صغره بالذكاء والطموح وحب المُطالعة لا سيما الكتب الدينية كما كان دائم التردد على دروس الحاخام اليهودي (إسحاق دالبا) وهو في الخامسة عشر من عمره، قرأ التوراة والتلمود كما برع في التفسير باستخدام الرموز والإشارات؛ مما أثار إعجاب الكثيرين من قومه به حيث طلاقته في الحديث والقدرة على التأثير في الآخرين دفعت الكثير للإقبال عليه والاستماع له، امتلك القدرة على تحضير الأرواح والسيطرة على عقول البسطاء، درس الكابالا؛ وهي مزيج من الفلسفة والتأويلات المرتكزة على السحر والشعوذة والتنجيم، حيث يتوارثها اليهود جيلًا من بعد جيل. يُذكر أن الكابالا شكلت رموز وتقاليد الماسونية؛ التي لم تكن سوي غطاء أو مسمى جديد لليهودية.

بحلول عام 1648 تحرك سباتاي نحو ادعاء كونه المسيح المنتظر حيث شاع النبأ بين المقربين إليه الذين صدقوه وآمنوا به، لكنه واجه معارضة رئيس حاخامات أزمير جوزيف إسكايا مع عدد من رجال الدين، حيث تقرر إحالته للمحاكمة وقد صدر بحقه الحكم بالإعدام.

سُرعان ما توجه سباتاي إلى إسطنبول حيث التقى بإبراهام أوسيني الذي عمل في تزييف الأوراق، إذ أعد له ورقة في صورة رسالة قديمة تتحدث عن اسم المسيح المنتظر «سباتاي زيفي» حملت عنوان «تفسير مزامير سليمان»، وهو ما أفضى لزيادة عدد تابعيه لكن التحذيرات التي أرسلها حاخام أزمير ليهود إسطنبول جعلته يلوذ بالفرار إلى مدينة سالانيك مركز دراسة علم الكابالا.

ظل سباتاي متنقلًا بين المدن حيث زاد عدد تابعيه، وقد أعلن بينهم عن اقتراب موعد الخلاص وقيام دولة إسرائيل في فلسطين، وهنا نتوقف قليلًا؛ فقد اعتبر أن ذلك الإعلان هو البداية الفعلية لسعي اليهود لتأسيس موطٍن لهم في فلسطين، وهو ما تبنته الحركة الصهيونية بعد ذلك. استمر سباتاي في التنقل من مكان لآخر لحشد أكبر عدد من التابعين، فجاء إلى مصر حيث التقى بأحد الصيارفة اليهود ويُدعى رفائيل جوزيف جلبي الذي صدق سباتاي ونبوءته، فراح يُغدق عليه الكثير من الأموال، وهو ما قام سباتاي بإنفاقها على فقراء اليهود لا سيما في فلسطين خلال زيارته إليها؛ مما ساهم بدوره في تعزيز مكانته الدينية،حيث استطاع خلق بيئة حاضنة له تُصدقه وتؤيده. وامتدادًا لحالة الخداع والنفاق التي صاحبت هذة الدعوة، ادعت فتاة بولندية تُدعي (سارا) عن رؤيتها لنور يسطع في منامها عام 1666، وزواجها من المسيح المنتظر، في محاولة منها للبحث عن الشهرة، وهو ما تعامل معه سباتاي؛ حيث ادعى أنه أوحي إليه بالزواج من (سارا)، فكان زواجهما في القاهرة.

عاد سباتاي إلى أزمير، ورغم المواجهات العنيفة التي واجهها مع حاخامات المدينة لكنها لم تحل دون وصول تابعيه إليه، حيث جاءت إليه الوفود من ألمانيا وصوفيا وأدرنه ورودس، حيث تُوجَ بتاج ملك الملوك حيث يقول «أنا سليل سليمان بن داود حاكم البشر والقدس قصر لي»، بات له مواعيد محددة ليلتقي تابعيه، كما بات يوقع رسائله بـــ(سباتاي زيفي الابن الوحيد والأول لله)، حيث قسم العالم لـ38 منطقة عُين على كُل منها ملك، وأمام عجز حاخامات اليهود للتصدي لسباتاي، تم اللجوء إلى الصدر الأعظم فاضل أحمد باشا؛ لكن لمَ لم تُقدم الدولة العلية للتدخل لإنهاء دعاوى سباتاي منذ الوهلة الأولى لها؟

لقد تعاملت الدولة العلية من منطلق الحرية الدينية التي تمتع غير المسلمين بها، وبموجب نظام الملل تُصبح المسألة دينية نأت الدولة بنفسها عن التدخل فيها؛ مما يعكس مدى التسامح الديني الذي كفله النظام العثماني «الإسلامي» لغير المسلمين، ومع شكوي رؤساء الملة جاء تدخل الدولة.

أُلقي القبض على سباتاي حيث سُجن في جناق القلعة، وهنا تجلى أمران، الأول؛ هو تزايد أعداد الزوار لسباتاي في محبسه، حيث عجزت إدارة السجن عن استقبال تلك الجموع، فُنقل لجناق القلعة، وكان من قبل في سجن (زندان قابي). أما عن الأمر الثاني؛ ظهور منافس جديد لسباتاي ادعى أن التوارة تحدثت عن ظهور مسيحيين مُخلصين وليس واحد، وكان المنافس الآخر هو ناحيم كوهين، الذي سارع مع احتدام المنافسة إلى التقدم ببلاغ ضد سباتاي يتهمه بالسعي لإقامة دولة يهودية داخل أراضي الدولة العلية، وهنا تدخل السلطان مُحمد الرابع (1648-1687م) لحسم الأمر.

نُقل سباتاي إلى قصر أدرنه حيث تشكلت لجنة لمحاكمته رأسها مصطفى باشا نائب الصدر الأعظم، كما كان من بين أعضائها شيخُ الإسلام (يحيى أفندي منقري زاده) إلى جانب إمام القصر السلطاني (محمد أفندي وانلي). فقد أنكر سباتاي عند مواجهته بادعاء كونه المسيح، إذ لجأ إلى المراوغة والمكر، حيث أعلن الحاخام اعتناقه للإسلام؛ فبات المُخلص (سباتاي زيفي) يُعرف بعد إسلامه بمُحمد أفندي عزيز (مُحمد البواب) حيث شغل منصب رئيس الآذنيين (الحُجاب).

وأرسل إلى تابعيه فقال «كيان سباتاي القديم صعد إلى السماء وبأمر من الله ترك ملكًا مستمرًا في كونه مسيح ولكن تحت جبة وعمامة»، وأشار كذلك إلى أن الكتب المُقدسة اليهودية قد ذكرت أن المسيح سيُتبع من قِبَل مسلمين؛ مما شكل تطورًا بالغ الأهمية خاصة عندما تقدم البواب بطلبٍ لمُفتي الدولة العلية؛ للسماح إليه بدعوة اليهود للإسلام، فانطلق بحرية تامة بين اليهود يستأنف دعوته ولكن في طورها الجديد؛ فهدفه تأسيس مذهبًا جديدًا ظاهره الإسلام وباطنه اليهودية الساباتائية، فكان نجاحه في تأسيس طائفته أو مذهبه المعروف بــ(الدونمة).

هذا وقد أطلق العثمانيون على هذة الطائفة اسم «الدونمة Donmeh » أي العائدون؛ انطلاقًا من كونها فئة هداها الله للإسلام، وهو لفظ تركي مكون من شقين؛ الأول «دو» تعني اثنين وهو مقطع فارسي الأصل، أما «نمة» فتعني الفرقة القائمة على نوعين من الأصول (اليهودي والإسلامي)، اندمج يهود الدونمة في المجتمع حاملين أسماء إسلامية، يقيمون شعائر الإسلام لكنهم أخفوا أسماءهم اليهودية كما أقاموا الطقوس اليهودية سرًا، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فنحن بصدد الحديث عن طائفة شكلت عنصرًا رئيسًا في تقويض الإمبراطورية العثمانية وإسقاطها. اندمج الدونمة في المجتمع العثماني، فسعوا بدعم من المجلس الأعلى لليهود لامتلاك المال والسلطة؛ أملًا في تحقيق غايتهم تجاه دولة (إسلامية) تعاملت معهم بقيم التسامح واحترام الآخر، وهو ما أكد عليه برنارد لويس في كتابه «إسطنبول وحضارة الخلافة الإسلامية» فوصف سلاطين الدولة العلية بالتسامح، كما تحدث عن حرية العبادة التي تمتع بها اليهود والمسيحيون أيضًا، كما تحدث أحد أبرز قادة الحركة الصهيونية حاييم وايزمان (1864-1952م) فقال:«… العالم الإسلامي يُعامل اليهود بقدر كبير من التسامح، فقد فتحت الإمبراطورية العثمانية أبوابها لليهود عندما طردتهم إسبانيا، ويجب على اليهود ألا ينسوا ذلك». هذا وقد أثبتت الأحداث أن اليهود لم ينسوا العرفان بالجميل للدولة العلية وسلاطينها، فكان التآمر لإسقاطها بشتى السبل وقد كان.

لم يهنأ سباتاي بكتمان يهوديته حيث تقدمت بلاغات للسلطات العثمانية، حيث تم إلقاء القبض عليه مع عدد من تابعيه (مُدعي الإسلام) داخل أحد المعابد اليهودية، وهم يؤدون الطقوس اليهودية، إذ تم نفيه لألبانيا عام 1673، وقد توفي عام 1675.

ورغم موته اعتاد تابعوه على التوجه لساحل بحر أو ضفة نهر والنداء بـ«سباتاي زيفي نحن بانتظارك – Sabatay Zevi esperamoativ».

انقسم الدونمة إلى ثلاثة فرق عقب وفاة المؤسس، فبات هناك اليعاقبة نسبة إلى صهر سباتاي الذي خلفه في رئاسة الجماعة وهو يعقوب جلبي، وهناك القاراقاشية (ذوي الحواجب السوداء) نسبة إلى عثمان بابا الذي ادعي أن روح سباتاي قد حلت بجسده، إلى جانب القابانجية نسبة لإبراهيم آغا حيث كان تابعو هذه الفرقة من طبقة المثقفين اليهود.

مات سباتاي لكن ما أسس له لم يمت، استمر الدونمة في السيطرة والتوغل داخل الدولة العلية آملين أن يتحقق ما وعدهم به سباتاي من إنشاء دولة لهم في فلسطين، فرغم اختلافهم كفرق لكن حُلم الدولة اليهودية شكل القاسم المشترك الذي جمعهم.

ومع تدهورالدولة العثمانية تكلل العمل الجاد للدونمة والذي التقى مع أهداف الصهيونية العالمية والماسونية، وقد كان عزل السلطان عبد الحميد الثاني خير مثال لنتاج هذا التعاون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

محمد قطب، يهود الدونمة.
هليلة بنت سعد السليمي، دور اليهود في إسقاط الدولة العثمانية، ص 24- 38.
ألهام محمود، «دور يهود الدونمة في انهيار الدولة العثمانية »، (مجلة كلية التربية الأساسية،جامعة بابل)، (العدد7)، (آيار/2012م)، ص 158- 159.
عرض التعليقات
تحميل المزيد