يضم الوطن العربي الكبير بين جنباته عددًا من الجامعات يقترب من 500 جامعة، وبعض الدول التي تتشكل غالبيتها من المسلمين – مِن غير العرق العربي – تحتوي على أعداد ضخمة من الجامعات، ففي تركيا ما يقارب مئتي جامعة، وفي باكستان أكثر من ذلك، أما إيران وحدها ففيها أكثر من 270 جامعة، وفي الكثير من هذه الجامعات تُمنَح الدرجات العلمية العليا، لنجد أوطاننا تعج بالمتعلمين، وفيها نسب ليست قليلة من حَمَلة الشهادات العليا، ليبرز هنا سؤال عن المهام المنوطة بهذه الأعداد؛ لماذا كل هذه الأعداد من الأكاديميين والحاصلين على شهادات عليا في هذه الدول؟

من المفهوم طبعًا ارتباط التعليم (كمتغير مستقل) بالعمل (كمتغير تابع) على المستوى الشخصي للأفراد، فيسعى الرجال والنساء للحصول على شهاداتهم من أجل وظيفة لاحقة، وهذا حق مشروع على المستوى الفردي، ولكن ماذا عن الحقوق الوطنية؟ والحقوق الإقليمية؟ وحقوق الهوية؟ فالقضايا الداخلية التي تعاني منها أوطاننا لا تعد ولا تحصى، والقضايا الخارجية أكثر تعقيدًا وشراسةً، وتحتاج التعليم من أجل فهمها والتعامل معها، فالتعليم سلاح يدافع به أصحاب الحقوق عن حقوقهم، ويقدمون قضاياهم الدولية من وجهة نظرهم ومفهومهم، وأبرزها بالطبع هي القضية الفلسطينية، التي يغيب عنها الأكاديميون تمامًا، وحتى إن حضروا يحضرون بخطاباتهم التعبوية والأخلاقية – وهي مهمة، ولكنها لا تناسب الأكاديميا كثيرًا – ونكاد لا نجد خطابًا تحليليًا أو تفكيكيًا يجيب لنا كقراء عما يجول في أذهاننا من أسئلة، ولديَّ هنا مثال مهم/ جدًا، وهو الموسوعة اليهودية.

والموسوعة – كما يُعرّفها قاموس أكسفورد – كلمة لاتينية تشير إلى «كتاب أو مجموعة من الكتب تعطي معلومات عن عدة مواضيع أو عدة جوانب من موضوع واحد، وغالبًا يتم ترتيبها أبجديًا»، وعايه فإن الموسوعة اليهودية تتناول «الشأن اليهودي» من جانب واحد أو من عدة جوانب بحسب الموسوعة، لإن هناك العديد من الموسوعات التي تناولت «الشأن اليهودي»، وكانت أقدم الموسوعات اليهودية تلك التي بدأ العمل عليها الحاخام إسحق لامبرونتي في منتصف القرن الثامن عشر في إيطاليا، وصدرت عام 1888 في 13 جزءًا، ثم قدّم الحاخام الألماني جاكوب هامبرجر موسوعته نهاية القرن التاسع عشر باللغة الألمانية، وفي عام 1906، أنهى جوزيف جاكوب عمله على أول موسوعة يهودية باللغة الإنجليزية، واسمها The Jewish Encyclopedia أو الموسوعة اليهودية، والمكوَّنة من 12 جزءًا، ثم تتالت الأعمال باللغة الإنجليزية، فجاء إسحق لاندمان وقدَّم The Universal Jewish Encyclopedia أو الموسوعة اليهودية العالمية عام 1943 في 10 أجزاء، ثم جاء سيسل روث وجفري وجودر عام 1958 وأصدرا The New Standard Jewish Encyclopedia أو الموسوعة اليهودية النموذجية الجديدة، في جزء واحد، ثم نُشِرَت The Encyclopedia of Zionism and Israel أو موسوعة الصهيونية وإسرائيل لرافييل باتاي عام 1971، وبعناية واهتمام زلمان شازار، الرئيس السابق للدولة الصهيونية، وقد نالت اللغة العبرية نصيبها من التأليف الموسوعي اليهودي، فصدرت الموسوعة العبرية، والمكوَّنة من 31 جزءًا على مراحل مختلفة بين عامي 1941 و1971.

والموسوعات السابقة تناولت جوانب من «الشأن اليهودي»، فلم تكن الموسوعة اليهودية شاملة بمعناها الحقيقي، حتى صدور Encyclopedia Judaica أو الموسوعة اليهودية، عام 1972، وقد نُشِرَت بطبعتها الثانية عام 2007، وهي طبعة مكونة من 22 جزءًا، وتزيد على 17 ألف صفحة، والموسوعة اليهودية اختبارٌ قاسٍ لأنها على الرغم من تناولها لكل الجوانب اليهودية تقريبًا، مثل؛ الأدب والموسيقى والتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة والسياسة والاقتصاد، إلّا أننا لا نجد دراسات عربية حقيقية – ينطبق عليها شروط الدراسة العلمية – تتناول الموسوعة اليهودية، أو جانبًا ما من جوانبها، أو تترجمها للقارئ العربي، باستثناء العمل الموسوعي المضاد الذي قدمه عبد الوهاب المسيري عام 1999، وهو موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، في ثمانية مجلدات، ولعل ما يدعو للشفقة أكثر على حال الأكاديميا العربية أن المسيري تلقى تعليمه العالي خارج حدودها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات