عندما نفكر في الهوية اليهودية السفاردية في شمال إفريقيا، يخطر ببالنا تاريخ الأندلس، فنتذكر قرطبة وغرناطة وطليطلة، ونفكر في الثقافة اليهودية الإسبانية واليهودية العربية. ولكننا لا نتذكر الوجود اليهودي في وليلي (المدينة البربرية التي حكمها الرومان)، ولا الوجود اليهودي في قرطاج. لكننا نميل إلى التركيز بشكل أساسي على تجربة اليهود في أيبيريا في ازدهارها وانهيارها وانتقالهم إلى شمال أفريقيا. ومع ذلك، أحيانًا ننسى عمق الهوية اليهودية في شمال أفريقيا.

 

دائمًا ما ننسى تأثير العنصر الأمازيغي على هذه الهوية، رغم أنه شيء بالغ الأهمية لأن الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال أفريقيا. يمكننا القول إن تأثير الأصول الأمازيغية على الهوية اليهودية في شمال أفريقيا أكثر أهمية من التأثير الأندلسي، لماذا؟

 

حسنًا، لم يظهر اليهود بطريقة سحرية في شبه الجزيرة الأيبيرية، هم كانوا يعيشون في شمال أفريقيا لفترة طويلة قبل ازدهارها الأندلس، وتشير النظريات إلى أن الكثير من اليهود الأمازيغ هم في الواقع مؤسسو المجتمع اليهودي الأيبيري وخاصة في العهد الإسلامي لأسبانيا.

 

ورغم أنني شخص ذا جذور يهودية سفاردية من شمال أفريقيا، لم أكن أفكر في البداية أني “أمازيغي” أو أن لي “جذور أمازيغية”، حتى بدأت دراسة تاريخي وتاريخ أهلي في شمال أفريقيا، فعرفت أن الأمازيغية جزء منّي، وأصبحت فضوليًا وأردت أن أعرف المزيد. أردت أن أنغمس في الثقافة الأمازيغية، كنت أرغب في إعادة اكتشاف نفسي واكتشاف جذوري بقدر أكبر.

 

في الأسبوع الماضي، أُتيحت لي فرصة المشاركة في احتفال يناير السنوي في بوسطن، حيث دعاني أصدقائي المغاربة وأرادوا مني الحديث في هذا الاحتفال باعتباري يهودي أمريكي من أصول شمال أفريقيّة. قبلت الدعوة وكان لي شرف الحديث والمشاركة في هذا الحدث الذي يحتفل بتاريخ الأمازيغيين الذي يمتد لآلاف السنين. بمجرد وصولي مع أصدقائي المقربين ـ وهم من منظمي الاحتفال أيضًا ـ تم استقبالي بحرارة.

 

كانت ليلة مليئة بالطعام والموسيقى والرقص والأنشطة الثقافية والتواصل الاجتماعي. حضر ما يقرب من 300 شخص من جميع جنسيات شمال أفريقيا. وكان أفضل شيء في هذا اليوم هو رؤية كيف للهوية الأمازيغية المشتركة أن تتجاوز الحدود السياسية وتجمع أشخاصًا ذوي خلفيات مختلفة تحت سقف واحد. المغاربة والجزائريون والليبيون والماليون وغيرهم مجتمعون للاحتفال بتاريخ وحضارة مشتركين. لقد بدأت فهم عالّمية هذه الهوية واحتوائها لجميع الناس بغض النظر عن الدين والجنسية والعرق.

 

هذه الوحدة القوية كانت ملهمة لي وجعلتني أشعر بأنني جزء من مجتمع أكبر. لم يكن حدثًا مغربيًا ولا جزائريًا، وإنما كان احتفالًا شمال أفريقيّ وهذا ما جعله مميزًا. خلال المساء، أُتيحت لي الفرصة للقاء أشخاص جدد واستكشاف هويتي الشمال أفريقيّة بشكل أعمق. المجتمع الأمازيغي الأمريكي شاركني بجزء من تراثي وهويتي وهذا ما جعل تجربتي أكثر فائدة. وفي المساء، في نهاية الاحتفال، جاء دوري للحديث أمام الحشد. كنت متوترًا بالتأكيد، لأني كنت اليهودي الوحيد في غرفة تضم ما يقرب من 300 أمازيغي مسلم ذوي جنسيات مختلفة.

 

جاء دوري لأتحدث عن 2000 سنة من التاريخ اليهودي الشمال أفريقي وعلاقته بالتعددية الأمازيغية. لذا بدأت التحدث كيهودي شمال أفريقي، تحدثت من قلبي فخرج الكلام بشكل سلس وجميل. وأعربتُ عن امتناني لجهود المجتمع الأمازيغي الأمريكي لتسليط الضوء على حضارة شمال أفريقيا، وتحدثتُ عن أنّ هذا الحدث جعلني أكثر فخرًا بهويتي.

 

كشخص من أصول شمال أفريقيّة سفاردية، عبرّت عن مدى حبي وانتمائي  للجزء الأمازيغي في هويتي، وأخبرتهم عن مدى سعادتي للتواصل مع أمازيغيين من شمال أفريقيا. ذكرت أنه: “عندما تم نفي اليهود من الشرق الأوسط خلال العصر الروماني، تفرقوا في كل مكان، ولكن الأمازيغيين هم من رحبوا بنا على أرضهم وجعلونا نشعر بمعنى الوطن، لقد شعرنا بكوننا في وطننا على مدار 2000 عامًا”.

 

هلّل الحشد لهذه الكلمات، وشعرتُ بفخر كبير لتداخل التاريخ اليهودي مع التاريخ الأمازيغي. بعد التدفق اليهودي إلى شمال أفريقيا، شعر اليهود بانتمائهم للهوية الأمازيغية. كان هذا قبل تواجد اليهود في الأندلس بقرون، وقبل تواجد اليهود في أي مكان آخر في أوروبا. كانت هذه بداية واحدة من أقدم الطوائف اليهودية المهاجرة في العالم، وكان هذا في قلب الأراضي الأمازيغية في شمال أفريقيا. بالنسبة لي، هذا التاريخ يجعلني أكثر قربًا للأمازيغيين. نسيان الجذور الأمازيغية لهويتي هو بمثابة إنكار لأَصلي. لم أعد أعتقد بأن التراث الشمال أفريقيّ هو أندلسي فقط، ولكني أدركت أنه أعمق من ذلك بكثير.

 

إن جذوري التي تعود لشمال أفريقيا تسبق الحقبة اليهودية العربية و اليهودية الأسبانية. أجدادي كانوا من اليهود الأمازيغ! لقد شعرت بالقرب لأصولي المغربية وأصولي الشمال أفريقيّة عندما اكتشفت جذوري الأمازيغية. وفي نهاية الاحتفال برأس السنة الجديدة، سألتُ صديقتي سناء عن سبب هذه الوحدة والترابط بين أهل شمال أفريقيا فقالت لي: “العَلَم الأمازيغي هو ما يجعلنا معًا تحت سقف واحد. هذا العَلَم يُذكِّرنا بأننا جميعًا إخوة من أصل مشترك بغض النظر عن الجنسية”.

 

أتمنى أن يقوم المزيد من أهل شمال أفريقيا بالتعرف على الثقافة الأمازيغية والاحتفال بتراثهم الأمازيغي لأن هذا التراث المشترك هو ما يقربنا جميعًا من شمال أفريقيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد