لم يكن مسلسل حارة اليهود، الذي يذاع في رمضان هذا العام على قنوات مصرية عدة، أولى حلقات بعض أقطاب الإعلام المصري في الدفاع عن الكيان الصهيوني ومحاولات تغيير الصورة الذهنية عنه كالعدو الأول للعرب والمسلمين، ولا سيما بعد الانقلاب العسكري في مصر في الثالث من يوليو 2013، فقد سبقه مراحل عدة سياسية وعسكرية واقتصادية وأمنية تمت بإشراف الولايات المتحدة وبتنفيذ الأنظمة العسكرية المستبدة التي نشأت في دولنا العربية بانقلابات عسكرية متزامنة مع قيام دولة لكيان الاحتلال في أربعينيات القرن الماضي. وكل هذا بهدف تثبيت هذه الدويلة الجديدة الغريبة عن نسيج المنطقة ومحيطها العربي والإسلامي في القلب منه!

وحتى نفهم خطة الغرب في غرس هذه الدويلة العنصرية في فلسطين الحبيبة، فإننا نشبه هذه العملية الاستيطانية الكولينالية بعمليات زرع الأعضاء التي يقوم بها الأطباء في العصر الحديث، في جسد مريض آخر، والتي تمر بثلاثة مراحل ضرورية.

1-    إعطاء عقار الكورتيزون، وخفض مناعة الشعوب:

حين يقوم الأطباء بزرع عضو في جسم غريب عنه (كزرع كبد أو كلية لمريض يحتاج نقل أحد هذه الأعضاء إليه) يقومون في البداية وتزامنا مع عملية الزرع بإعطاء المريض جرعات عالية ومستمرة من عقار الكورتيزون، تستمر لفترات طويلة بعد العملية، وهو العقار الذي من شأنه خفض معدلات مناعة الجسم بصورة ملحوظة، حتى لا تهاجم المناعة العضو الجديد المنقول إلى الجسم والمزروع فيه،  لأن الجسم يرى هذا العضو نسيجا غريبا يجب مهاجمته.

لذا فإن المريض الذي تعرض لعملية زرع أعضاء يجب عليه الاحتراس من التعرض لنزلات البرد لأن مناعته تكون ضعيفة للغاية، وقد يتسبب ذلك في مضاعفات خطيرة قد تتسبب في موته، بالضبط كما جاء في فيلم جري الوحوش، حيث تعرض نور الشريف لمضاعفات خطيرة بسبب ضعف مناعته نتيجة جرعات الكورتيزون التي أخذها عقب العملية التي أجريت له.

وفيما يخص إنشاء دولة للكيان الصهيوني، فقد شهدت المنطقة العربية تزامنا مع إنشاء هذه الدويلة انقلابات عسكرية موالية للغرب، وصلت للحكم بالحديد والنار، في فترة الأربعينيات والخمسينيات (انقلاب مصر 1952- 1954، انقلابي سوريا 1947 – 1949)

كان الهدف من هذه الانقلابات منع الشعوب العربية من مهاجمة الدويلة الجديدة قبل أن تستقر وتثبت قدميها، وبالفعل فقد أجهضت الجيوش العربية المحاولات الشعبية للدفاع عن المسجد الأقصى وكل فلسطين، فكان كلما حررت الكتائب التابعة للإخوان المسلمين بلدة وسلمتها للجيوش العربية، كانت الجيوش العربية تسلمها للصهاينة!

وبعد حرب 1948 لم تطلق الجيوش العربية التي تسببت في الهزيمة طلقة واحدة على إسرائيل، بل كانت تل أبيب دوما هي من تختار مكان وتوقيت المعركة!

2-    التطبيع:

وبعد فترة من عملية زرع العضو في الجسم، ومع استمرار إعطاء جرعات عالية من الكورتيزونات، يبدأ الجسم في الاستسلام للأمر الواقع، والتعامل مع العضو الجديد بصورة طبيعية!

أي تكون نقطة التحول هنا التي تحدث للجسم هي أنه لم يعد يرى العدو على أنه عدوا! وهذه هي المرحلة الثانية في خطة زرع إسرائيل في المنطقة، فقد بدأت أكبر دولة عربية “مصر” في الاعتراف بإسرائيل، لتخرج بذلك من دائرة الصراع ويتم تهميش دورها كثيرا.

ورغم ردة الفعل الغاضبة من بعض الدول العربية، وقرار مقاطعة مصر سياسيا، فقد هرولت لاحقا لتسير في نفس الطريق (اتفاقية وادي عربة التي أجرتها الأردن مع إسرائيل، ومن قبلها اتفاقية أوسلو التي وقعتها السلطة الفلسطينية ذاتها!)

وهنا لابد من الإشارة إلى قصيدة أحمد مطر التي يصف بها هذا “الثور” الذي فر من حظيرة البقر، فثاروا عليه ثم لم يلبث أن تبعه “باقي الحظيرة” حين قال: وبعد عام وقعت حادثة مثيرة.. لم يرجع الثور ، ولكن ذهبت وراءه الحظيرة!

3-    العناق الإستراتيجي : Interdependence

بعد فترة لا يكون الجسم قد اعتاد فقط على العضو الجديد ولا يراه عدوا، بل يبدأ في الاعتماد عليه في القيام بالوظيفة التي كان العضو القديم مقصرا فيها، وهنا ذروة النجاح لعملية تثبيت هذا العضو.

وهذه هي المرحلة التي وصلت إليها مصر وبعض الدول العربية (الأردن – الإمارات – السلطة الفلسطينية – ودول أخرى بدرجات متفاوتة). فلم يعد الأمر تخليهم عن الراية وخروجهم من الصراع فحسب، بل صاروا أقرب إلى المحتل الإسرائيلي، يدافعون عنه ويعطون غطاء سياسيا لجرائمه، وينتقدون المقاومة حتى وصل الأمر باعتبار حركات المقاومة إرهابية!

ليس هذا فحسب، بل صارت الاستخبارات المصرية والعربية تحاول جاهدة معرفة مكان الجندي الصهيوني الأسير، وتطالب تل أبيب بعدم التعجل في عقد صفقات مع حماس لا يخرج مئات الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال!

صارت القاهرة تستغل قهر الجغرافيا الذي أحوج الفلسطينيين إلى معبر رفح كمعبر وحيد مع دولة عربية وليس مع إسرائيل، فظلت تحاصر الفلسطينيين وتمنع عنهم المال والغذاء والدواء والسفر للعلاج، وصارت تحاصر المقاومة جنبا على جنب بالتعاون مع كل من أمريكا وإسرائيل، تارة بتثبيت كاميرات على أراضيها، وتارة ببناء جدار عازل بين مصر وقطاع غزة – الذي تم احتلاله سابقا وهو تابع للسيادة المصرية! – وها هو السيسي يعين سفيرا جديدا لمصر في تل أبيب في الوقت الذي يتم فيه الهجوم على المقاومة الفلسطينية إلى حد اعتبارها إرهابية!

انتهى الأمر بمصر في عهد عبد الفتاح السيسي إلى تهجير أهل سيناء إرضاء لعيون إسرائيل، رغم تقارير سابقة من المخابرات الحربية بضرورة التعاون مع حماس، ورغم تصريحات سابقة للسيسي نفسه يقول إن التعامل الأمني العنيف مع أهالي سيناء يقود لسيناريو مماثل لانفصال جنوب السودان!

فهل يا ترى جاء السيسي بهذا السيناريو، أم أنه مستعد للمزايدة على كل من سبقوه وفعل أي شيء إرضاء لتل أبيب لأجل تثبيت انقلابه؟؟

إن مسلسل كحارة اليهود أنتجته شركة مصرية وقام بتأليفه شخص سبق وأن كتب أغنية “ليكو رب ولينا رب”، وقام بالتمثيل فيه ممثلون مصريون وعرب، لهو درة التغلغل الصهيوني في المجتمع المصري، وهو الأمر الذي أدى احتفاء السفارة الإسرائيلية في القاهرة بالمسلسل، وإعلانها متابعته من داخل السفارة في الجيزة، وكذلك قناة I24  الصهيونية الناطقة بالعربية! مما يؤكد مجددا أن الصراع لم يكن قط حول برلمان أو حكومة أو دستور، أو ضد رئيس أو جماعة، وإنما انتصارا للصهاينة العرب على المقاومين العرب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد