في الفصل الثالث المعنون بالشركة اليهودية، الذي يغلب عليه الطابع الاقتصادي، يقول هرتزل «ستتأسس الشركة اليهودية كشركة مساهمة خاضعة للقوانين الإنجليزية، وتحت حماية إنجليزية، ومركزها الرئيس لندن، وهي منظمة ذات طابع انتقالي، وتقتصر على الأعمال التجارية، وستبني مساكن للعمال بأسعار رمزية».

يبدي هرنزل رأيه في المقايضة «بشكلٍ عام أنا أعارضُ نظام المقايضة، بيد أنه لا مفر من تطبيقه على المستوطنين الأوائل»، وعن عدد ساعات العمل يقول «لدى قناعة تامة بأن نجاح العمل المكون من سبع ساعات أمرٌ يمكن تحقيقه، وبعد التحقق من نجاعته سيتم تطبيقه في دولتنا المستقبلية بصفته يوم العمل القانوني والقياسي»، وبخصوص العاملين لمدة أطول من سبع ساعات قال «بأنهم يستحقون أجرًا إضافيًا نقديًا مقابل هذا العمل الإضافي، ولن يسمح به إلا بشهادة طبيب ولمدة ثلاث ساعات»، وعن عمل المرأة قال «لن يسمح للمرأة بالعمل الشاق، ولا بالعمل الإضافي، وسترتاح المرأة الحبلى من أي أعمال».

وعن نظام الإعانة عن طريق العمل يذكر هرتزل أن المقصد منه «منع هؤلاء الأفراد من ارتكاب الجرائم بسبب الحاجة من خلال إمدادهم بعمل، واختبار رغبتهم في القيام به، بالرغم من أن ذلك قد يكبد المؤسسة الخيرية خسائر، لكنها في الوقت نفسه تحول المتسول عديم الفائدة إلى شخص يكسب قوه بشرف».

وعن الصناعة يؤكد على ضرورة تشجيع روح المغامرة في إنشاء المشروعات بكل السبل الممكنة، سيتم تنظيم الصناعات عن طريق وضع نظام حكيم من الواجبات، واستخدام المواد الخام الرخيصة، وتشكيل هيئة لجمع ونشر الإحصاءات الصناعية.

وعن أهمية المال يقول مؤكدًا: إن قوتنا السياسية المستترة تكمن في قوتنا المالية، وهي القوة التي يؤمن أعداؤنا بشدة فعاليتها، ثم يذكر أساليب زيادة رأس المال، وهي عن طريق البنوك الكبيرة، عن طريق البنوك الصغيرة والخاصة، عن طريق الاكتتاب.

أما الفصل الرابع الذي حمل اسم الجماعات المحلية، يتحدث هرتزل في مقدمته: من الأرجح أن هذا الجزء من خطتي سيعتبر ضربًا من خيال، غير أن هذا ممكن وحقيقي، بالرغم من أنه سيبدو الآن غامضًا، وبدون هدف ستجعل الشركة منه أمرًا منطقيًا، حيث أكد على ضرورة الهجرة في مجموعات من أسر وأصدقاء، وأكد أنه سيكون لكل جماعة الحبر الخاص بها، تسافر في زمرته، ثم تختار كل جماعة محلية حبرها الخاص بها، وسيكون لكل مكان قائده الديني، وسيكرس أحبارنا طاقاتهم لخدمة فكرتنا؛ فيلهمون تجمعاتهم بها من خلال منابر الوعظ، وسوف تصلي إسرائيل من أجلنا ومن أجلها.

وعن طريقة اختيار الأعيان يقول: ستقوم كل المجموعات المحلية بتعيين لجان محلية لها تحت رئاسة الحبر لمناقشة الشئون المحلية والفصل بها. وبخصوص النظام الإداري الذي سيتبع يقول هرتزل: أما مبدأ الإدارة الذي سننتهجه فهو المركزية التامة لحكم المجموعات المحلية الذاتي، ولم يفت هرتزل الحديث عن الموارد البشرية؛ حيث قال: الغالبية العظمى من رجال الأعمال اليهود يعنون بتعليم أبنائهم تعليمًا عاليًا، ومن ثم يتحقق ما يسمى تهويد كل المهن الفكرية.

وبخصوص العادات والتقاليد يتساءل هرتزل: هل تعبتر الإشارة إلى عادات وتقاليد الإنسان العادي وراحته البسيطة، متماشية مع الطبيعة الجادة لهذا الكتيب؟ يجيب: أظنها كذلك، وهي غاية في الأهمية. ويضيف: إن من له أية معرفة بالعالم، فإنه من السهل نقل مثل هذه العادات اليومية البسيطة، فنجد فنادق إنجليزية في مصر، ومسارح فرنسية في أوروبا، وعندما نرحل من مصر ثانيًا، فلن نترك أماكن اللهو خلفنا، وهنا يريد هرتزل التأكيد على تشبيه رحلة اليهود من أوطانهم إلى فلسطين برحلة بني إسرئيل من مصر مع نبي الله موسى.

في الفصل الخامس والأخير من الكتيب يتطرق هرتزل إلى مسائل تعتبر من العناصر المهمة المكونة لأية دولة:

1_ الدستور: يؤكد هرتزل أن أحد مهام الجمعية اليهودية تحديد مجلس علماء الخبراء القانونيين لصياغة أفضل ما يمكن من الدساتيير الحديثة، ويبدي رأيه في طبيعة الدستور: يجب أن يتسم الدستور الجديد بالمرونة، وأعتقد أن الملكية الديمقراطية والجمهورية الأرستقراطية هي أفضل أشكال الدولة حيث يتناقض فيهما شكل الدولة، ومبدأ الحكومة؛ مما يحفظ توازن القوى، وأنا من أشد المؤيدين للمؤسسات الملكية؛ لأنها تسمح بالسياسة المتواصلة. ويعبر عن عدم ثقته في الفضيلة السياسية لليهود، ويبرر ذلك: أولًا: إننا لسنا أفضل من بقية الإنسانية الحديثة، ثانيًا: لأن الحرية ستجعلنا نظهر صفاتنا القتالية في المقام الأول.

2_ اللغة: يقول هرتزل: يمكن لكل شخص الاحتفاظ باللغة التي يتحدث بها في وطنه، وسنظل في الدولة الجديدة على ما نحن عليه هنا، ولكننا سنتوقف عن استخدام المفردات الوضيعة الخاصة بالأقليات اليهودية التي ما زلنا نستعملها؛ لأنها كانت اللغات السرية للمساجين، ثم سيتم اختيار اللغة التي ثثبت أنها أفضل وسيلة للتواصل العام لتكون اللغة القومية.

3_الحكومة الدينية: يتساءل هرتزل: هل سينتهي بنا المطاف لحكومة دينية؟ يجيب: في الواقع لا، وسنحول دون محاولة أية نزعات دينية من قبل الكهنة لاحتلال المقدمة، وسيبقى الكهنة داخل معابدهم، والجيش في ثكناثه، ولهم الاحترام الذي تستحقه وظائفهم، لكنهم لن يتدخلوا في إدارة الدولة؛ لأنها امتياز أعلى منهم.

4_ القوانين: يقول هرتزل: عندما تبدأ فكرة الدولة دخول حيز التنفيذ؛ ستقوم الجمعية اليهودية بتعيين هيئة من الخبراء القانونين للقيام بأعمال التشريع التمهيدية، وأثناء الفترة الانتقالية تجب مراعاة معاملة كل مهاجر يهودي طبقًا لقوانين البلد التي هو منها، ومن ثم العمل على استحداث توحيد لهذه القوانين المختلفة.

5_ الجيش: تعبتر الدولة اليهودية دولة محايدة، لذا فإنها تحتاج لجيشٍ محترف يكون مجهزًا بكل معدات الحرب الحديثة؛ لحفظ النظام داخليًا وخارجيًا.

6_ العَلم: يقترح هرتزل أن يكون العَلم: أبيض به سبع نجوم ذهبية اللون، ترمز المنطقة البيضاء إلى حياتنا الجديدة النقية، بينما ترمز النجوم إلى الساعات الذهبية السبع التي يتكون منها يوم عملنا؛ لأننا سوف نسير إلى الأرض الموعودة حاملين شارة الشرف.

يبقى القول بأن كتاب الدولة اليهودية هو كتاب احتوى على ارشادات بعضها تفصيلية، وبعضها ظهرت كأنها خطوط عامة تتغير حسب ظروف الزمان، لكن كان الكتاب ينم عن عقلية ونفسية شخص مصمم على فكرته وتحقيقها مهما كانت المعوقات. انتهى الحديث عن كتاب الدولة اليهودية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد