يكتمل بيت القصيد بشطريه، فالأرض الجرداء بلا شعب، يلزمها شعب خصب بلا أرض. وهذا الشطر الأخير كان محل إدعاء مكذوب آخر مفاده أن اليهود شعب ثري، يعيش بلا أرض يقيم عليها دولته. فبعد أن أشاعت الصهيونية أن فلسطين صحراء جرداء، قد هرب منها سكانها، أصبحت مشاعًا، وتقدم الشعب اليهودي ليضع يده عليها. وينطلق إيلان بابي البروفيسور الجامعي الإسرائيلي ليطرح سؤالًا مهمًا يرد على الخرافة من بدايتها: هل كان اليهود شعب بالفعل؟

الشعب هو كيان من البشر يعيشون ضمن إطار ثقافي وتراث وعادات تجعل منهم مجتمعًا واحدًا على بقعة معينة من الأرض، تتشابه طرائقهم وعلاقاتهم الإجتماعية، وبينهم عقد اجتماعي يتمخض عن نظام سياسي يحكم هذا الشعب، ويبقى هؤلاء شعبًا حتى لو تفرقوا في الأرض، كمثل الشعب السوري بكل طوائفه، فمهما تفرق في بقاع العالم، سيظل يسمى بالشعب السوري، ويمكن أن يعود يومًا ليلتئم شمله على أرضه المعروفة للجميع.

بينما الأمة هي جماعة من الناس لها مصالح وغايات مشتركة، وتربطهم لغة وتاريخ ودين مشترك، وقد ينحدرون من عرق واحد، وقد يكونون متفرقين بين بقاع مختلفة من الأراضي وضمن شعوب متفرقة، لكن من أهم سمات الأمة، أنها لا تخضع لنظام سياسي واحد. ووفقًا لذلك، فاليهود لم يكونوا أبدًا شعبًا يبحث عن أرض، بل هي أمة متفرقة لهم جماعة متخيلة، كثيرون جدًا من عناصرها لم يلتقوا أبدًا في حياتهم، رغم اتباعهم لنفس الطقوس في ديانتهم.

لكن اليهود حول العالم كانوا مجموعة من الأشخاص، توحدهم مغالطة مشتركة حول حقيقة أصلهم، والكره المشترك أيضًا لجيرانهم ومحيطهم. وكان على أصحاب المصالح أن يصبغوهم بصفة الشعب، حتى يمهدوا للمطالبة بحق التجمع على أرض فلسطين. ويقول شلومو ساند أستاذ التاريخ الإسرائيلي بجامعة تل أبيب ومؤلف كتاب: (اختراع الشعب اليهودي) إن العالم المسيحي ولمصالحه الخاصة في لحظة معينة من التاريخ الحديث؛ أيد بقوة فكرة أن اليهود كأمة يجب أن يعودوا يومًا ما إلى الأرض المقدسة، وأن هذه العودة ستمثل جزءً من الترتيب الإلهي لنهاية الزمان، متزامنة مع إحياء الموتى وعودة المسيح.

كان هناك توافق في العالم المسيحي الغربي على استغلال الحركة المناهضة والمشاعر العدائية ضد اليهود في أوروبا وتوجيهها نحو التخلص منهم بتوطينهم في الأرض المقدسة. واتحدت الرؤى الاستراتيجية مع المعتقدات الدينية؛ لتتحول إلى برنامج فعلي لاحتلال الأرض، وإحلال المهاجرين محل السكان الأصليين. وفي بريطانيا الفيكتورية خلال عشرينات القرن التاسع عشر، ظهرت حركة تسعى لما يسمى بعودة اليهود إلى فلسطين، وكانت جزء من خطة استراتيجية كبيرة للسيطرة على فلسطين وتحويلها إلى كيان مسيحي بالكامل.

وآمن قادة تلك الحركة بفكرة أن وجود اليهود وتوطينهم في فلسطين سيؤدي إلى خلق أغلبية غير مسلمة، ترتبط بمصالح مع الغرب المسيحي وتضمن بقاء الأرض المقدسة إلى الأبد في أحضانه، ويقول المؤرخون اليهود الجدد إن الصهيونية كانت مشروعًا مسيحيًا للاحتلال قبل أن يكون يهوديًا، لكن التاريخ ومسار الأحداث أثبت أن مسيحيي فلسطين قاسوا الويلات تحت حكم اليهود.

هذا الخليط المتفجر بين بين الحمية الدينية والنهم الاستيطاني والمصالح السياسية؛ منذ منتصف القرن التاسع عشر، وحتى تتويجه بوعد بلفور عام 1917، لم يكن لينجح لولا الاحتلال البريطاني لفلسطين، وتوفيره الموارد والدعم اللوجيستي والعسكري والحماية لهجرة اليهود من حول العالم إلى فلسطين العثمانية، وانطلقت في بريطانيا الدعوات لنصرة وتمويل شعب الله المختار.

ورفعت الخارجية البريطانية التقارير إلى الهيئة الملكية أن اليهود يمكن أن يلعبوا دورًا كبيرًا ضد الدولة العثمانية والعمل على إسقاطها، واستكمال المشروع الرئيس للسياسة الخارجية البريطانية بالمنطقة العربية. وأرسل اللورد بالمرستون وزير الخارجية إلى السفير البريطاني في تركيا يطلب منه إقناع الدوائر العثمانية بمدى أهمية توطين اليهود في فلسطين، وأن الموارد المالية الضخمة التي سيجلبونها معهم ستوفر مصادر ودعمًا ماليًا كبيرًا للخزانة السلطانية. كانت خطة خداع كبيرة ومحنكة، وانطلت بسهولة على القادة العثمانيين.   

محمد علي الكبير حاكم مصر في ذلك الوقت، كان يمثل تحديًا كبيرًا للسلطة العثمانية، وجيوشه تهدد العرش السلطاني نفسه، لذا استغل الوزير البريطاني ذلك في التلميح إلى السلطان بأن قوة اليهود في فلسطين ستكون مضافة إلى القوة العثمانية في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية أمام الإمبراطورية العثمانية. كانت الصهيونية متحالفة مع الإمبريالية البريطانية والحركات الدينية المسيحية، وحتى مع المنادين بطرد اليهود من أوروبا، لتتكتل كل الجهود نحو ابتلاع فلسطين ومحو هويتها.

ويظهر مستقبل الأرض المقدسة جلياً في حديث زوجة وزير الخارجية البريطاني، في رسالتها لأحد أصدقائها، أن التصميم المطلق لدى الجميع في ذلك الوقت جعل القدس وكامل فلسطين أرضًا يهودية، وموئلًا لعودة كامل اليهود إليها. كانت تلك الأفكار التي سيطرت على النخبة البريطانية والأوروبية ما تطور طبيعيًا فيما بعد إلى تبرير محاولات محو وإنكار الوجود للشعب الفلسطيني الأصلي.

ويؤكد المؤرخون الجدد أن إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من الوثائق البريطانية الرسمية النادرة، وتحديدًا الخاصة بالأميرالية البريطانية والجيش والحكومة التي عاصرت فترة ما قبل وأثناء وبعد إعلان بلفور، كشفت أن حماسة المسيحيين المؤيدين للصهيونية لفكرة الرعاية البريطانية لعملية الاستعمار في فلسطين، كانت أكبر بكثير من حماسة الصهاينة أنفسهم. وأن النقطة الأساسية في جميع الأبحاث التي أجريت حتى الآن حول هذا الإعلان؛ هي أن صناع القرار في بريطانيا رأوا فكرة وجود وطن يهودي في فلسطين تتوافق تمامًا مع المصالح الاستراتيجية البريطانية في المنطقة. وبمجرد أن احتلت بريطانيا فلسطين، سمح هذا التحالف لليهود ببناء البنية التحتية لدولة يهودية تحت رعاية بريطانية، بينما كانت تحميهم حراب حكومة جلالة الملك.

وافتتحت أول سفارة بريطانية في القدس عام 1838، واضعة نصب أعينها حماية اليهود وتشجيع هجرتهم إلى فلسطين، وكان السفراء الأوائل في تلك السفارة وعلى رأسهم جيمس فين هم من تولوا ترسيخ مفهوم استبدال الفلسطينيين باليهود في القدس والأراضي المقدسة. وشيدوا خلال الفترة بين 1845 و1863 الأساس المتين الذي بنت عليه الصهيونية فيما بعد قوتها وعصاباتها المسلحة؛ لقتل وترويع وطرد الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم.

وتلقى جيمس فين المساعدة من مايكل ألكسندر أسقف الكنيسة الإنجليكانية في القدس عام 1841 – وهو يهودي في الأصل، ثم تحول إلى المسيحية، وتقلد أعلى المناصب في كنيسة القدس – بعد افتتاح كنيسة المسيح عام 1843 بالقرب من بوابة يافا بالقدس، ورغم أن هذه الهيئة المسيحية قد وقفت إلى جانب الحق الفلسطيني فيما بعد، إلا أنها في البداية وقفت بجانب الخارجية البريطانية المناصرة للصهيونية، والتي عملت بشغف كبير على تأسيس وجود غربي دائم في القدس وتنظيم عمليات شراء الأراضي والعقارات التي يجبر أو يضطر أصحابها إلى بيعها للإرساليات التبشيرية والشركات التجارية والهيئات الحكومية البريطانية.

لم تكن فكرة وجود شعب يهودي يحاول العودة لأرض الميعاد تمثل الكثير لمعظم اليهود في العالم، فلم يكن هؤلاء يعتقدون بوجود شيء اسمه الشعب اليهودي، كما يقول المؤرخ إيلان بابي. لكن الصهيونية – وهي أقلية فكرية في ذلك الوقت – اعتمدت على النخبة السياسية البريطانية، أمثال: جيمس فين، وآرثر جيمس بلفور وغيرهما، ثم القوى العسكرية فيما بعد، لتقنع اليهود بأنهم شعب. ورغم كل شيء، وبعد مرور عشرات السنوات، ونجاح كل تلك الجهود في ابتلاع فلسطين، فلازال اليهود في فلسطين يعيشون بعقلية المهاجر أو اللاجيء الذي يتطير من كل حادث، ويتقوقع داخل أحياء منغلقة بنفس عقلية الجيتو اليهودي الشهير.

لم تسقط القدس على يد نتنياهو، أو تتحول لعاصمة لإسرائيل بقدوم ترامب، لكن الأمر بدأ منذ عقود طويلة بفكرة راسخة وثقها التاريخ وأثبتتها الأحداث، وهي أن الدفع باليهود نحو الأرض المقدسة لم يكن ليقف عند حدود 1948 أو 1967 أو قرارات التقسيم أو غير ذلك من خزعبلات سيطرت على العقول كثيرًا. بل هو تحرك ممنهج يخلط الدين بالسياسة بالمصالح؛ لإزاحة كامل الشعب الفلسطيني من أرضه وإحلال اليهود محله، وتبديل هوية الأرض إلى الأبد.   

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك