“لا يُعمم إلا الأغبياء”.

ربما كانت هذه الجملة لشكسبير هي الأدق لوصف ما خرجت به رشا عدلي في روايتها (الوشم)، وخولة حمدي في روايتها (في قلبي أنثى عبرية) عن نساء عربيات يهوديات خارج المدار المتعارف عليه في الروايات العربية عن المرأة اليهودية الإسرائيلية كما في روايات السير الذاتية لسميح القاسم ومنها “إلى الجحيم أيّها الليلك”، أو عن المرأة اليهودية الأمريكية كما في رواية شيكاجو لعلاء الأسواني، أو النساء اليهوديات العرب المتحررات كما في رواية أرض السواد لعبدالرحمن منيف.

ولكن هنا في إصدارات 2014 لروايات عربية نجد شكلًا آخر نكتشفه عن حياة كاملة لبطلات يهوديات عرب.

أولا في رواية الوشم حيث تقول رشا عدلي: ليس هناك من صدف، هناك فقط وهم الصدف.

وكل ما يحدث لنا هو مقدر ومكتوب منذ الأزل فنجد البطلة المصرية اليهودية إيفلين الناجية من معكسر الاعتقال النازي ببولندا أوشوتيز بالصدفة التي تعود إلى بلدها مصر حيث الجارة اليهودية ديدمونة (مثال آخر ليهودية مصرية لكنها رفضت ترك بلدها وموطنها وحيث ذكرياتها) لتبدأ قص رحلتها من حيث كونها ابنة لأسرة يهودية مصرية متوسطة الحال.

يسعى الأب للهجرة لفرنسا سعيا للثراء ولترك مكان يعتبر نفسه فيه أقلية وغريبًا لا يشعر بأي انتماء بالرغم من مولده وحياته وعمله وأقاربه لكنه لا يشعر بكل ذلك (وهذا ربما يطرح نفس قضية المسلمين العرب الأقلية في الدول الأوروبية وأمريكا المولودين بها وربما تكون عائلات كاملة ولكن يظل عدم الاندماج بالمجتمع والشعور بالغربة كأقلية سؤالًا يُطرح ويبحث عن إجابة) ويتحقق له ما أراد من الثروة فقط بفرنسا وبقرار الهجرة من مصر تظهر والدة إيفلين كمطيعة مستسلمة لقرار والدها ولكن عن شعور مختلف ربما يتشابه أكثر مع الجارة ديدمونة في حب مصر والعيش بها، وبعودة إيفلين ذات الوشم العنصري على جلدها وبرأسها الحليق كأختام تطبع داخل روحها عما يعنيه الظلم والعدوان والإبادة، لتنضم لجبهة مقاومة للحكم النازي وقوات الحلفاء داخل مصر وتقوم بمهام تطلبها منها المقاومة.

ثم تنتهي الحرب العالمية الثانية بهزيمة هتلر وتعود إيفلين لفرنسا حيث درست القانون بجامعة السوربون، وحيث ثروة والدها لتبدأ رحلتها كمحامية ومدافعة عن حقوق المظلومين اليهود تحديدا، وللمطالبة في المحاكم الدولية بالعقاب المناسب للمجرمين، والترضية لليهود أو أبنائهم ممن تعرضوا للهولوكست.

وتشتهر كثيرًا ويكون في جانب آخر لهولوكست جديد يقابلها حيث تقول رشا عدلي: يخطئ من يعتقد أن كل صفحات العمر من السهل طيها؛ هناك صفحات عصية على الطيّ متكبرة على الثنيّ كلما شرعت في البدء في صفحة جديدة إذا بها متربصة بك تعيدك إليها من جديد.

حيث تظهر شابة عربية تشرح لإيفلين مأساة شعب فلسطيني اغتصبت منه أرضه ولم تدافع عنه بظلم وعدوان من اليهود الصهاينة (إسرائيل) لتبدأ إيفلين رحلتها للدفاع عن الظلم أينما كان، ولأي إنسان في صورة خارج حدود اليهودية داخل الحدود الإنسانية.

أما في الرواية الثانية وهي “في قلبي أنثى عبرية” لخولة حمدي؛ نجد يهودية لبنانية تتشابك قصتها وحياتها مع شخصيتين من المسلمين؛ أحمد وهو أحد الشباب المسلم الملتزم، واللبناني المنضم للمقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومع الفتاة الصغيرة ريما التونسية التي تدفعها ظروف الحياة من اليتم والفقر والصغر إلى الانتقال من تونس حيث تعيش مع عائلة جاكوب اليهودي المتسامح معها بالرغم من كونها مسلمة، إلا أنه “تعامل معها كأب حقيقي” ومع زوجته اليهودية المتشددة جدا إلى لبنان بمنزل أخت جاكوب نفسه، ومن ثم انتقلت للعيش مع أسرة ندا وهي البطلة للرواية،

حيث تقول خولة: أدركتْ منذ وعت أنها تملك نظرة مختلفة إلى الأمور، وأنه لا فائدة من الإعلان عن موقفها الذي يجعلها تتعرض إلى السخرية والإهانة حيث نجد ندى الفتاه اللبنانية اليهودية الذكية النقية تساعد أحمد وصديقه حسان المسلميْن ومن ثم يخطبها أحمد بمعارضة من والدتها حيث يتضح لنا أن والد ندى الأصلي مسلم تونسي، وأن والدتها تزوجت مسيحيًا وله ابن بمثابة الأخ لندا.

رجل دين مسيحي وأنها أسرة تجمع كل الاختلافات والديانات في شكل عجيب ربما لم نسمع عنه سوى في حياة الأندلس من تسامح، وماقبل 1948 قبل إعلان دولة اليهود إسرائيل على أرض فلسطين، حيث نجد أحمد يتناقش ويتحاور مع ندى عن الإسلام في دعوة لها لدينه فنجد ندا تسأله: لماذا يهاجمنا القرآن؟ فيجيبها أحمد: نحن لا نهاجم أحدًا والقرآن لم يهاجمكم. هل سمعت أحدًا يُهان من اليهود في القرون السابقة؟
تغذت العنصرية ضد اليهود من أسباب مختلفة ولم يكن القرآن سببا فيها.

هل كان هتلر يقرأ القرآن ليكره اليهود والسود والعرب وكل من ليس جنسًا آريًا؟ هل نحن من فرضنا على اليهود الخروج من بيت المقدس منذ مئات السنين؟ وهل أخرجناكم عندما عشتم معنا في أراضينا؟

وتستمر أفكار ندا ومحاورات أحمد حتى تبدأ ندا تقتنع بالإسلام، وهنا تكتمل الرواية لتنتهي ندا اليهودية وتستكمل ندا المسلمة التي تتزوج أحمد بعد عودته من الاختفاء وعودة ذاكرته له. ولكن تظل صورة وأساس ندا كشخصية حقيقية كما تقول خولة حمدي في مقدمة روايتها شيئًا يدعونا لتجنب التعميم. ولن تستطيع كقارئ سوى أن تعجب بمثل هذه الشخصيات النادرة التي تحفر في القلب مواقفها،
وكما تتساءل خولة في إهدائها لمقولة أحمد بخيت:

القلب غمد الذكريات

من الذي أفضى لسيف في الضلوع وسلّه؟
هي المرأة حيث القلب النقي تكن مهما تكن، وعندما يتعكر هذا النقاء يظهر التعميم الغبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد