سايكس بيكو جديدة أكثر تقسيما، وأكبر عدوانية، فتقسيم الحدود لم يقسم حب الدين داخل القلوب، وظل حلم الخلافة يراود الكثير في فترات متفرقة، يظهر بضعف تارة، وعلى استحياء تارة أخرى، ولكن أن يظهر جليا، وتكون له أرض وجيش، وهذا ما لن تسمح به إمبراطورية الشر الأمريكية فلابد إذا من التقسيم بشكل طائفي.

 

سايكس بيكو طائفي هو الحل أمام أمريكا كي تتحكم في تلك البقعة المنكوبة من العالم، ولكن ما سيجره هذا المخطط سيكون المزيد من الفوضى والتوحش، وهي المرحلة الأخطر بتاريخ هذه الأمة، فإذا نجحنا في إدارة هذا التوحش ستكون تلك المرحلة هي المعبر لدولة الإسلام المنتظرة منذ سقوط الخلافة، وإذا أخفقنا فهذا لا يعني ذلك انتهاء الأمر، ولكن هذا الإخفاق سيؤدي لمزيد من التوحش.

 

لكن هذا المزيد من التوحش الذي قد ينتج عن الإخفاق ليس أسـوأ مما هو عليه الوضع الآن أو من قبل في العقـد السـابق وما قبله من العقود بل إنَّ أفظع درجات التوحش هي أخف من الاستقرار تحت نظام الكفر بدرجات.

 

فإذا لاحظنا أن انهيار الإمبراطوريات ينتج عنه دول ودويلات صغيرة، لو لم يتم السيطرة عليها بحكم يوازى في قوته الحكم المنهار أدى ذلك إلى فوضى عارمة تصل حد التوحش بين أفرادها ويصير البقاء للأقوى.

 

وهذا ما حدث عند سقوط دولة الخلافة حدث بعض من هذا التوحش في بعض المناطق إلا أن الأمر استقر بعد ذلك بمعاهدة سايكس بيكو فكان تقسيم دولة الخلافة وتسليم الاستعمار الحكم فيها لدكتاتوريين يدينوا بالولاء للمحتل وليس للبلاد.

 

وسواء اتفقنا  أو اختلفنا في ماهية ما إذا كانت هذه الدول مستقلة حقيقة أو اتبعت كل منها في الخفاء الدولة التي استعمرتها في السابق، إلا أنها بعد فترة أصبحت تدور في فلك النظام العالمي الذي تمخض بعد نهاية الحرب العالمية الثانية والذي كانت صورته المعلنة هيئة الأمم المتحدة بما تحويه من شعارات فارغه من مضمونها عن حقوق الأنسان وحرية الشعوب في حق تقرير مصيرها.

 

لكن كيف يكون ذلك على أرض الواقع، ومن وضع قوانين تلك المنظمة أعضائها الدائمين المتمثلين في دول الاستعمار في هذا العالم وعلى رأسهم أمريكا، وهي الدولة التي  تأسست على العنصرية والتعصب والتوسع وثقافة الحياة للأقوى، وعلى عقيدة دينية هي مزيج من المسيحية واليهودية. وهي الدولة الوحيدة في التاريخ التي استخدمت السلاح النووي، ودمرت مدينتين يابانيتين بالكامل. هي دمرت فيتنام وكمبوديا وأفغانستان والعراق (عدد الضحايا بالملايين، ولا يمكن مقارنته بعدد ضحايا ما اطلقوا عليه كذبا الإرهاب التكفيري). وفككت يوغسلافيا والاتحاد السوفياتي وقسمت كوريا والسودان، وحاصرت كوبا وإيران وليبيا والعراق وسوريا… الخ.

 

فالسياسة الأميركية تقوم على تقاطع المصالح وافتراقها، من دون الالتفات إلى الوسائل وإلى حجم الكوارث والأزمات التي تخلفها.

 

فانهيار أي “دولة” – ماديا ومعنويا – في منطقتنا، وما يؤدي إليه من صراع دموي داخلي. والخراب الذي يخلفه هذا الانهيار، هو المجال الحيوي الذي يعمل فيه الأميركي لبسط سيطرته، من خلال براعته في إدارة “الفوضى الخلاقة”  وهذه الأخيرة هي التوأم الأميركي لإدارة التوحش والهيمنة من خلال فرض و خلط قيمها الاجتماعية والاقتصادية بقيم تلك المجتمعات المنهارة واضعة حول هذه القيم هالة من التقديس حتى لو كانت قيماً تأباها كل العقول.

 

ولأن هذه الأنظمة الحاكمة خالفت عقيدة المجتمعات التي تحكمها وقامت مع مرور الوقت والتدرج في الانحطاط بتضييع سرقة مقدرات تلك الدول انتشرت المظالم بين الناس.

 

وطبقاً للسنن الكونية المحضة نجد أن القوى التي يمكن أن ترجع الحكم لقيم وعقيدة المجتمع أو حتى ليس من أجل العقيدة والحق ورد المظالم والعدالة التي يتفق عليها الجميع ـ المؤمن والكافر ـ قوتان :

 

الأولى: قوة الشعوب وهذه تم تدجينها وتغييب وعيها بآلاف من الملهيات سواءً جانب شهوات المحرم منها و المباح، أو اللهاث خلف لقمة العيش أو اللهاث لجمع المال، فضلاً عن الهالات الإعلامية الكاذبة في اتجاهات شتى، ونشر الفكر الصوفي والإرجائي بين شرائحها، وبين فترة وأخرى يتم تقليم أنياب من يفيق من غفلته من هذه الشعوب عن طريق جيوش وشرطة هذه الدول التي تعتبر هذه المهمة هي مهمتها الأساسية التي تتلقى من أقلها الأموال.

 

الثانية : القوة الثانية التي يمكن من خلالها إرجاع المجتمع – ولو جزئياً طبقًا للسنن – إلى العدل وإلى عقيدته وقيمه هي قوة الجيوش وهذه تم إغداق الأموال المنهوبة عليها وشراؤها حتى لا تقوم بهذا الدور بل تقوم بنقيضه.

 

ولكن لأنها أرض الله وحده تبقى فئة قليلة من العقلاء والشرفاء تتمسك بدينها وتأبى الظلم وتنشد العدل، فيدور في خلد هذه الفئة استغلال ما في أيديها من القوة لتغيير هذا الواقع للأفضل بحسب اعتقادها، وأعاده الحكم لله وحده دون سواه.

 

لما كان ديننا دين رحمة دين حياه فالمتأمل في هذا الدين الخاتم يجد أثر الرحمة في كل ما شرعه الله لعباده : حتى العبادات التي فيها مشقة وتحتاج إلى صبر لا يتذوقها عابد إلا وعلم مقدار ما فيها من رحمة تتدفق على جوانب مختلفة من حياة الفرد والمجتمع، أما المعاملات فقد شرع الله للبشرية منهاجاً للمعاملات والآداب بين البشر في المجتمع الواحد وبين المجتمعات المتجاورة.

 

وقد يتعجب البعض عندما نقول إن عبادة الجهاد على الرغم مما تحوي من الدماء والأشلاء والجماجم، وما تشمله شعائرها من قتل وقتال هي من أكثر الشرائع رحمة بالعباد، إن لم تكن أكثرها بالفعل.

 

أسئلة كثيرة نحتاج للتأمل حول هذه العبادة: لماذا جعل الشرع أهمية كبيرة لها؟ حتى إنه جعلها ذروة سنام الإسلام؟ لماذا جعل تاركها حال الوجوب موسوماً بالنفاق؟ لماذا رغب الشارع فيـها بجعل الرزق الذي يأتي عن طريقها أشرف الأرزاق حتى لا ينشغل عنها منشغل بتحصيل الضروري من الرزق ؟ لماذا هي رحمة من الله بعباده؟ لماذا غيبت وشوهت هذه العبادة بالذات ؟

 

المعادون لهذه العبادة بتفاصيلها التي شرعها رب السماوات يتفاوتون ما بين غلاة وخبثاء وجهال:

 

الغلاة هم المتشددون والحمقى من الكفار الأصليين من يهود ونصارى وغيرهما الذين يتهمون الإسلام وكل شرائعه بالقسوة وعدم الرحمة. والخبثاء هم من نفس الفئة السابقة والذين يقولون إن الإسلام دين الرحمة والسلام والجهاد تطرف وغلو، وأنه ليس من الإسلام في شيء! وأما من يجمع بين الغلو والخبث والجهل والبلاهة فهم بني جلدتنا ممن اتبع سنن من كانوا قبلنا ودخلوا معهم حتى جحر الضب، فمنهم من ارتد بالكلية كالأحزاب القومية والديمقراطية والبعثية من اتخذ من الديمقراطية دينا له ، ومنهم غرق في الضلال من بعض الحركات الإسلامية السلمية التي تضع للجهاد شروط ما نزل بها وحي.

 

ومن تمام رحمة الله  بعباده أن يعلمهم فوائد ما فرض عليهم من شرائع على لسان نبيهم، من خلال تجربة من سبقه من أنبياء؛ لتظهر لهم حكمة الله في التشريع  والتي تدفعهم للقبول والرضا، إذ لا يشرع سبحانه لعباده من أمرٍ إلا ويقطع لهم من الحقائق الكونية التي تثبت لنفوس البشر التواقة للمعرفة، وأن ما قاله وشرعه موافق لما خلقه وأبدعه ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد).

 

فلقد خلق الله الإنسان ومن عليه بالسمع والبصر وغير ذلك من النعم ، وسخر له ما في الأرض ثم بعد ذلك يكفر وسفـك الدماء وأهلك الحرث والنسل وانتهك حرمات الله وأفسد في الأرض، ولأن رحمة الله – سبحانه وتعالى – سبقت غضبه فقد أرسل الرسل تنبيها للبشرية وهدايتها وتحذرها من عاقبة الكفر والشرك بالله ومخالفة أمره لما فيها من فساد يعم الأرض ويضر بالبشر، وكل ذلك يؤدي إلى غضب الله ونزول عقابه في الدنيا والآخرة.

 

رغم ذلك أكثر الناس اتبعوا الشيطان وعاندوا الأنبياء، وقبل أن ينزل لبعضهم الجهاد أراد أن يري البشر المصير دون جهاد؛ حتى يعلموا تمام حكمة الشارع ـ سبحانه وتعالى ـ فكان المصير رهيباً.

 

معاندة حتى يضيق الأمر بالأنبياء عندما يرون أن الأمر يزداد سوء وأن الكفار لا يلدون إلا كفارا، يعملون على فتنة القلة المؤمنة سواء بضغط مباشر أو بفتنة علو الكفر وأهله في أعين القلة المستضعفة من المؤمنين، ويكون مصير الجميع: أهل الكفر، ومن فتن وانقلب من القلة المؤمنة، الجحيم المؤبد في الآخرة.

 

وهذا الضيـق من الأنبياء ليس لهم في شرعهم ما يدفعه سوى أن يدعوا الله أن ينزل عذابه على الكافرين ولو كانوا بالملايين، فينزل الله عذاباً هائلاً، يليق بجبروته وغضبه لانتهاك حرماته ومحاربة أوليائه، عذاب يحقق العدل الغائب عن الأرض ولعذاب الآخرة أشد، (وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا . رب اغفر لي ولوالدي , ولمن دخل بيتي مؤمنا , وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا).

 

وكل هذا أيضا من تمام الرحمة بالبشرية في الدنيا والآخرة، أولاً: حتى لا يتسبب ترك الحبل لهؤلاء في إفساد الأرض وتدميرها بعد أن يعم الكفر والشرك والظلم البشرية ، وثانياً : إنقاذاً من النار لأجيال قادمة!

 

فرسولنا عليه الصلاة والسلام أرسل رحمة للعالمين والشرائع التي نزلت عليه كلها أرحم بالبشر. ومنها الجهاد في سبيل الله، فهو أرحم بالبشرية من أن ينزل عليها عذاب الله الهائل مباشرة، فشرع الله لهذه الأمة القيام بعذاب من يستحق العذاب بأيدي المؤمنين. مع نزول عذاب الله أحياناً لو تأخر أهل الإيمان أو تقاعسوا عن النهي والجهاد أو ينزل عذاب الله بصورة جزئية إعانة للمجاهدين خاصة في ظل ضعفهم كسنة من سنن الدعوات.

 

قال تعالى قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)

 

فجعل الله في السيف وقفاً للكافرين عند حدهم ومنعاً لتماديهم وهداية لبعضهم ، بينما عذاب الله الذي كان ينزل في السابق كان لا يبقي إلا المؤمنين.

 

من أسياف المسلمين التي نزلت على من يستحقها رحمة بالبشرية:

  • سيف على المشركين من العرب حتى يسلموا ، قال تعالى فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.
  • سيف على اليهود والنصارى والمشركين من غير العرب حتى يسلموا أو يسترقوا قال تعالى قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. فرحمة بمن خلفهم نزل السيف عليهم وحتى يعود منهم من قدر الله له الهداية.
  • سيف نزل على الممتنعين ممن ينتسب للقبلة ، وهؤلاء إذا عمت فتنتهم ألحقوا بالبشرية العذاب وخطرهم أعظم ، فلنأخذ الربا كمثال : وهو كما يقول شيخ الإسلام آخر المحرمات ومعصية ترتكب برضا الطرفين ، فما بالنا بالامتناع عن شرائع قد يرضاها طرف دون طرف لذلك نزل السيف على أهل البلد من المسلمين رحمة بهم إذا فعلوا هذه الكبيرة ، وقد اتفق علماء الأمة على ذلك السيف ، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ. قال أهل العلم تعليقاً على هذه الآية أن ذلك ليس فقط في من يستحل الربا بل وفى من يفعل المعصية يحارب.
  • سيف على كل مرتد حاكم أو محكوم ، علم هذا الدين ثم خرج منه يفتن المؤمنين وينشر الفساد والظلم في الأرض.

 

ومن كل ما سبق يتضح لنا أن المخرج الوحيد لنا كأمة هي إعمال شرع الله وبأسرع ما يمكن حتى نتفادى مزيدا من التوحش والتخريب والتضليل، لذا ويجب أن نعلم أنه لو توقف الجهاد والدفع لفسدت الأرض، هكذا نص كتاب الله وهكذا فهم الصحابةُ السنن والدنيا من حولهم ، فهم يعلمون أنهم لو تركوا الكافر ليستقر فسيحدث من الفساد الكبير الذي تتضاءل بجواره أية مفاسد أخرى، وسيحق من عذاب الله في الدنيا والآخرة ما يتمنى الناس إذا عرفوه أن ترفع راية الجهاد مهما كان من وراء رفعها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد