في مجتمع الغاب لا احترام إلا للقوة، فلا ضوابط ولا روابط ولا اعتبار إلا لهذا الميزان، فيه يأكل القوي الضعيف، وفيه تضيع الحقوق ويغيب العدل.

ولكن أن يكون حكم الغاب في حياة البشر فهذا الأدهى والأمر، بحيث يكون الإنسان أشد عدوانًا وظلمًا، خاصةً إذا قاتل وحمل السلاح، فكيف إذا كان هذا الباطش القاتل من بني جلدتنا؟! ويصلي معنا! ويرفع راية الجهاد في سبيل الله!

إننا في زمانٍ «لا أخلاقي» بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فطريق تحقيق المصالح للدول والجماعات والأفراد لا محرمات فيها، فأصبح الإنسانُ فيها السلعة الرخيصة، فلا حرمة لدمه، ولا كرامة لإنسانيته، ولكن هل يدفعنا هذا نحن المسلمين إلى نسيان أحكام شرعنا الحنيف حيال الجهاد في سبيل الله تعالى؟ فنتفنن في طريقة القتل؟ ونمثِّل بالجُثث؟ ونُعَذِّبَ في السجون بشتى أنواع العذاب؟ حتى أصبح بعض من يدعي الجهاد أشبه باللصوص أو قطاع الطرق! فلا إنسانية ولا رحمة في قلوبهم، كأنّهم وحوشٌ كاسرة، يعجبهم لون الدم، وعذاب المخالف، حتى شُوِّهَت صورةُ الإسلام والمسلمين.

فما أسباب انفلات المقاتلين من أخلاقيات الجهاد، وما هي ضوابط القتال وحمل السلاح؟

أسباب انفلات المقاتلين من أخلاقيات الجهاد:

أولًا: مِن أشدِّ أسباب انفلات المقاتلين وعدم التزامهم بأخلاقيات الجهاد وآدابه هو الضعفُ التربوي، والسقوط الأخلاقي، فلقد حَمَل المقاتل السلاح قبل أن يُؤدَّبَ أو يُربَّى على منهج الإسلام، وقبل أن يتخلّق بالأخلاق الحسنة، فأصبح قائِده هواه، والشيطان يزين له ما يصنع، وقد وقع ذلك في بعض بلدان الربيع العربي، حيث حُمِلَ السلاح ضد الطاغية، فلما سقط أصبح السلاح في يد هؤلاء المقاتلين وبالًا على المسلمين، ووسيلة لتحقيق مآربهم الشخصية، يقول الشهيد عبد الله عزام -رحمه الله-: «إنَّ حمل السلاح دون تربية على عقيدة التوحيد سيحول حملة السلاح إلى قطاع طرق وزعران…».

ثانيًا: الجهل بأحكام الإسلام وتعاليمه، وخاصةً فيما يتعلق بالجهاد في سبيل الله تعالى، فيسوِّغ لنفسه كل ما يفعل في سبيل تحقيق هدفه وغايته.

«من أسباب انفلات المقاتلين وعدم انضباطهم، الاندفاع والحماسة الزائدة عند بعض المسلمين، فيغيب عقله ويقل وعيه، فيرتكب موبقاتِ باسم الجهاد والاستشهاد في سبيل الله».

ثالثًا: ومن الأسباب أيضًا: الفهم الخاطئ لمفهوم الجهاد، فبعض المسلمين يقصر الجهاد على القتال فقط، وهذا تضييق لمفهوم واسع يشمل الجهاد باللسان والمال وغير ذلك، فالجهاد وسيلة وليس غاية.

رابعًا: الاندفاع والحماسة الزائدة عند بعض المسلمين، فيغيب عقله ويقل وعيه، فيرتكب موبقاتِ باسم الجهاد والاستشهاد في سبيل الله.

خامسًا: استعجال النتائج من الجهاد، ففي يوم وليلة يريد أن يرجع المقدسات، ويفتح الآفاق، وينشر الإسلام في أنحاء الأرض قاطبة، ويظن أن سلاحه قادر على كل شيء، فبه يقاتل ويدعو، وبه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا ما جرَّ الويلات على البلاد والعباد.

سادسًا: توسيع مفهوم العدو، فيظن أن كل من خالفه الرأي عدوه، ويحل قتله وقتاله، مع أن الإسلام ضيّق العداوة وحصرها بمن اعتدى على الدين، أو سلب الحقوق. قال تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» [الممتحنة:8-9].

ومما يساعد على انضباط المجاهدين بأخلاقيات الحرب وآدابه ما يلي:

«التربية على خير الأخلاق والآداب، وخاصة الإخلاص لله تعالى، تسهّل وضوح غاية الجهاد وهدفه، وتؤدي إلى الانضباط بآدابه وأخلاقه».

أولًا: تربية الفرد على خير الأخلاق والآداب، وخاصةً الإخلاص لله تعالى؛ لأن الرياء والسمعة سهلة التسلل في هذا الباب، كما أن بالتربية والأدب تتضح غاية الجهاد وهدفه؛ مما يساعد على الانضباط بآدابه وأخلاقه. ففي حديث بريدة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا»، ثم قال: «اغزوا باسم الله …» (رواه مسلم).

فبالإخلاص تسقط الرغبات الدنيوية و المصالح الخاصة، ويعلو نداء الله أكبر، ويكون منهج الإسلام هو القائد والرائد في دروب المجاهدين، ومن الأخلاق المهمة أيضًا الحلم والرحمة والصبر والأناة.

ثانيًا: دراسة السيرة النبوية من قبل المجاهدين دراسة وافية معمّقة، وكيف تعامل النبي-صلى الله عليه وسلم- مع العدو، في حال الحرب والسلم، ففي كل حادثة من حوادث السيرة درس وعبرة قد تطبق في واقعنا.

ثالثًا: تعلم فقه الجهاد وشروطه، وما يجب قبل القتال، ومن يقتل ومن لا يقتل من العدو، وحكم التخريب والتدمير، وما يجوز استخدامه من وسائل القتل وما لا يجوز، وبماذا تنتهي الحرب إلى غير ذلك من المباحث المهمة في هذا الباب.

رابعًا: الانتقاء والاصطفاء للمقاتلين، واختبارهم وتمحيصهم حتى يتميز الصالح منهم للقتال من غيره، وما أجمل أن يمر المقاتل بدورات تأهيل وتدريب وتعليم، ثم يأخذ إجازة بالقدرة على القتال، وأن يتخصص في فن معين منه، فهذا أنفع وأفضل للجهاد والمجاهدين.

خامسًا: وضوح الهدف من الجهاد، والتدرج في تحقيق الغايات بخطط طويلة الأمد، فلا يكون الجهاد مجرد ردود أفعال وتخبط في القرارات؛ مما يسهم في تقليل الحماس والاندفاعية والتهور عند بعض الأفراد، واستنفاذ الطاقة في الأخذ بالأسباب وعدم استعجال النتائج، فنحن محاسبون على السعي في الأسباب لا على نتائجها.

ختامًا، إنّ سلوك بعض الأفراد والجماعات جلب التهمة للإسلام بأنه دين التطرف والإرهاب، ولا شك أنَّ الجهاد من أعظم الطاعات وأجلِّ القربات إلى الله تعالى؛ لما يترتب عليه من حفظ الدين ورد المعتدين، بشرط أن يلتزم المجاهد بالانضباطية العالية بأحكامه وآدابه، ومراعاة الأخلاق الإسلامية، ومعرفة العدو الواجب قتاله، مع فهم الغاية والهدف من الجهاد، فلقد فتح الصحابة بأخلاقهم ورحمتهم قلوب العباد قبل البلاد.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد