لقد خلقنا الله وكلٌ منا لديه طباعه وطريقته في التفكير والحكم على الأشياء، سواء بصحتها أو خطئها، بما يتأثر بالبيئة المحيطة به والزمن، ولكن الله -سبحانه وتعالى- لم يتركنا هكذا بدون معيار نتحاكم إليه، أو بالأحرى ميزان تُوزن به الأفعال والأقوال؛ لنحكم عليها سواء بالصحيحة أو الخاطئة.

فأوحى الله إلى رسوله القرآن الكريم، والسُّنَّة المُبينة له؛ ليكونا الميزان الحاكم، ولكن كعادة الطابع البشري يتسرب إليه بعض الأمور التي تغير مسار تفكيره، وتحرفه عن المسار الصحيح، مثل الأهواء، والمصالح، والحسد، والكبر، وضغط الواقع… إلخ.

ولهذا أحببت توضيح هذا الأمر الهام قبل الولوج في موضوعنا الرئيسي؛ لكي نُجنب مثل هذه الأمور التي قد تتحكم في آرائنا ومعتقداتنا بشكل خاطئ، يخالف القرآن والسُّنَّة، فلنضع الدلائل من القرآن والسُّنَّة نصب أعيننا لنحكم بها على الأمور.

فجهاد الطلب من أكثر المواضيع التي وقع عليها بغي وتدليس وتزوير؛ لكي توافق الثقافة الغربية الغالبة؛ لأن الحضارة الغربية بما فيها تأثر بها الكثيرون، وبالأخص المسلمين حتى بعض الشيوخ، فظنوا بأن التقدم هو محاولة الجمع بين المعتقد الإسلامي والحضارة الغربية، ويا للأسف فقد تأولوا كثيرًا من النصوص، وبغوا على كثير من الأحكام الشرعية، لتتماشى مع الثقافة الغربية، ومن المؤكد أن جهاد الطلب من ضمن هذه الأمور، وكأنه قد غاب عن أذهانهم حقيقة هذه المجتمعات الغربية القائمة على احتلال البلاد، ونهب ثرواتها، وقتل الملايين، واغتصاب النساء، وأسوأ أنواع الاستعباد، وأنه لا يوجد أدنى شبه بين احتلالهم وفتوحات المسلمين، وهذا ما يدركه المتطلع إلى التاريخ، ولكن سيكون لهذا الموضوع استطراد في مقالة أخرى إن شاء الله.

وحتى يكتمل التشويه للإسلام، عندما قام الكثيرون بنفي وجود جهاد الطلب، ولا وجود لجهاد غير جهاد الدفع، بدأ التمويل لوسائل الإعلام لتشويه صورة الجهاد بمسلسلات وأفلام تُنفق عليها الملايين لفعل هذا، ويقولون بأن هذا تصوير للواقع المعاصر، لا والله إنما هو فساد وبغي على دين الله، فإن كنتم تريدون الحق لصورتم الصحيح منه في عهد النبي، وما بعده من القرون فهذا هو التمثيل الحق للجهاد، فالخطأ إذًا في التطبيق المعاصر لبعض الجماعات المخطئة، وليس في النصوص؛ فالعاقل ينكر الخطأ ولا ينفي الصحيح.

وسنعرض هنا الأدلة من الكتاب والسُّنَّة لإثبات جهاد الطلب، ولكن قبل هذا وحتى تكتمل الرؤية، وهدف هذه المقالة وما بعدها وجب قول هذا؛ ليس المهم الآن القيام بشعيرة جهاد الغزو والفتح والطلب؛ لأننا قد نكون معذورين بعدم وجود الإعداد الكافي للقيام بجهاد الطلب، والأصل العظيم الذي يُنظم كافة فروع الشريعة، هو أن القيام بالشرع حسب الإمكان، لكن المهم الآن وهو الذي لن يسامحنا الله فيه إنما هو المحافظة على المفاهيم الشرعية ضد التزوير، الذي يتم عبر تأثير مُوَجِّه ومتنوع من ضغط الثقافة الغربية الغالبة، وضغط الإمبريالات الغربية على النظم العربية لتمكين الخطابات الفكرية والدعوية المدجنة المنسجمة مع متطلبات النفوذ الأمريكي. (1)

الأدلة

الدليل الأول: قول الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال:39]. والفتنة هنا الشرك كما فسرها بذلك جَمْعٌ من السلف، فقال السعدي -رحمه الله- في تفسيره ‏{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}‏ أي‏: شرك وصد عن سبيل اللّه، ويذعنوا لأحكام الإسلام، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏}‏ فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذبّ عن دين اللّه الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو الأعلى على سائر الأديان‏.‏ {فَإِنِ انْتَهَوْا‏}‏ عن ما هم عليه من الظلم {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}‏ لا تخفى عليه منهم خافية‏.‏

وكما قال القرطبي أيضًا(2) -رحمه الله- في {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏}‏ هو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، وقال الجصاص -رحمه الله- في هذه الآية على وجوب قتال أهل الكفر إلا ما خصه الدليل من الكتاب والسُّنَّة، وهم أهل الكتاب والمجوس فإنهم يقرّون بالجزية. (3)

وحتى تدرك أكثر، أهمية الآية يجب أن تعلم أن حفظ الدين من أول وأهم مقاصد الشريعة، التي يجب حفظها، وأن يخضع الناس لحكم الله، وهذه أسمى منزلة؛ ليرتفع الناس من عبادة العباد والطواغيت، لعبادة رب العباد وتحت شريعته -سبحانه وتعالى- لا لحكم قوانين بشرية ضعيفة وقاصرة، ولإعلاء كلمة الله في الأرض.

الدليل الثاني: قول الله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة:29].

فجعل سبحانه سبب قتالهم كفرهم بالله، ولا نكف عنهم حتى يخضعوا لحكم الإسلام، فلو كان جهاد الطلب محظورًا لكان انتهاء القتال بسبب كفهم عن مقاتلة المسلمين، وليس خضوعهم لحكم الإسلام، وبذل الجزية بعقد الذمة.

الدليل الثالث: قول الله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:5].

فيجب أولًا ربطها بالآيات الأربعة الأولى لفهم السياق، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (حَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَاهَدُوا رَسُولَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ حَيْثُمَا شَاءُوا، وَأَجَّلَ أَجَلَ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَهْدٌ، انسلاخَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى انْسِلَاخِ الْمُحَرَّمِ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ لَيْلَةً، فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَضَعَ السَّيْفَ فَيمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ). ووضح بعدها أن هذه البراءة التامة المطلقة من جميع المشركين، إلا الذين عاهدتم منهم، واستمروا على عهدهم، ولم يجر منهم ما يوجب النقض، فلا نقصوكم شيئًا، ولا عاونوا عليكم أحدًا، فهؤلاء أتموا لهم عهدهم إلى مدتهم، قَلَّتْ، أو كثرت؛ لأن الإسلام لا يأمر بالخيانة وإنما يأمر بالوفاء.

أما هذه الآية فتسمى بآية السيف، وقال فيها الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «قال العلماء –رحمة الله عليهم-: إن هذه الآية ناسخة لجميع الآيات التي فيها الصفح والكف عن المشركين، والتي فيها الكف عن قتال من لم يقاتل، قالوا: فهذه آية السيف، هي آية القتال، آية الجهاد، آية التشمير عن ساعد الجد، وعن المال والنفس لقتال أعداء الله، حتى يدخلوا في دين الله، وحتى يتوبوا من شركهم، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام». وبهذا قال أهل العلم: «ولو كانت الآية في قتال الدفع لكان كفهم عن حربنا تخلية لسبيلهم».

ويفصل شيخ الإسلام بن تيمية -رحمه الله- قائلًا: «فلما أتى الله بأمره الذي وعده من ظهور الدين، وعز المؤمنين أمر رسوله بالبراءة إلى المعاهدين، وبقتال المشركين كافة، وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون؛ فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى اللذين أمرهم بهما في أول الأمر، وكان إذ ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية، وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه، فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي، يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه. وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة؛ لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق، ينصرون الله ورسوله النصر التام. فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة: فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون». (4)

الدليل الرابع: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة:72].

فقال السعدي -رحمه الله-: «يقول تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ‏}‏ أي‏:‏ بالغ في جهادهم والغلظة عليهم حيث اقتضت الحال الغلظة عليهم‏،‏ وهذا الجهاد يدخل فيه الجهاد باليد، والجهاد بالحجة واللسان، فمن بارز منهم بالمحاربة فيجاهد باليد، واللسان والسيف والبيان‏،‏ ومن كان مذعنًا للإسلام بذمة أو عهد، فإنه يجاهد بالحجة والبرهان ويبين له محاسن الإسلام، ومساوئ الشرك والكفر، فهذا ما لهم في الدنيا‏».

الدليل الخامس: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156].

فهذه الآية تدل على جهاد الطلب فهم خارجون للغزو {كَانُوا غُزًّى} وليس دفعًا فقط لقولهم {لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا}.

الدليل السادس: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} [التوبة:38].

فقال ابن كثير -رحمه الله-: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك حين طابت الثمار والظلال من شدة الحر وحمارة القيظ، فقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله، وبالمناسبة هذه الآية نزلت في غزوة تبوك لمواجهة الروم، فمن المعلوم عقلًا أن هذه الدعوة لجهاد الطلب وليس للدفع.

وهناك آيات كثيرة، ولكن حتى لا يطول بنا المقام، سنشرع في ذكر بعض أدلة السُّنَّة.

الدليل السابع: عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله). والحديث متواتر ومبين أنه -صلى الله عليه وسلم- مأمور بقتال الناس إلى غاية الإسلام، وليس إلى غاية توقفهم عن محاربة الإسلام، ومن المعلوم أن هذا العموم (أن أقاتل الناس) خرج منه بعض الكفار بأدلة أخرى كأهل الجزية والنساء والأطفال، بالنهي عن قتالهم في الأحاديث المعروفة.

الدليل الثامن: ما جاء في صحيح مسلم وغيره، عن عائشة وعن بريدة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوّا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوّا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم).

وهذا دليل بيّن على جهاد الطلب، ومن المعروف طبعًا دعوة الناس أولًا إلى الإسلام بالحسنى، وأن المقاتلة لمن سمع الدعوة ورفضها فيُخير ما بين الجزية والقتال؛ فإن رفض الجزية يُقاتل.

وقد حكى الإجماع على جهاد الطلب من أئمة المذاهب وغيرهم، مما يوضح أن بلوى إنكار جهاد الطلب لم تحدث إلا في العصور المتأخرة لضعف المسلمين وقوة الغرب، فبدلًا من إثبات هذه الشعيرة العظيمة، لم يجدوا إلا إنكارها لإرضاء الغرب، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

أكتفي بهذا القدر من الأدلة مع وجود الكثير، ولكن أظن الصورة قد اكتملت على إثبات جهاد الطلب، وفي المقال القادم -إن شاء الله- سأحاول مناقشة بعض الشبهات والاعتراضات على جهاد الطلب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) سلطة الثقافة الغالبة ص229
(2) تفسير القرطبي 2/353
(3)أحكام القرآن4/229
(4) الصارم المسلول ص 221
عرض التعليقات
تحميل المزيد