لم يعرف مثل هذا العام تنكيلا بالمسلمين فرادى وجماعات، بدءًا من المصلين في كندا إلى المسلمين في أراكان إلى المسلمين في أفريقيا الوسطى، وهذه نتيجة حتمية للسلبية التي وسم المسلمون بها أنفسهم، فضلا على الآلة الاعلامية التي نجحت في تشويه المسلمين، انحدرت قيمة المسلم فتناولته الأيدي، وما عاد خبر إبادة جماعية لطائفة مسلمة يهز العالم، بل يمر حدثًا عابرًا، يسوقه المقدم في منتهى البرود، والأحرى أن موت نفر واحد مسلم يوقف نسق الحياة، وتُرصد لموته تحقيقات، وتُرسل البعثات تقتفي أثر من قتله، فالمسلم لا يُقتل بكافر في القصاص، فكيف بمسلم يموت سدى، وأرواح تُزهق على أنظار العالم، لا ذنب لها سوى أنها مسلمة، إنه لشيء عجيب أن ترى مجرمًا مثل بشار وبوتين وبوش حرًا، طلقاء يذرعون فيما يقبع غيرهم من المظلومين في السجون، ولا هم قتلوا جماعات ولا أبادوا طوائف، بل تراه في منتهى الوقاحة متصدرًا مشهدًا تلفزيونيًا.

 هذا العالم عالم وبيء منافق يعيش بخلاف ما ينادي به، حتى المنظمات الإنسانية لا تبرز على الواجهة إلا بعد أن تحل الكارثة، ولو تتبعنا  هاته المنظمات منذ أول نشأتها إلى حدود الآن لا نجد لها تدخلا فاعلا، بل يعد ووجودها على ملء الشغور، إنها أشبه بجماهير مأجورة جاءت تملأ عرضا مسرحيا فاشلا!

إن الذي أفضى بالمسلمين لهذا الانحدار والضعة فغدوا لقمة سائغة، الحذف والاختزال لكثير من التعاليم من الدين، حتى صرنا نسمع عن إسلام لايت، أفقدوا الإسلام روحه المعنوية القائمة على الشوكة والبسطة، تحت ذريعة الاستجابة للنسق التطوري للإنسانية، فهل تكون الاستجابة عندنا بحذف أهم عمود وهو الجهاد؟ نجح المستشرقون والمنبهرون بإيهام المسلمين أن الجهاد ما عاد يستجيب لمقتضيات العصر، يقول وهبة الزحيلي في كتابه آثار الحرب في الفقه الإسلامي: يخاف الغربيون لا سيما الإنكليز من ظهور فكرة الجهاد في أوساط المسلمين حتى لا تتوحد كلمتهم فيقفوا أمام أعدائهم، ويحاولون الترويج لفكرة نسخ الجهاد وصدق الله إذ يقول فيمن لا إيمان لهم: فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت.

الجهاد ليس فنًا من فنون القتال وإراقة الدماء بل ليمحص قلوب المؤمنين، ويعرف منهم المخلص من المنكص، وإلا فما المغزى من الإسلام وما قيمته الذي يستوي فيه الشجاع والجبان، إن وقائع الجهاد في العهد النبوي كشفت حقائق بعض المخلفين، ونتذكر كيف تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الثلاثة الذين تخلفوا، فأمر باعتزالهم وعدم التكلم معهم وكان أقسى عقاب يلقاه المسلم انتباذه، واعتزاله، بل إن العقاب نفسه كان نموذجا مبتكرا في قوانين العقوبات، وناموسا ساميا لم يحتج إلى إراقة ولا إثخان.

لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون  في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم

كان حجة المستشرقين على بطلان الجهاد وسلاحهم الذي سعوا به لاقناع العالم بموقفهم أن الجهاد أداة عنف، فأسهبوا في تشويهه، بل ابتدعوا ألفاظًا تسوق للصورة النمطية التي أرادوها فظهر مصطلح الجهادي، هذا اللفظ المحدث السماعي الذي لا نجد له أصلًا، ليس هناك جهادي بل هناك مسلم مجاهد، إنها عملية تنصل مقيتة لركن من أركان الإسلام، واطراحه دليل على تفصّ وتنصل فاضحين، وكم يحمل في طياته من خذلان.

يقول وهبة الزحلي في كتابه حينما طلب من صديقه المستشرق رأيه في الجهاد فقال: الجهاد هو الوسيلة لحمل الناس على الإسلام، وأوضاع الحرية ورقي العقل لا تقبل فكرة تفرض بالقوة، طبعا لن ندحض مزاعم صديقه بحروب الإبادة التي تقوم بها الدول الراعية للحرية والرقي لكن ندحضها بالقرآن الذي ينادي في كم موضع بضرورة البأس والشدة، ولتكن منكم فئة، وليجدوا فيكم غلظة، إن الإسلام على خلاف الشرائع الأخرى اختص بالجهاد وفضل بهاته المزية الخالصة بالإسلام وحده، فكل إسقاط للجهاد إسقاط لتلك الأفضلية، من يتتبع مساره سيعرف أنه انطلق من الجزيرة العربية حيث كانت الفروسية والشجاعة.

 ومما يذكر في السياق أن المسلمين هم من أدخلوا الفروسية لأوروبا، التي كان أفرادها وقتها مزارعين سذجا، لا يفقهون من فنون القتال شيئا، هناك جملة مأثورة وردت في كتاب ابن عذارى تلخص شجاعة المسلم، وتصور أول قتاله مع القوط: فاقتتلوا اقتتالا شديدا ظنوا أنه الفناء، ثلاث أيام متلاحمين. لم تكن صدفة أن خرجت من إسبانيا فتوحات نحو وأمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية نسجت على منوال الفتوحات العربية المسلمة، وظهر طراز من القادة الإسبان شبيه بالقادة المسلمين، أرغموا أنوف الأزتيك والأنكا، ودوخوا شعوب البير ووبنما، والمكسيك، نحن لا نتحدث عن عمليات لاكتشاف العالم بل امتداد للفتوحات العربية، صحيح فقدت الوازع الإسلامي، لكنها استلهمت من روح الفروسية المسلمة، كان الإسباني يحتاج صفة الفاتح ليعبر المحيط ويكتشف العالم الجديد، تشكلت في شخصيته صفة فريدة لا تجدها في الأجناس الأخرى والبقاع التي لم يدخلها المسلمون.

 وهذا ما نجده اليوم لدى الأتراك الذين حققوا قفزة نوعية وامتد اقتصادهم في حركة شبيهة بالفتوحات الآخذة في التوسع، مستلهمين من تاريخهم وبسطتهم، فالتاريخ له أثره في تكوين شخصية الفرد، ورسم أبعاده، في المقابل نجد شعوبا ذاقت ويلات الاستعمار، يحول هاجس الاستعمار دون تقدمها، ويشكل حاجزا نفسيا، ويخلق الماضي الأسود للاستعمار أفرادا وأجيالا هشة، ما زال يلقي بظلاله على شخصياتهم وتماهيهم مع قضايا واقعهم، إننا لا نجد شبيها لإسبانيا التي فتحت المكسيك بجنود لا يفوق عددهم الأربعمائة إلا في الإسلام، الذي لا يؤمن بالأرقام بل يعتضد بروح معنوية. هل كان لإسبانيا أن تبلغ العالم الجديد وتخرج منها الحملة تلو الحملة، وتتضاعف مملكتها عشرات المرات لو ما دخلها المسلمون؟ 

إن المتتبع لحركة الجهاد في العهد النبوي سيلحظ النسق التطوري من حركة سلمية إلى جيش مدرب ومنظم، وهذه السمة، سمة التدرج نجدها في كثير من الأوامر والنواهي، سمة خالصة بالإسلام تراعي النفس البشرية، ولا تجدها في سائر المذاهب والحركات.

نجحت الآلة الاعلامية في تشويه الإسلام، ووجدت في الجهاد سببا تنفر منه الناس فصبغته بالدماء والوحشية وألفت حوله قصص ومشاهد الزومبي، أذكر مرة أني رأيت صورة في كاريكاتير لشارل هيبدو، صورة لرجل ملتح (الإسلام) يقدم لزوجته (الرحمة) هدية متمثلة في رأس مقطوعة (الجهاد)، طبعا هم يسعون بهذه الرمزية لوأد الإسلام، ستعرف ان كان الإسلام بتلك الفظاعة حين تقرأ قصة البكائيين الذين ذهبوا للرسول صلى الله عليه وسلم للجهاد وكانوا سبعة نفر، فقال لهم ما أجد لكم حمولة تحملكم، فتولوا تفيض أعينهم من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، مشهد مؤثر لرجال تبكي لعدم إسعافهم بالخروج، هؤلاء المسلمون الذين تفيض أعينهم في كل موضع، يبكون لعدم الجهاد، يبكون لانقطاع الوحي من السماء، يخرون للأذقان سجدا وبكيا، بكاء المسلم هو أحد كمالات الإنسانية. 

ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب

الإسلام يبحث عن الحياة في كل شيء، في العف وفي العقاب، لأنه دين حياة وليس دين قتل كما يزعم المستشرقون، لما كانت الجاهلية تغرق في الثأر والدم أوجد لهم الإسلام طريقة تحقن دماءهم وتحفظ حقوقهم، فلو كان دينا دمويا ما نسخ تلك الأحكام الجاهلية التي لا تراعي إلا ولا ذمة، وربما من بديع ما يحفظ تلك المقارنة البلاغية التي كانت بين آية ولكم في القصاص حياة، ومقولة العرب: القتل أنفى للقتل، ولا غرو أن آية القرآن تفوقها بلاغة وحرصًا على الحياة.

خوف الحكومات الوطنية من انبعاث مفهوم الجهاد وإعادة تشكله في الذهنية المسلمة والمخيال، لذلك يسعون لغربلة عبر مناهج الدراسة، والعهد ليس ببعيد وجدت يوما ورقة لمناظرة وطنية ترجع لسنة 2015، كان الامتحان في مادة الفرنسية، وكان الموضوع الإنشائي حول الجهاد، فبعد أن يقدم السائل رأيه اللاحيادي في الجهاد، واصفا إياه بالعنف، يسأل الممتحن عن مدى تأثير الجهاد على التطور والحرية، بمثل هاته الطرق يتم تصفيتهم وغربلتهم، فلا يمر إلا من  يوافق أهواءهم، ما زال مفهوم الاستعمار مبثوثا في مناهجنا التعليمية، وما زالت فرنسا تنظر إلينا كمستعمرات تابعة  لها، ولا شك كان لها دور ضالع في تحطيم الروح المعنوية  إبان احتلالها. 

القوة مطلوبة في كل زمان ومكان، لا أحد بقادر أن يسلم من غوائل الزمن، نحن في زمن تتسابق فيه الدول نحو التسلح، ومن الغباوة أن نرضى الضعف في الوقت الذي لا تتوانى فيه الدول على التسلح. 

لو فهمنا ديننا كما يلزم لعرفنا أن وراء كل آية حكمة وخلف كل تشريع مقصد، وفي هذا السياق نستحضر صورة السبي التي انتهزها البعض للإساءة للإسلام كدين استرقاق، يقول الإمام الطاهر بن عاشور في تفسيره: وقد جعل الله السبي هادمًا للنكاح تقريرًا لمعتاد الأمم في الحروب وتخويفًا ألا يناصبوا الإسلام لأنهم لو رفع عنهم السبي لتكالبوا على قتال المسلمين، إذ لا شيء يحذره العربي من الحرب أشد من سبي نسوته ثم من أسره. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد