أستغرب حقًا وأنا شاب من شباب هذه الأمة التي ركدت وأبت إلا أن تبقى راكدة إلى أجل غير مسمى من الحوارات والنقاشات التي تتداول بين بعض شبابنا، أينما وليت وجهك تسمع وترى أو تقرأ عن شباب ينطق بالجهاد ويتمنى أن يفدي نفسه في سبيل هذا الدين ونصرة إخوانه المسلمين المستضعفين في كل مكان، عندها قررت الكتابة عن هذا الموضوع محاولا بالقدر الكافي من الإمكانيات توجيه البوصلة بالأساس إلى مواقع التواصل الاجتماعي – فيسبوك أنموذجًا – وأبحث عن الصفحات التي تثير هذه المواضيع، ولا أخفيكم أنني قبل بدأ الكتابة، اخترت عنوان الموضوع أعلاه وأنا على يقين أن أطروحتي صحيحة دون دعمها بحجج دامغة وواقعية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل تتوفر في شبابنا الآن شروط الجهاد في سبيل الله؟

شباب غارق في جهل يحيط به من كل جانب، لا تربية دينية ولا أخلاق ولا مبادئ، غارقون في الملذات والشهوات، شباب أمتنا يعج بالمجرمين والمنحرفين، شباب تستهويهم مدن أوروبا وأمريكا، ويتفاخرون بزيارتهم لها أمام أقرانهم، شباب أغلبهم يطلقون اللحي للزينة فقط، وليس للاقتداء بسنة رسول الله، ليس هؤلاء من الجهاد في شيء ولا في الإسلام بشيء، فالأجدر أولًا أن يقف شبابنا وقفة تأمل واحدة فقط قبل أن تراوده أفكار الجهاد التي تنبع في أغلب الأحيان من المشاهد التي ترى وتشاهد على وسائل الإعلام بشتى أنواعها في شتى بلاد المسلمين ومدى بشاعتها ويسأل نفسه إن كان يصلي أولًا قبل مناقشة ما إذا كان يصلي الفجر في وقتها دون ذكر أكانت مع الجماعة أم لا، وهل يعرف أساسًا ما هي فرائض الوضوء وأركان الصلاة، وهل يقوم الليل لله سبحانه وتعالى ويتضرع إليه ويدعو للأمة بالصلاح، ويسأل نفسه إذا كان يستطيع ترك مشاهدة مباريات منتخبه أو فريقه الأوروبي المفضل عندما يؤذن المؤذن للصلاة، وخصوصًا صلاة المغرب والعشاء، أنا أحاول هنا أن أجعلك تعيش معي اللحظات أو الأوقات الأكثر تشاركًا بين الشباب، ويسأل نفسه هذا الشاب هل يمارس الرياضة بشكل منتظم؟

سيعتقد البعض من القراء أنني أشكك في نواياهم، بالعكس فمجرد التفكير في الجهاد أمر محمود إذا توفرت الشروط المطلوبة لذلك، وليس من هب ودب يطلب الجهاد، خصوصًا في زماننا هذا الذي كثرت فيه الجماعات كل يلغي بليلاه، والكل يستغل جهل الكثيرين من شبابنا والتأثير عليهم بشتى أنواع الطرق من إغراءات وتحفيزات، فيجد نفسه في الأخير سلعة تتاجر فيها من طرف هؤلاء، ويكتشف في الأخير أنهم شرذمة من الخارجين عن القانون ولا تمت أفعالهم للدين بصلة، والبعض الآخر من الشباب قد قرأوا قصص البطولات العظيمة التي كان يقوم بها أبطال الصحابة، فأرادوا أن يقتدوا بهم بدعوتهم لفتح باب الجهاد.

فالجهاد ليس كما تظنون، أي حمل السلاح والتقدم للعدو، فهو طريق شاق وطويل ولعل آخره هو حمل السلاح، وأستحضر لكم هنا بطولات الصحابة رضوان الله عليهم، والتي مرت بجهاد من نوع آخر، جهاد أعظم من الذي تطلبونه الآن، إنه جهاد النفس والذي يأتي في المرتبة الأولى قبل جهاد الشيطان، ثم جهاد الكفار والمنافقين فجهاد في الظالمين والمعتدين، يقول الصحابي عبد الله بن عمر لمن سأله عن الجهاد ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها ، وروي سعد بن سنان عن أنس بن مالك عن النبي

ليس عدوك الذي إذا قتلته ادخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نور، أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك

وقال أبو بكر الصديق لعمر بن الخطاب حين استخلف: إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك، فهذا الجهاد يحتاج أيضًا إلى صبر، من صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه غلبه وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه، فصار عزيزًا ملكًا، ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك، غلب وقهر وأسر، وصار عبدًا ذليلًا أسيرًا في يدي شيطانه وهواه

شاهد أيضا: 

هل تعلم أيها الشاب الذي تنادي للجهاد والذي راودك بين ليلة وضحاها قد احتاج من الصحابة 13 سنة في مكة لكي يصنعوا من أنفسهم رجالًا أقوياء لا يهابون الموت، ولعلك تستغرب أن قيام الليل كان فرضًا من الفروض في بداية الدعوة الإسلامية، بل إن حمل السلاح للقتال كان ممنوعًا طوال الفترة المكية، ذلك لكي يتسنى لهم مواصلة التدريب النفسي الطويل الأمد الذي هو جهاد النفس، وبعد فتح الجهاد لم يحتاجوا إلا لسنة واحدة في المدينة لينتصروا في بدر.

أيها الشاب، نحن المسلمون لنا دستور أسمى، دستور رباني يحفظ حقوقنا ويظهر لنا واجباتنا، فهو المنهج الذي نمشي وفقه إذا كنا نريد هزم عدونا الباطن قبل الظاهر، دستورنا القرآن الكريم والسنة النبوية، ولاشك أننا إذا سرنا على طريق السلف الصالح واقتدينا بهم فسنعود لمجدنا الذي سطره أجدادنا لقرون عديدة، لذلك يتوجب علينا جميعا الجهاد في أنفسنا من خلال تعلم الدين والعمل به، والدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلمه والصبر على مشاق هذه الدعوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد