«لقد ملك حب الجهاد علي حياتي ونفسي ومشاعري وقلبي وأحاسيسي… إن التعلل بالآمال دون الإعداد لهو شأن النفوس الصغيرة التي لا تطمح أن تصل إلى القمم، ولا أن ترقى إلى الذرى. إن الجوار في المسجد الحرام وعمارته لا يمكن أن يقاس بالجهاد في سبيل الله… إن ترك المسلمين في الأرض يذبحون ونحن نحوقل ونسترجع ونفرك أيدينا من بعيد دون أن يدفعنا هذا إلى خطوة واحدة تقدمنا نحو قضية هؤلاء، لهو ولعب بدين الله ودغدعة لعواطف باردة كاذبة، طالما خدعت النفس التي بين جنباتها».

كانت هذه مقتطفات من وصية المجاهد الشهيد والداعية المربي والمهاجر في سبيل الله، العالم العامل عبد الله عزام، تعكس روح مؤمن صادق عرفت نفسه معنى الجهاد في سبيل الله، فأبت إلا أن تستقر في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، وتعكس إيمانًا عميقًا برسالتها في هذه الحياة بجهاد الباطل وأهله من الكافرين والمنافقين، وبذل الوسع للتمكين لدين الله والانتصار لمبادئه وإعلاء قيمه؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وتعكس إدراكه التام وفهمه العميق لميدان الجهاد، فلا تحركه العاطفة دونما وعي وإدراك للواقع، ودونما تحديد للهدف ووسائل بلوغه، سالكًا ميدان الجهاد الصحيح الذي يؤدي إلى أعظم النتائج بأقل التكاليف، فهو يتحرك بإيمان، وثقة، ووعي، ورؤية، وحسن إعداد.

ولا عجب فهو ابن تلك المدرسة التي قال رائدها :«إن الأمة التى تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب الله لها الحياة العزيزة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهن الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت»، والذي قال: «إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ».

إنها مدرسة الإخوان المسلمين التي تخرج أساتذة العزة والإباء، وفرسان التضحية والفداء، ولقد كان، رحمه الله، من أنجب تلامذتها وأعظم فوارسها، فراح يحول تلك المعاني من حيز الأفكار والنظريات إلى حيز التطبيق والعمل، مجاهدًا بلسانه بالتوضيح والتبيين، وإحياء معاني الجهاد في نفوس الأمة، وبسلاحه يوجهه إلى صدور اليهود الملاعين على أرض فلسطين، والروس المغتصبين على أرض أفغانستان، وبجهوده المضنية في خدمة المجاهدين، يستخدم في كل ميدان سلاحه، ويحدد لكل وقت ميدانه، واستمر في جهاده وبذله مقدمًا أعظم مثل لشباب الصحوة الإسلامية الذين تتوق نفوسهم ليوم النزال لتحرير المقدسات وإعلاء كلمة الله» حتى اختاره الله شهيدًا مع ولديه وهو في طريقه لأداء خطبة الجمعة بعشرين كيلو من المواد المتفجرة لغموا بها سيارته، لتختم رحلة جهاده بهذه الميتة الشريفة التي تليق بمثله.

ولأنه تشرب هذه المعاني الربانية وعاش بها ولها ومات في سبيلها، فلقد انعكس كل ذلك على أسرته، فعاشوا للفكرة ذاتها وجاهدوا لها وضحوا بالرخيص والغالي في سبيلها، فتستقبل زوجته الصابرة المحتسبة خبر استشهاده وابنيها بكل رضا، راجية رحمة الله، مؤمنة بقضائه وقدره، فتكتب لها الأخت الفاضلة حميدة قطب قائلة: «ماذا أملك من قول أو حديث أمام تلك الصورة المضيئة الرائعة لإنسانة تفقد أحباء ثلاثة فترى ذلك فضل الله وتكريمه باتخاذهم شهداء، لقد بهرني هذا المستوى من الإيمان والتجرد، لقد أكبرت فيك الوعي والصبر والتضحية، ورأيت فيك شريكة الحياة المثلى لإنسان مجاهد نذر حياته لله وللجهاد في سبيله في أي مكان وأي أرض يقوم فيها جهاد خالص لله، وفاز بالشهادة من طلبها وتمناها وعمل لها، وفَّى وصدق».

أخي الثائر الصادق، لعلنا قد استوعبنا الدرس من هذه اللقطة من سيرة هذا المجاهد لنعلم أن الجهاد هو طريقنا لاقتناص حريتنا، وانتزاع إرادتنا، وإقامة منهج ربنا، وكسر عدوه وعدونا، ولكنه الجهاد الصحيح الذي لا يستخدم السوط حيث يوجد اللسان، ولا يستخدم السيف حيث يوجد السوط، الجهاد الحق الذي يلتزم بالضوابط الشرعية، والذي يتحرج أن يرهق قطرة دم واحدة بغير حق، الجهاد الحق الذي يدرس الواقع من حيث الإمكانيات والتحديات وتقدير النتائج ليصل إلى أعظمها بأقل التكاليف، الجهاد الحق الذي يوحد الأمة ولا يكون سببًا في فرقتها، الجهاد الحق الذي لا يتنازل عن الثوابت ويكون مرنًا في المتغيرات بما يحقق مصلحة العباد والبلاد.

ولا ننس بيوتنا من شرحنا لقضيتنا، فمن وفقه الله لتتبنى أسرته قضيته فلقد استوفى نصف عدة الجهاد، وليجتهد في النصف الآخر، هدانا الله جميعًا سواء السبيل، وعجل بفرجه ونصره، إنه على ما يشاء قدير، وهو بالإجابة جدير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد