عندما تنظر للوقائع السياسية؛ لا تجهد نفسك في البحث عن مبادئ أو قيم، فقط ابحث عن المصلحة، ممنوع اليوم هو مرغوب الغد، أمريكا التي دعت العالم إلى الجهاد في أفغانستان، هي نفسها أمريكا اليوم التي حاربت المجاهدين في أفغانستان، أمريكا التي خلقت داعش خلال حكم (بول بريمر) في العراق، هي أمريكا التي تحارب داعش الآن؛ أمريكا كما يقول (غورباتشوف) هي «أكبر حليف، وأكبر عدو».

الولايات المتحدة الأمريكية والسعي للهيمنة:

خلال التاريخ القصير للولايات المتحدة؛ استخدمت كل عناصر القوة لديها من قوة ناعمة وصلبة وذكية؛ لفرض وبسط النفوذ؛ والتحكم في مجريات الشأن الدولي، من أهم تلك العناصر (الدين) الذي تم توظيفه بشكل مختلف خلال حرب أفغانستان، فالعلمانية الأمريكية ترفض الدين داخليًّا؛ لكنها ترحب به خارجيًّا وبشدة.

فخ أفغانستان:

نتيجة ظروف الحرب الباردة، وكالعادة أينما حلت الشيوعية، حلت الجيوش الأمريكية، تدخلت روسيا في أفغانستان لتدعيم الشيوعية، وتوطيد الأنظمة الموالية لموسكو، وتم إقحام الجيش الأحمر في كابوس مروع في عام 1979، واستمر الكابوس حتى 15 فبراير 1989، وكانت اللبنة الأهم في الاستنزاف أو بالأحرى مقدمة الانهيار للقوة العظمى الثانية.

إستراتيجية الولايات المتحدة خلال الحرب:

كانت الولايات المتحدة تعاني، احتياطي الهيمنة لديها ينحدر، مبدأ الشرعية الدولية أضحى في مهب الريح، نتيجة الضربات في (خليج الخنازير) في كوبا، والقرار الأسوأ في تاريخ أمريكا بدخول حرب فيتنام، أمريكا تتجه نحو الهاوية؛ لتأتي أفغانستان، وتعيد ضخ الدم في شرايين الهيمنة والاستعمار، صرح الرئيس (كارتر) لرئيس (وكالة الاستخبارات المركزية) قائلًا: «أصبحت الفرصة مواتية لإعطاء الروس كابوسهم الفيتنامي».

أمريكا تدعو العالم الإسلامي للجهاد:

طوعت أمريكا قوتها الإعلامية، استنفرت كرامة المسلمين حول العالم، استقبل (كارتر) عددًا من ضحايا الجيش الأحمر، مطالبًا إياهم بمخاطبة شعوب العالم الحر، لفضح همجية الانتهاكات الروسية الصارخة، لعبت أمريكا على وتر الإسلام، الذي لطالما كان نغمتها المفضلة، دخل الحق إلى ميدان الباطل؛ ليثور دون أن يدري العقل العاطل.

(عبدالرحمن عزام) من قادة المقاومة الأفغانية يقول في كتابه «آيات الرحمن في جهاد الأفغان»: «لقد أدخلوا الإسلام في حلبة الصراع الدولي»، صدرت الفتاوي بضرورة الدفاع عن الإسلام، والوقوف في خندق المجاهدين، وتم تصدير الشباب إلى بلاد الموت لخدمة الساسة الأمريكيين.

أمريكا عدو المسلمين الأول في القرن الماضي والحاضر، تدعو العالم للجهاد، وقف (كارتر) يخطب في الشعب قائلًا: «الغزو السوفيتي هو جهد متعمد، من قبل حكومة قوية (ملحدة) لإخضاع شعب (مسلم) مستقل»، تحملت الولايات المتحدة مخاطبة العالم، تكفلت بحشد المؤسسات الدولية للحصول على صيغة «حرب دينية» لكن ليسوا «مسيحيين»؛ مثلنا لكن ملحدين يحاربون الإسلام، أتم المهمة السيد (بريجنسكي) (مستشار الأمن القومي) في زيارة للحدود الأفغانية الباكستانية، وخطب قائلًا: «تلك الأرض هي أرضكم، ستعودون إليها يومًا ما، لأن قضيتكم هي التي ستربح»، ثم أضاف خلاصة الإستراتيجية الأمريكية: «ستستعيدون منازلكم و(مساجدكم) مجددًا».

ونحن أمام ثلاث مفارقات:

المفارقة الأولى: ليست في الدعوة الأمريكية، الكارثة كانت في الموافقة العربية، موافقة الذل والإذعان للهيمنة الأمريكية، فهناك أنظمة عربية ارتفع احتياطي شرعيتها، بل وخلدتها شعوبها، نتيجة التجييش للمشاعر الإسلامية لخدمة السياسة الأمريكية.

المفارقة الثانية: بعد أحداث 11 سبتمبر، ورغم تأكيدات (وكالة الاستخبارات المركزية)، بعدم ضلوع أي أفغاني في الهجوم، لكن الذريعة الأمريكية أقوى دائمًا من المنطق والحقائق، دخلت أمريكا أفغانستان لمحاربة الإرهاب، وحفظ النظام الدولي، مثلما دخلت العراق لنشر الديمقراطية، لكن لماذا لم يصنف دخول الاتحاد السوفيتي أفغانستان وفق هذا المنطق؟ ببساطة لأن الآلة الإعلامية السوفيتية تشبه الإعلام حاليًا، فلا يستطيع مخاطبة الخارج، ولا توحيد الداخل.

المفارقة الثالثة: حرب أمريكا على داعش أشبه بنكتة سخيفة؛ لكن الأكثر سخفًا منها سماع العرب لها، وكأنهم لا يفقهون قولًا.

سجون ومعسكرات الاعتقال الأمريكية (أبو غريب)، وتسريح الجيش العراقي دون الحصول على وظائف مدنية، ناهيك عن أعداد الموتى والمشوهين عضويًّا وفكريًّا، ثم سياسة أمريكا الطائفية؛ في دعم الشيعة على حساب السنة، كان من الطبيعي أن يقود إلى (داعش) أو أخطر وأشد من داعش على مصالح أمريكا وحلفائها الغربيين.

الخلاصة:

أن الدرس لم ينته، فقدوم رئيس أمريكي جديد؛ سيحمل بالتبعية عدوًا جديدًا، عدو من صنع أمريكا وتمويل الرأسمالية العربية، عدو سيفكك الأنظمة العربية، واحدة تلو الأخرى بمنتهى السهولة، عندها لن يصبح للنفط قيمة في ظل عقيدة غير متماسكة.

الدرس لم ينتهِ حقًّا لكن ما انتهى هو غباؤنا، وغباء حكامنا، حفظهم الله لنا، وحفظ كرسيهم لهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الجهاد
عرض التعليقات
تحميل المزيد