“كنا سنصل للنتائج نفسها على كل الأحوال، وبأية طريقة فكرنا وأية استراتيجية اتبعناها”

لا أعرف كيف تنتشر مثل هذه العبارات الجبرية بيننا أحيانـًا، فحين نخفق في مسار نعلق الأمر على القدر وإحكام المؤامرات، وإن أحرزنا تقدمًا يومًا تحاكينا عن الفخر والعظمة والعبقرية والتميز، فلنفترض جدلاً ولنسلم بتلك المقولات أن الصراع والصدامات والمواجهات والانتكاسات التي مرت بها الثورة المصرية كانت حتمية، فهل كانت جميع المسارات وطرق التفكير والخطط والقرارات حتمية أيضًا؟

دعونا نجرب النظر إلى الملكة إليزابيث التي تولت حكم إنجلترا عام 1588 في لحظات صعبة بعد قيادة أختها غير الحكيمة، التي حملت فترة حكمها كثيرًا من السخط واللوم وربما الكره أيضًا، تولت إليزابيث مقاليد السلطة في أجواء شديدة الحرج ولا تملك الدعم والقبول والرضا الكافي، وكانت موارد إنجلترا ضعيفة وتحدياتها كبيرة وهي واقعة بين قوتين كبيرتين لا يمكنها أن تناطحهما فرنسا وإسبانيا، كما كانت إسبانيا تجاهر بالعداء وإعلان الحرب على إنجلترا وتتوعدها بالغزو وتعد العدة لذلك، ولم تكن معاداة إسبانيا شيئًا عارضًا بل كانت متجذرة بالعقيدة والاقتصاد والكبرياء أيضًا، فكانت اللحظة بالفعل فارقة، والتهديد كبيرًا، والتحديات جسامًا، والضغوط الخارجية والداخلية كبيرة، والكبرياء الإسباني شرسًا، إنها معركة فـُرضت لا محالة، وكأنها خطوات كتبت عليها ومن كتبت عليه خطى مشاها.

بدأت الملكة إليزابيث أولاً في العمل الدؤوب الناجح لدعم الاستقرار الداخلي وتقوية بيئتها وجبهتها الداخلية ومحاولة تحسين الاقتصاد مع نشر السلام والاستقرار الداخلي بعد فترة من الإنهاك في الفوضى والحروب الأهلية، ورغم أنها كانت حريصة على نشر المذهب البروتستانتي في أوروبا مقابل اعتناق إسبانيا المذهب الكاثوليكي إلا أنها أبدت تسامحًا مع المخالفين، وبدأت الأجواء داخل إنجلترا تتحسن شيئًا فشيئًا وتزداد ثقة يومًا بعد يوم.

لم تـُستغرق إليزابيث في الداخل على حساب الخارج وتهديده الضخم المستمر وتحرش إسبانيا بها، الذي يدفعها حتمًا للحرب والمواجهة إما بدافع العقيدة أو حتى بدافع الاقتصاد أو حماية الأمن القومي، لكنها سعت في رسم استراتيجية شاملة للتعامل مع الحرب المحتومة مع إسبانيا لكن بطريقتها هي لا بالقدر المحتوم الذي ستفرضه إسبانيا عليها كما وصفها روبرت غرين في كتابه (33 استراتيجية للحرب) “فإذا كانت الحرب مع إسبانيا حتمية فقد أرادت ( يقصد إليزابيث ) خوضها وفقـًا لشروطها هي”.

أولاً لم تستجب إليزابيث لأي ضغط تحت مسمى حرب المذهب والعقيدة المقدسة، كما لم تستسلم لرغبات وزرائها ومستشاريها وحماستهم وقوتهم واندفاعهم لمواجهة الحرب المحتومة؛ لأنها كانت تقدر قوتها وميزان القوى بشكل جيد، ووضعت وفق ذلك استراتيجية للمواجهة تناسب قدرتها ومواردها وتعطيها الأفضلية والأولوية، وقررت أن تفكر بطريقتها هي لا بالطريقة التي تـُفرض عليها من الخصم.

صنعت استراتيجيتها في مواجهة التهديد الإسباني، التي اعتمدت على:

تقوية جبهتها الداخلية والعمل من أجل أن يلتقط المجتمع أنفاسه بعد فترة من الفوضى والحرب الأهلية لتحقيق استقرار مجتمعي مع تنمية الموارد الاقتصادية.

العمل على امتلاك التميز في سلاح البحرية والذي سيكون السلاح الفاصل في حالة الحرب القادمة وجعلته محترفـًا متميزًا.

قررت بناء شبكة معلومات وتجسس للتميز على الخصم في مجال جمع المعلومات، فامتلكت كل معلومة تفصيلية عن الحملة والأسطول حتى موعد التحرك، وفي الوقت المناسب نجحت في توجيه ضربة شتت الأسطول وقطعت عنه الإمداد وأعجزته عن التحرك ومزقته تمامًا؛ فتم إلغاء الاجتياح  بعد أن تحقق ضرر لا يمكن لفيليب جبره في المدى القريب.

التركيز على استنزاف ملك إسبانيا فيليب استنزافـًا ماليًا كبيرًا؛ فهو يعد أسطولاً كبيرًا ويجهزه للغزو وحجم تكاليفه المالية وأعباؤه وفوائده ضخمة جدًا، فأطلقت العنان لأعظم ضباطها أن يعمل منفردًا كقرصان دون أية تبعية لها أو للملكة ليقتات على هذه السفن والأسطول الذي يُعده فيليب، فكل سفينة يمكنه تخريبها أو الاستيلاء عليها يرفع معدل الفائدة على فيليب ويزيد إنهاكه ماليًا.

تفوقت إليزابيث على فيليب العظيم واستنزفته ماليًا وجعلت كلفة غزوه لإنجلترا تزداد يومًا بعد يوم، وأثارت عليه داعميه ومموليه، وجمعت إليزابيث هنا بين قوتها الداخلية وسلاحها الذي يحميها وحرب المعلومة والاستنزاف وبنت استراتيجية المواجهة على العمل باقتصاد تام للقدرات والموارد على  وأد الخصم واستنزافه وعدم تمكينه من خوض حرب مفتوحة وإحباط الغزو قبل أن يبدأ، فوأدت أحلام فيليب وتآمره بأقل الموارد وبالحفاظ على المكتسبات التي تحققها دون الرهان بكل شيء في اللحظات الفارقة.

إن الصراعات الكبرى ليست مجرد شعارات ومطالب بل تحتاج قيادة تمتلك عقلاً وفكرًا وتخطيطـًا واعيًا قبل أن نسأل الله التوفيق والنصر، وإن أول وأوجب الواجبات على دعاة الحرية والكرامة وإسقاط الاستبداد والحكم العسكري أن يقوموا بتحديث عقولهم وأدواتهم وطريقة تفكيرهم واستراتيجيتهم التي يجب أن تكون ناجحة؛ فالاستعداد للمواجهة والثورة يبدأ من قوة البيئة والجبهة الداخلية وتدعيمها، ثم التفكير في تحديث بنيتها وعقولها ومفكريها ومؤسساتها وقادتها، ثم تحديث الأدوات المناسبة التي يمكن أن تحقق بها تفوقًا على الخصم في الميدان والمجتمع والإعلام والسياسية وغير ذلك وصناعتها، مع النظر في أدوات الخصم والتفكير في كيفية إحباطها واستنزافها عمليًا.

لقد فكرت إليزابيث في التخطيط لمعركتها بالطريقة التي تريدها وليس بالطريقة التي تفرضها عليها الأحداث الحتمية، ولم تغفل تقوية الجيش وتحديثه والإنفاق عليه وتقويته وتأسيس سلاح البحرية الذي سيكون الرأس الحربة في مواجهة إسبانيا وتقويته، لكن استراتيجيتها جعلتها تصمم أدواتها في التفوق على الخصم في المعلومات وفي أدوات الإنهاك العملية ورفع التكاليف على الخصم مقابل قلة التكاليف عليها، في الأثناء كانت تقوي اقتصادها الداخلي وبنيتها الداخلية.

في مقال سابق بعنوان “سنخوض معاركنا مع بيروس” كان التحذير من ذلك النصر البيروسي الذي يمكنه أن يحقق انتصارات كبرى متتالية بعد جهد جهيد لكنه ينتهي في النهاية إلى دمار شامل فيكون نصرًا بطعم الهزيمة، واليوم نرى كيف أن النصر أو الهزيمة ليسا أمرين حتميين، وأن النصر ليس له طريق واحد وخطة واحدة واستراتيجية واحدة، وأن الانكفاء والاقتصاد والتقاط الأنفاس مع تعظيم الأدوات ورسم طريق مختلف للمعركة والصراع يمكن أن يحقق نجاحات أخرى قد تكون أفضل من الانتصارات البيروسية التي هي بطعم الهزيمة.

إننا نعيش في زمن يتحاور بعضهم فيه على حتميات وجبريات كأن كل شيء كتب وفرض علينا، فكُتب علينا الاستبداد وكُتب علينا الحكم العسكري وكُتبت علينا المؤامرات والخيانات، فلماذا لم تكتب على إليزابيث أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد