لست جديراً بالحديث عن الوضع السوري فضلاً عن الكتابة حوله نظراً لتضارب المعلومات وتباين مصادرها أمام المتابع لها من خارجها، لكن لعل من الواضحات الخطيرة التي تواجه المشهد الشامي في رأيي هو التباين الحاصل بين رؤية الجهاد القطرية/المحلية والتي تتزعمها حركة أحرار الشام، وبين الرؤية الجهادية العالمية التقليدية العابرة للحدود والتي تتبناها جبهة النصرة على وجه الخصوص، أما تنظيم الدولة الإسلامية فله سردياته الخاصة بعيداً عن هذه الثنائية وليس هذا معرض تناولها.

 

وقبل أن نلج في القضية يجب على القارئ أن يفهم أن مفهوم الجهاد القطري ليس مبتدعاً أو حديثاً بالكلية كما يتصور البعض، بل هو رأيٌ له وجاهة مستمدة من وجوده في التراث الإسلامي بالفعل، فقد تحدث بعض الفقهاء عن مسألتين يمكن الاستدلال بهما في وجاهة وصحة الرأي بقطرية الجهاد :

 

المسألة الأولى هي مسألة تنصيب إمامين للمسلمين في وقت واحد إذا تعذر جمع كلمة المسلمين على رجل واحد، فقد أجاز ذلك العديد من الفقهاء لكن سنكتفي بمثال واحد فقط لضيق المساحة، يقول الشوكاني: (ولا يصح إمامان .. وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلومٌ أنه قد صار في كل قطر – أو قل: أقطار- الولاية إلى إمام أو سلطان … فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين). (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار – 4/512).

 

المسألة الثانية هي مسألة دفع الصائل، فقد قرّر الفقهاء أن أهل كل قطر أولى من بقية المسلمين بدفع الصائل الذي يصول على قطرهم، أي أن الأقرب للعدو جغرافياً هو الأولى بجهاد الدفع من غيره، يقول النووي: (قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية، إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية، وُجب على من يليهم تتميم الكفاية) (شرح صحيح مسلم – 8/63).

 

إذاً القطرية مفهوم موجود بالفعل في تراثنا الفقهي، فما المشكلة إذاً في حال سقوط بشار وتسلّم أصحاب الرؤية القطرية للحكم ؟!

 

الإشكال يقع من وجهين:

 

الوجه الأول: أن القاصي والداني يعلم أن النظام العالمي لن يقبل لاعباً إسلامياً داخل لعبته خصوصا إذا كان هذا اللاعب يمتلك بعض الخلفيات العقدية والقتالية (كأحرار الشام) بل ويسعى إلى تحكيم شرع الله، والشرط الوحيد للدخول في النموذج السياسي العولمي هو تخلي هذا اللاعب عن إسلاميته، أو بالأصح: إسلامه، ليتحول إلى حاكم منقوص السيادة ولا يمتلك حرية كاملة في حكمه، بل هو محكومٌ بما تمليه عليه القوانين والقيود الدولية التي تسيطر عليها المنظمات الكبرى، كالأمم المتحدة ومجلس الأمن والناتو والبنك الدولي الخ ..

 

يبدأ النزاع بين التيار الجهادي الأممي والفصائل القطرية إذا تقبل القطريون استلام الحكم من داخل بنية النظام العالمي، فالجهاديون لا يرفضون امتلاك السلطة كمبدأ ، ولكنهم يرفضونه إذا كان حكماً منقوصاً تحت إمرة الغرب، وهذا رأيٌ له ما يدعمه ، فقد رفض الفقهاء التقدم لمنصب الإمامة إذا كان الحاكم الظالم/الطاغوت سيفرض على الحاكم الجديد مجموعة من الإيالات – أي السياسات- المناقضة لشريعة الله، فشرط الإقدام على الولاية أن يكون للحاكم مطلق التصرف فيها حتى يستطيع أن ينفذ فيها حكم الله لا حكم الطاغوت.

 

وفي ذلك يقول القرطبي: (قال بعض أهل العلم: يجوز للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر ورغبته وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك). وهو أيضا ما قرّره المارودي حيث اشترط زوال تبعة الحاكم القطري/الصغير للحاكم الظالم/الكبير حتى تصح ولايته. (الجامع لأحكام القرآن 9/215).

 

لذلك فإن المستدلين بإطلاقية الجهاد القطري من خلال مسألة تعدد الأئمة المذكورة آنفاً، يرد عليهم الجهاديون قائلين بأنه يجب عليهم إذا حكموا أن يحكموا بشرع الله لا بغيره، كما أقرّ شيخ الإسلام تعدد الولايات بشرط إقامة الدين، فقال: (والسنّة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك، فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق) مجموع الفتاوى 35/175.

 

وغنيٌ عن القول أن القطريين إذا ما قرروا الاحتكام إلى الشعوب بدلاً من الاحتكام إلى القرآن، فإن ذلك سيعيد المشهد السوري إلى ذات الدائرة المغلقة ولن يقدم التجربة السورية خطوة واحدة إلى الأمام، لأنه سيؤدي إلى استمرارية مشروعية التيار الجهادي في التواجد بسوريا بسبب استمرارية مبرر وجوده ألا وهو عدم تحكيم شرع الله، ومن ثمّ يستمر النزاع الدائر ولكن بديباجات مختلفة لا أكثر، ففي الحقيقة لن يتورع الجهاديون في عدم التفريق بين قتال بشار وقتال القطريين الذين سيحتكمون إلى البشر لا إلى شريعة الرحمن، وسيظل كلاهما – بشار والقطريون- حاكمين بغير ما أنزل الله في نظر التيار الجهادي، مما يولد – بشكل طبيعي- الصدام بين المنهجين الأممي والقطري، كما هو الحاصل في غزة مثلاً (مع الاختلاف).

 

ويبدو أن المقالين اللتين نشرتهما حركة أحرار الشام في صحيفتي واشنطون بوست وديلي تليجراف قد أظهرا بوادر هذا التباين بين المنهجين، مما سرب القلق إلى نفوس السلفيين وخاصة الجهاديين منهم، بل إن المقالات في الحقيقة أعادت طرح التساؤلات حول مدى حقيقة دعوى الأحرار بـ”سلفيتها” ورفضها لنظام الحكم الديمقراطي من الأساس.

تساؤلات ما بعد بشار

 

لكن حتى لو افترضنا أن الغرب تقبل الأحرار كبديل سياسي واقعي بين مطرقة الرفض الجازم لوجود بشار وسندان التهديد الداعشي، فالسؤال هنا: هل يمكن للغرب أن يسمح للقطريين بإقامة نموذج إسلامي رشيد ؟!

 

لا أعتقد ذلك، ولا أعتقد أن الأحرار أذكى من التجارب المؤسفة السابقة عليها (الإخوان المسلمون في مصر، المحاكم الإسلامية في الصومال، جبهة الإنقاذ في الجزائر، الخ) فاللاعب السياسي مهما امتلك من أدوات قوة تعينه على تحقيق أهدافه، فسيظل رهيناً للنظام العالمي، أي لتلك القواعد المؤسسة للاعتراف به كلاعب من الأساس، وهذا ما دفع بعض الحركات الإسلامية إلى العلمنة بشكل شامل مقابل الاعتراف بها كلاعب سياسي رسمياً، كحركة النهضة التونسية، وحزب النور المصري، والحزب الإسلامي العراقي، وغيرهم، فجميع هذه التنظيمات تم تمرير وجودها داخل النظام بشرط ألا تتجاوز مساحات التدين الرسمي، أي التدين الذي ترسم حدوده السلطة الطاغوتية ولا تهدد بقاءه.

 

وظني أن أقرب النماذج لما يمكن أن يئول الوضع إليه في سوريا – حال تسلم الأحرار الحكم – هو نموذج أقرانهم في الفلبين، فقد ظلت جبهة تحرير مورو تجاهد في سبيل الله للعديد من السنوات، وبعد وفاة أبرز قادتها الشيخ سلامات هاشم رحمه الله، بدأ خطاب الجبهة في التحول من التعبئة الجهادية إلى الدعوة للتحرر، ومن الأممية إلى الوطنية، وشيئاً فشيئاً بدأت القيم الحداثية تتسرب إلى صفوف الحركة وإلى منابرها الإعلامية، حتى انتهت الجبهة إلى توقيع معاهدة سلام مع الحكومة الفلبينية تقتضي بتسليم سلاح المجاهدين بشكل كامل خلال مدة معينة، مقابل الاعتراف بالأغلبية المسلمة وإقامة حكم ذاتي للمناطق الجنوبية، مع خضوع تلك المناطق للحكومة المركزية في الشمال. فالشاهد هنا هو عدم اعتراف النظام بوجود المسلمين كلاعب سياسي إلا بعد تسليم السلاح وخضوعهم للمركز أي للنظام، وهو ما ينفي مفهوم التحرر التي تأسست عليها الحركة ابتداءً.

 

وعلى أية حال، فإنه إذا حكم القطريون بشرع الله، لم يكن ثَّم إشكال، ويتبقى الإشكال في الوجه الثاني، وهو الوجه الأخطر في رأيي.

 

فالوجه الثاني يكمن في تقديم القطريين لأنفسهم وتسويقهم لمشروعهم المحلي إعلامياً معتمدين في ذلك بشكل كبير وشبه كامل على هويتهم كمواطنين سوريين في المقام الأول، فالقطريون يرغبون في استجلاب نظرات المجتمعات إليهم كلاعبين “محليين” وكأجزاء لا تتجزأ من مخرجات الدولة السورية القومية، حتى يتسنى مخاطبتهم كمكونات سورية وطنية قابلة للتدجين كلاعب في النظام العولمي.

 

تساؤلات ما بعد بشار

الإشكال هنا أن سؤالاً خطيراً يبرزه هذا الطرح: كيف سيتعامل القطريون – حال استلام الحكم- مع “المتشددين”، خصوصاً المهاجرين منهم ؟! فبما أن القطريين يؤمنون بـ “محليتهم”، بل يستمدون مشروعيتهم داخل بنية النظام الدولي من هذه الصفة – المحلية- ابتداءً، فلازم قولهم أنهم سيحاربون العناصر الأجنبية عن المجتمع السوري خصوصا تلك ذات الأبعاد العقدية والعسكرية المتعدية للحدود القومية، مما سيؤدي إلى اقتتال وجودي بين الفكر الجهادي التقليدي – ممثلاً في جبهة النصرة- والفكر الجهادي القطري ممثلاً في الأحرار.

 

ولا يخفى على أحد أن التيار الجهادي يؤمن إيماناً مطلقاً بأن مظاهرة المشركين على المسلمين هو ناقض من نواقض الإسلام يخرج صاحبها من الملة بالكلية، والأدلة على ذلك أشهر من أن نذكرها، فإذا حصل سيناريو الاقتتال بالفعل، فماذا يصبح مبرر القطريين حينئذ لقتال المسلمين الموحدين؟! قد يتقبل المرء قتال تنظيم الدولة بدعوى خارجيته، لكن كيف سيتم تبرير قتال أهل الجهاد من أهل القبلة ؟! إن هذا الإشكال سيدفع بالتجربة السورية إلى إعادة التجربة الأفغانية مرة أخرى، حيث تتمايز الصفوف إلى وكلاء الدول الاستعمارية ومجتمع مسلم معزول.

 

ما الحل لمواجهة الصدام المتوقع إذاً ؟!

 

أعتقد أن الأزمة لن يتم حلها بسهولة ولكن ثمة عدة سيناريوهات ممكنة الحدوث إذا صعد اللتيار القطري بعد سقوط بشار، أما سيناريو الإجلاء أي رحيل الفصيل الجهادي الأممي من الشام فغير وارد على الإطلاق.

 

أول هذه السيناريوهات يتمثل في تموضع الجهاديين الأمميين كجماعة ضغط داخل النظام الجديد دون مشاركة مباشرة في الحكم، فمن خلال تواجدهم الفعلي خلال مراحل الثورة السورية وبالاستناد إلى رأسمالهم الاجتماعي، يستطيع الأمميون أن يحققوا الأهداف التي خاضوا من أجلها غمار المشهد الشامي ابتداءً – ألا وهي إقامة الشريعة – من خلال تمرير هذا المطلب للسلطة الحاكمة القطرية، بينما يقف الأمميون موقف اللوبي الذي يعمل على التأثير على الحكومة لتحقيق أهدافه.

 

السيناريو الثاني – وهو في رأيي مستبعد لكنه وارد – يتمثل في مشاركة الأميين في استلام السلطة، بل الاستحواذ عليها إن أمكن ذلك دفعاً للقتال المتوقع بين القطريين والأمميين، خصوصاً مع تواجد نموذج حماس والقمع الذي تمارسه حركة حماس مع الجهاديين وهو الأمر الذي لا يغفل عنه أي منتمٍ للتيار الجهادي، تقع مشكلة هذا السيناريو في تكراره لتجربة الطالبان، مما لا يميل التيار الجهادي إلى اختياره.

 

السيناريو الثالث المعروف لدى الجهاديين التقليديين وهو الراجح في رأيي هو فرض المعركة على القطريين فرضاً عن طريق توسع الجهاديين – بعد سقوط بشار- إلى لبنان لمقاتلة حزب اللات وربما الأردن، مما يدفع الأنظمة الطاغوتية المحلية في هذه البلدان إلى استعداء الجانب السوري ومن ثمّ تتوحد الصفوف الجهادية برمّتها مرة أخرى في سبيل مواجهة هذه الأنظمة، كما هو حاصل الآن في جيش الفتح.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد